ثم صباح الخير لكِ،
أنتِ يا من تقشعين غيوم يومي بـ صباح الخير صديقي،
ثم ماذا؟
ثم يهدأ هذا العالم قليلا،
وتصبح الأشياء أقل قسوة،
فقط لأن عينيكِ مرت على رسالتي هذا النهار،
عيناكِ اللتان تشبهان وعدا صغيرا بأن كل شي�� مهما أثقلنا سيمضي بخير.
فلا تؤجلي "صباح الخير صديقي" طويلا هذه المرة
هل أخبرتكِ عن الصباح؟
الصباح
كائن أعزل
يتعلم الطهارة
حين تبتسمين،
يخرج من غسقه مبللا
كأنه توضأ تواً بابتسامتك
ثم ماذا؟
ثم…
خففي من كحلتكِ قليلا،
ليس خوفا عليكِ،
بل على من حولك،
جرعة صغيرة
تربك وجه الكون
وتكفي لإتلافي مدة عمرين متتاليين،
وأنا لا أملك هذا القدر من النجاة!
في هذا اليوم
أشعر أني استيقظت
بطريقةٍ خاطئة،
كأن شيئًا فيّ
يصرّ
أن يمرّ بك
في كل مرة.
أراك
في أشياء متناثرة:
في كوب قهوة
تشربه فتاة
عند إشارة المرور،
في نافذةٍ
لم تُغلق جيدًا
في وجه الريح،
في دخان غليون
رجلٍ عجوز
يجلس وحده.
الحياة…
تكرار
أشياء صغيرة:
مثل
"صباح الخير ...."،
وصمتٌ
يقف بين شفتين،
لا يعرف
كيف يبدأ الحديث معكِ.
أجلس وحدي،
أراقب قلبي
وهو يفكر
بأبسط الأشياء:
كيف تذبل وردة
دون أن يعلم بها أحد،
كيف يكبر حزن
تركناه
في مكانٍ ما
ونسيناه.
ثم أفهم
ببطء،
أن نصيبي
من هذه الدنيا
صوتٌ خافت
يشبه حديث القلب:
يقول
بعد الدم
الذي لم يبرد
على درج السراي،
لم يسأل ذوو الياقات المتسخة
كيف ولماذا امتدت أيادي الموت،
ولا كم دم سال على الباب.
كل ما قيل بصوتٍ
أشد برودة من دكة غسل الموتى:
انزعوا السلاح
من هذا المكان.
كأن المشكلة
لم تكن في السكين،
بل
في الجسد
الذي لم يمت
بهدوءٍ
كافٍ.
أنا أشياء كثيرة..
أنا قلب يحمل فقد أم، غربة وطن، وجع أمة
أنا عقل يزدري الواقع، يرثي الشهداء، يستشرف النصر
أنا روح معلقة باثني عشر ضريحا، وآخر م��يب بضلع مكسور
أنا أخو الانسان في نص قديم لعلي يوصي مالكا،
في النص الحديث.. لا أجد هذا الانسان.
أُطيلَ الوقوفَ عند رسائلك القديم��،
كأنني أتحسّسُ نبضًا
لأتأكد إن كان لا يزال دافئًا.
هل أقول لكِ
إن ورقة الرسالة على مكتبي
تحافظُ على فراغها
بإخلاصٍ مُريب؟
أم أعترفُ..
أن الليلَ كلما اتسع،
ضاق صدري بغيابكِ؟
كيف أقولها
دون أن أنطقها؟
ربما
يكفي أن أسألكِ
عن يومكِ..
وانتظر
أكثر مما يحتمل قلبي.
كلُّ معركةٍ بيننا
لا تُنهي شيئًا،
بل ترسمُ لوحةً جديدة.
نختلفُ،
فتشتعلُ الألوان،
وترتجفُ المسافات،
أراقبكِ بإعجابٍ خفي،
أحترمُ ثباتكِ
كمن يكتشفُ في خصمه
وطنًا لا يُقهر.
أنتِ لستِ مشروعَ عمري القادم،
أنتِ عمري كلَّه
حين يخلعُ عنهُ المس��ّدات،
ويظهرُ بن��ختهِ الأخيرة.
أنتِ شرف��ي في الحياة
حين يضيقُ صدري،
وملجئي
حين يبردُ الليلُ أكثرَ مما ينبغي.
كلما اشتدَّ صدُّكِ
ازداد اقترابي،
كأن فيكِ جاذبيةً لا تُقاوَم،
تعيدُ ترتيبَ تعلقي بكِ
كما تُعادُ كتابةُ قدرٍ
كان يظنُّ أنه اكتمل.
ما يحدثُ بيننا
ليس تخاصمًا،
نحنُ نتمرّنُ على البقاء.
كالأمواجِ
على شاطئٍ واحد؛
تتصادمُ، تتكسّرُ قليلًا، ثم تعودُ
لتتوحدَ في إيقاعٍ أعمق.
رقصةٌ لا تُتقنها
إلا القلوبُ التي تعرف
أن الحبَّ
ليس هدوءًا دائمًا،
بل اقترابٌ
يحدثُ
حتى في أثناء العاصفة…
بل — أحيانًا —
بسببها.
ما زلتُ أحتفظُ برسالتكِ ا��أخيرة.
تلكِ التي قلتِ فيها
إنني "القديس توما" الخاصُّ بكِ،
أعدتُ الروحَ إلى صدركِ،
ولممتُ شتاتَ قلبكِ.
ابتسمتُ يومها.
لا لأنني صدّقتُ اللقب،
بل لأنني لم أكن أعرف
أن القداسةَ عندكِ
طريقٌ قصير.
تمنحينَه لقبًا سماويًا
في أول الطريق،
ثم يُدفن تحت أرضِ قبيلتكِ
عند انتهاء مهمته.
قلتِ إن الفوارقَ الاجتماعية قدر،
وأن الألقاب الثقيلة
لا تنحني
لرجلٍ لا يحمل
إلا نصوصه.
هززتُ رأسي،
كأن الأمرَ لا يعنيني.
جعلتِ من مشيخةِ أبيكِ
جدارًا عاجيًا لا يُطال،
وأقنعتِ نفسكِ
أن الطينَ الذي جئتُ منه
لا يليقُ بظلال خيامكم.
لم أجادل.
فكبرياءُ رجلٍ من العامة
أعلى من جدار أبيكِ.
أنا الآن
أحتفظُ بها،
رسالةً برتبةِ ندبةٍ قديمة؛
لا تُمسح ولا تؤلم.
رسالتكِ كانت صادقة…
إلا في سطرين.
حين ��تمتِها:
"أحبكِ أكثر من أي وقتٍ مضى،
أحبكِ للأبد."
لم أضحك، ولم أبكِ.
فقط
طويتُ الورقة،
وأعدتُها
إلى مكانها.
الطريقُ إليكِ ليس مسافةً تُقطع،
بل صلصالُ ذاكرة،
بلّله الحنين ورفض أن يجف.
كلُّ الكلماتِ التي لم أكتبها
تطاردني في يقظتي بكل ثقلها،
كلما حاولتُ استعادةَ أنفاسي بهدوء.
تنبت في أفكاري أدواتٌ حادة،
تحفر داخلي متاهاتٍ متشابكة،
تجرُّ طرقاتي نحو اسمكِ،
ثم تتظاهر بالاستقامة
أمام العابرين.
وأنا ما زلت أبحث عن خلاصٍ
في ملامحكِ،
لكن نهاية المتاهة
لا تُنهي التعب…
هي فقط
تمنحه وجهاً آخر.
وفي مطلع كلِّ انكسار،
أعود لألملم
بقايا الصلصال من بين أصابعي،
أشحذ أدواتي الحادة
لأحفر على جدار صمتك
علامة وجودي،
تُخبر كل العابرين
أنني كنت هنا،
أترك لهم شيئا من حنيني،
وأخفي صرختي خلف ابتسامةٍ متآكلة.
أنا لا أملكُ أرضا
إلا هذا الصدر،
حقلٌ مثقوب بمساحات صامتة،
تنبت من ندبات الأمس.
أصحو لا لأحرث،
بل لأمرّر يدي فوق خسارات مؤجلة،
كمن يتحقّق أن التشققات
ليست نزيفًا،
بل حصاد بقايا اسمك.
أدفن الكلمات
من دون أن أسمّيها،
وأتركها هناك بلا هوية،
كما تُترك الأشياء التي لا تحتاج أن تنمو.
الصباحُ يبدو أقل صدقا،
الضوءُ كذبة،
والنهار هو ليل يلبس ضوءا مستعارا،
لم أعد أرفع رأسي نحو السماء،
ولا أفتّش في الغيم عن معنى.
غيابكِ ليس خصمًا،
ولا امتحانًا،
هو مجرّد مساحة أقف فيها
من غير انتظار النهاية.
تعبتُ من تسمية الفراغ جفافًا،
ومن قياس الصمت
بمقدار ما يؤلم.
الصمتُ الآن
حجرٌ أضعه في صدري،
وأمشي.
قلبي يعلم أن الظّمأ شكل�� آخر
من أشكال البقاء،
وأن ب��ض العيون
لا تُروى،
ولا تُستسقى.
أنا لا أنتظر،
ولا ألوّح لشيءٍ قادم.
أنا فقط
أثبتُ في مكاني
كشجرةٍ
تعرف أن العاصفة
حين تمرّ
لن تجد فيها
��لبا لتقلعه.
لستُ بخير.
أرتّب ياقة قميصي،
كأنني أبحث عن آخر
أثر عالق من كحلتك
لم يعد يسعني المكان،
ولا يغادرني.
أمشي،
وأتعثر بأشياء صغيرة
لا تستحق السقوط،
لكنني أسقط قليلًا
في الداخل.
يداَي ما زالتا
تهشان الهواء
كأن ابتسامة قديمة
تكسّرت هنا
وأحاول جمع شظاياها
لأرتّق بها ثقوبًا
لا تُرى.
النهار يمضي،
وأنا قطعة شطرنج
فقدت ملكتها،
تتحرك بلا معنى
دون أن يلاحظ أحد
أن الرقعة باردة.
قولي إن المسافة أرقام،
وسأهز رأسي موافقًا،
وأتظاهر أن قلبي
لا يخطئ الطريق
كلما مرّ ��لّك
في زاوية الذا��رة.
تضعين صمتك
في فم الصباح،
فيبتلعه النهار مطيعًا،
وأظل أنا
أعدّ ما تبقى من الليل
في صدري.
الأشياء التي كانت قريبة
تكتفي الآن بأن تكون
أثرًا دافئًا
على أطراف أصابعي.
وأتشظّى…
كأن عينيّ
كلما ا��تسقتا
عينيكِ
ازدادتا ظمأً.
الصباح من دونك
ليس خيبة
هو خلل في ترتيب العالم
أستيقظ وكأن أحدهم
نقل الأشياء من أماكنها ليلًا
متعمدًا
تتكدس غياباتك
مثل فواتير مؤجلة
لا أملك رفاهية دفعها
وساعي البريد
صار يتفاداني
كأنه يعرف
أنها ليست رسائل
بل ارتجافات.
أكتبكِ
ثم أمزق
أرسلك
وألعن الطريق
أريد لرسائلي أن تصل
ولا تصل