ضياء من الأبواء
في الأبواء، حيث يتعانق النخيلُ والجبال، ويتناغم صوت الوادي مع نداء المؤذن، وتفوح من نسائم الفجر رائحة الطين الندي؛ هناك عاش رجلٌ إذا يُذكر اسمه يطلّ النقاء، وإذا تُستحضر سيرته ��حلّ السكينة. لم يكن إمامًا في المحراب فحسب، بل كان رحمةً تمشي على الأرض، تواسي المهموم، وتضمّد جراح المكلوم، وتجمع القلوب على الصلح والوئام.
إنه الشيخ سعد بن عتيق بن مساعد أبو كيلة المحمدي – رحمه الله –، ��لإمام والخطيب الذي يمكث أربعين عامًا على منبر جامع الأنصار؛ يذكّر الغافلين إذا نسوا، ويقوّي الضعفاء إذا وهنوا، ويجمع المختلفين إذا شتّتهم خلاف. يغيب جسده عن الدنيا، لكن صوته لا يغيب، ويرحل عن الأحياء، لكن أثره لا يرحل.
وكانت بدايته مع الإمامة مبهرة كاسمه في الخُلق والسيرة؛ فقد وقف في محراب مسجد القرين إمامًا وهو في السابعة من عمره، صبيًّا لم تثقل لحيته بعد، لكن قلبه يمتلئ وقارًا، ولسانه يعتاد تكبيرة الإحرام. فمنذ طفولته الأولى، تُمهَّد طريقه إلى المحراب بالنور، وتغدو خطاه في بيوت الله مألوفة كصوت الأذان في الأبواء.
ينشأ على الألواح الخشبية، يخطّ الحروف ك��ا يخطّ الساجد جبهته، ويقرأ القرآن على الشيوخ كما يقرأ العطشان على المورد، فيرتوي بالآيات كما يرتوي القلب بالسكينات. فهو في صغره حافظ، وفي شبابه قائم، وفي كهولته مربٍ، وفي شيخوخته ذاكر… يجمع العمر كما يجمع القرآن بين فاتحةٍ وخاتمة.
لم يكن إذا يدخل خصومة ليؤججها، ولا خلافًا ليضاعفه، بل ليصلحه. كلامه دواء، وصمته شفاء، وبسمته رجاء. وإذا يقسم الميراث، يقسمه بميزان لا يميل، وورع لا يزول؛ فلا تغلبه شهوة، ولا تصرفه دنيا.
أما تواضعه، فكان أصفى من الماء وألين من الهواء؛ يلقاك بابتسامةٍ هادئة وصوتٍ مطمئن، كأنما يشرق من قسماته نورُ مصحفٍ مفتوح. لا يفرّق بين غني وفقير، ولا بين صغير وكبير؛ أبٌ لمن لا أب له، وأخٌ لمن لا سند له، وبلسمٌ لكل جريح، وأملٌ لكل طريح.
كان إذا يخطب، تصمت الأفواه وتنصت الأرواح؛ وإذا يتلو، تخشع القلوب قبل أن تدمع العيون. صوته لا يكون عاليًا فيصخب، ولا خافتًا فيخبو؛ بل وسطًا يعدل، ورصينًا يدخل. يطرق القلوب طرقًا رفيقًا، فتخشع، ويصيب الأرواح إصابةً لطيفة، فدمعت.
ولم يكن يغيب عن الحرم حاجًا أو معتمرًا أو معتكفًا؛ يعرف البيت كما يعرف البيت أهله، ويلازمه كما يلازم الطائر وكره. وفي صورته الأخيرة، بلباس الإحرام، ما بين السواك ورفع اليدين، يبدو شيخًا يعرف السجود حتى يعرفه السجود، ويألف الطاعة حتى تألفه الطاعة.
هكذا كان؛ زاهدًا في زخارف الدنيا، غنيًّا بما يحمل من قرآن وهُدى. وكانت سيرته برهانًا أن الإمامة ليست كرسيًا يُرتقى، ولا لقبًا يُلقب، بل مقام نورٍ يُستضاء به، ورسالة حقٍّ يُنتفع بها.
رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وأبقى ذكره في الأبواء كما تبقى ظلال النخيل على الوادي، وكما يبقى صدى الأذان في الأفق كلما تغرب شمس أو يشرق فجر.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي