*Rússia banida da copa por atacar a Ucrânia*
*EUA que vai sediar a copa atacou o Irã e está impendindo que os jogadores iranianos durmam no país durante o evento*
presidente da FIFA:
الخميني: حياة اية الله - باقر مُعين
الفصل الاول: اليتيم.. قصة طفل في خُمَيْن
الحلقة الأولى
+++
" كان والدي حتى وهو صغير يريد دائمًا أن يكون الشاه في الألعاب التي كان يشارك فيها"
أحمد الخميني
تقع مدينة خُمَيْن في عمق المناطق شبه القاحلة الممتدة وسط إيران، على بعد نحو مئتي كيلومتر إلى الشمال الغربي من أصفهان، العاصمة المبهرة للشاهات الصفويين، وعلى مسافة أربعين كيلومترًا إلى الجنوب من مدينة سلطان آباد – آراك.
كانت المدينة في مطلع القرن العشرين المركز الإداري لمنطقة كمرة التابعة لولاية كلبايكان، غير انها لم تكن أكثر من قرية كبيرة بمقاييس اليوم يبلغ عدد سكانها نحو ألفي نسمة موزعين على ثمانمئة أسرة، وقد بُنيت البلدة على الضفة الغربية لأحد روافد نهر قم، وكانت تتألف من شارع رئيسي تتفرع منه أزقة عديدة، وضريح صغير مكسوّ ببلاطات زرقاء وبيضاء، وثلاثة خانات للقوافل، وثلاثة حمّامات عامة، إضافة إلى تجمع كبير من البيوت المبنية من اللبن والمغطاة بطبقة من خليط الطين والتبن لحمايتها من آثار التآكل الناتجة عن زخات المطر المتقطعة والرياح الدائمة الهبوب.
وكانت البلدة الصغيرة مهددة على الدوام بهجمات القبائل المغيرِة، إذ كانت تقع في بلاد اللُّر التي عُرف سكانها بتمردهم واضطرابهم حتى عشرينيات القرن العشرين، حين أخضعهم رضا شاه بالقوة، لكن خمين المدينة كانت مكانًا مزدهرًا نسبيًا؛ فقد كان السوق يشهد حركة مستمرة للعربات والحمير والجمال التي تنقل البضائع عبر أحد أهم طرق التجارة بين موانئ الخليج في الجنوب والعاصمة طهران في الشمال، وكانت تحيط بها حقول خصبة من الحبوب وبساتين وافرة ومراعٍ جيدة، تُروى جميعها بمياه الثلوج الذائبة التي تنحدر بعناية عبر قنوات من جبال زاغروس القريبة، كما تواجدت بعض أفضل كروم العنب في المنطقة على مسافة أبعد قليلًا، كانت تنتج نحو اثنتي عشرة عائلة يهودية في قرية ليليان المجاورة نوعًا فاخرًا من العرق منها.
وُلِد روح الله الخميني في الرابع والعشرين من سبتمبر (أيلول) 1902 في منزل قائم داخل حديقة كبيرة على الحافة الشرقية للقرية، وكان المنزل عبارة عن مبنى واسع من طابقين شُيّد حول ثلاثة أفنية على طراز شائع في بيوت العائلات الميسورة في أقاليم إيران، وقد ضمّ شرفات باردة الظلال وبرجين مرتفعين للمراقبة، أحدهما يطل على النهر والحقول الممتدة وراءه، والآخر يشرف على الشوارع والحدائق المحيطة.
ظل هذا المجمع الكبير المحصَّن يعجّ بالحركة والنشاط خلال طفولة الخميني، فقد أجّرت والدته الأرملة حاجية خانم القسم الداخلي من المنزل، المعروف باسم الأندروني، وهو جناح العائلة والنساء، إلى نائب حاكم كمرة، الذي استخدم الطابق الأول مكاتبَ له والطابق الثاني مقرًا لحرسه، فيما أقامت حاجية خانم مع أطفالها الخمسة، وأخت زوجها، وضرتها، وحرسهم وخدمهم في القسم المعروف باسم البيروني، وهو الفناء الخارجي الذي يُستخدم عادة لاستقبال الضيوف ويُعد جناح الرجال في المنزل.
كانت مجموعات صاخبة من الصبية تلعب في الشارع المقابل للبيت، في معظم الأمسيات الدافئة، ومن ألعابهم المفضلة لعبة تُسمى "اللص والوزير" (دُزد ووزير)، وفيها يقبض الحراس على لص ويقتادونه إلى مجلس الملك، الذي يأمر وزيره بأن يُنزِل العقاب بذلك الرجل البائس.
وكان روح الله الخميني يعشق هذه اللعبة، فقد كان صبيًا لافتًا للنظر، قوي البنية، وكان يتسم بوقار يكشف انتماءه إلى إحدى العائلات البارزة في المنطقة، ويبدو أن أصدقاءه كانوا يدركون هذا الفارق بينهم وبين هذا الطفل الكاريزمي؛ إذ كان يقوم بدور الوزير كلما شاركهم اللعب إن لم يكن الشاه نفسه، ويقول أحمد الخميني، ابن الخميني: "كان والدي حتى وهو صغير يريد دائمًا أن يكون الشاه في الألعاب التي يشارك فيها".
تنتمي أسرة الخميني إلى السادة الموسويين؛ أي إنهم يدّعون الانتساب إلى النبي عبر نسل ابنته، ومن خلال سلالة موسى الكاظم الإمام السابع لدى الشيعة، ويُعتقد أن أصل العائلة يعود إلى نيسابور، وهي مدينة قريبة من مشهد في شمال شرق إيران، وقد هاجرت الأسرة إلى الهند في أوائل القرن الثامن عشر حيث استقرت في بلدة صغيرة تُدعى كنتور قرب لكهنؤ في مملكة أوده، التي كان حكامها من الشيعة الاثني عشرية، وهو الفرع من الإسلام الذي أصبح الدين الرسمي للدولة في إيران في عهد الصفويين، والذي ينتمي معظم الإيرانيين اليه اليوم.
وُلِد السيد أحمد الموسوي الهندي، وهو جدّ روح الله، في كنتور، وكان معاصرًا وقريبًا للعالم الشهير مير حامد حسين الهندي النيسابوري، الذي يُوصَف كتابه الضخم في تاريخ المذهب ويحمل عنوان "عبقات الأنوار"، بأنه مفخرة التشيّع في الهند.
غادر السيد أحمد الهند قرابة عام 1830 قاصدًا الحج إلى مدينة النجف المقدسة في العراق الحالي، وربما للدراسة في إحدى مدارسها الدينية الشهيرة، ولم يعد بعدها إلى الهند، فقد توثقت صداقته في النجف بيوسف خان الكمرهئي، وهو مالك أراضٍ كان يعيش في قرية فراهان غير البعيدة عن خمين، وقد أقنعه الأخير بالعودة معه إلى إيران، ويُرجَّح أن الرجلين قاما بهذه الرحلة نحو عام 1834، وقد اشترى أحمد بعد نحو خمس سنوات من ذلك، في عام 1839، المنزل الكبير والحديقة في خمين اللذين ظلا في ملكية العائلة لأكثر من قرن ونصف.
كان من الواضح ان احمد كان في ذلك الوقت رجلًا ميسور الحال، سواء كان قد جلب المال معه من الهند أم جمعه في إيران، إذ بلغت كلفة العقار الذي امتدت مساحته على أربعة آلاف متر مربع مبلغًا ضخمًا قدره مئة تومان، وكان قد تزوج بالفعل امرأتين من المنطقة هما شيرين خانم وبيبي خانم، وتزوج زوجة ثالثة عام 1841 هي سكينة، أخت صديقه يوسف خان، ولم يُرزق أحمد إلا بطفل واحد من زوجتيه الأوليين، لكن سكينة أنجبت له ثلاث بنات وابنًا هو مصطفى الذي وُلد عام 1856.
واصلت العائلة ازدهارها خلال العقد التالي، إذ اشترى أحمد أراضي في القرى الصغيرة المجاورة، كما اشترى بستانًا وخانًا للقوافل في خمين نفسها، وتوفي عام 1869، ونقلت العائلة جثمانه على ظهور البغال إلى مدينة كربلاء المقدسة لدفنه هناك وفق وصيته.
وكان مصطفى، والد الخميني، لا يزال صبيًا حين توفي والده، ولذلك تدرب على مهنة الأسرة الدينية كما جرت العادة آنذاك، فدرس أولًا في مدرسة دينية في أصفهان القريبة، ثم في النجف وسامراء، ويبدو أنه وصل إلى النجف عام 1891 مع زوجته الأولى حاجية آغا خانم، وهي ابنة عالم دين بارز كان معروفًا في وسط إيران يدعى ميرزا أحمد مجتهد الخونساري، وكانت تلك فترة مثيرة لعضو شاب من أسرة دينية يقيم في المدينة المقدسة، فقبل بضعة أشهر فقط منح ملك إيران القاجاري ناصر الدين شاه احتكار تجارة التبغ الكبيرة في البلاد إلى شركة التبغ الإمبراطورية البريطانية مقابل مبلغ سنوي قدره خمسة عشر ألف جنيه إسترليني، وقد أثار هذا القرار غضب فئات واسعة من الناس ومن بينهم شرائح رئيسية تمثلت في ملاك الأراضي والفلاحين الذين يزرعون التبغ، والتجار الكبار الذين يصدّرونه، وأصحاب الحرف المتواضعون الذين يبيعونه في أسواق البلاد، فضلًا عن الرجال والنساء الإيرانيين الذين اعتادوا تدخين النرجيلة مع أصدقائهم وعائلاتهم.
واستجابةً لهذا الغضب أصدر المرجع الشيعي الأعلى المقيم في النجف، ميرزا حسن الشيرازي، فتوى في ديسمبر (كانون الأول) 1891 تحرّم استعمال التبغ على المؤمنين، وقد امتثل الناس لندائه، في جميع أنحاء إيران، حتى داخل الحريم الملكي، مما أجبر الشاه على التراجع وإلغاء الامتياز.
وسواء كان الشيرازي قد أصدر الفتوى فعلا أم أنها كانت من تدبير تجار التبغ الذين هددت مصالحهم جراء بيع الاحتكارات، كما يجادل أحد المؤرخين مقدمين ادلة مقنعة، فإن أثر الفتوى كان كبيرًا في تعزيز مكانة رجال الدين في المدن التجارية الكبرى في إيران، كما شكّلت بداية انخراطهم الفعلي في السياسة المعاصرة.
درس مصطفى في العتبات، وهو الاسم الذي يُطلق على مدن المراقد الشيعية في العراق، حتى عام 1894، وحصل وهو في التاسعة والثلاثين من عمره على ما يُعرف بـ "إجازة الاجتهاد" وهي مؤهّل يتيح لصاحبه إصدار تفسيراته الخاصة لأحكام الشريعة ومبادئها، ويضعه في مرتبة متقدمة ضمن السلم الهرمي لرجال الدين الشيعة.
ولدت ابنته البكر في النجف بعد وصوله إليها بوقت قصير مع زوجته، ثم رُزق بخمسة أطفال آخرين بعد عودته إلى خمين هم ثلاثة أبناء وابنتين، وكان الابن الأكبر مرتضى قد وُلد عام 1896 وعاش حتى بلغ مئة وعام واحد؛ أما الثاني نور الدين فأصبح محاميًا في طهران؛ وكان روح الله الابن الثالث.
وظلت العائلة ميسورة الحال، إذ ترك مصطفى لأسرته بعد وفاته دخلًا سنويًا يتراوح بين مئة ومئتي تومان من ممتلكاته، وهو مبلغ كبير جدًا في زمن كان يُقدَّر فيه أن الفرد يحتاج إلى تومان واحد فقط شهريًا لنفقاته.
ويذكر مرتضى، الابن الأكبر لمصطفى، في مذكرات كتبها في شيخوخته أن والده لم يشارك في "الشؤون الدينية" في خمين. ورغم أنه لا يشرح مقصده من ذلك، فمن المرجح أنه يعني أن مصطفى لم يمارس العديد من الوظائف المحددة التي كان رجال الدين يؤدونها في المجتمع الإيراني التقليدي، فقد كان الملالي يشرفون على ما هو أكثر من الشؤون الدينية الشخصية للناس، حيث امتدّت سلطتهم لتشمل المسائل الاجتماعية والتعليمية والقضائية.
وغالبًا ما كانت هذه الوظائف تُقسَّم بين رجال الدين، خصوصًا في المدن الكبيرة، فالمعلمون الخصوصيون الذين كانوا يدرّسون الأطفال بعد المرحلة الابتدائية التقليدية كانوا في الغالب من الملالي، وكانوا يدرّسون مواد متنوعة مثل اللغة والخط والحساب والأدب إضافة إلى العلوم الدينية، وقد يتخصص الملا في المسائل القانونية فيعمل كاتب عدل، أو قاضيًا في إحدى المحاكم الشرعية الكثيرة في البلاد إذا كان مؤهلًا كما ينبغي، حيث كانت تلك المحاكم تتمتع بسلطات واسعة وغير محددة بدقة في القضايا الجنائية والمدنية آنذاك، وقد يكرّس رجل الدين نفسه للوظائف الروحية البحتة فيعمل إمامًا للصلاة أو واعظًا أو قارئًا للمراثي الدينية.
أما في الأماكن الصغيرة فقد كان رجل الدين الجيد يجمع غالبًا بين كثير من هذه الوظائف، فكان أشبه بكاهن ريفي متعدد الأدوار: مرشدًا روحيًا وقاضيًا وكاتب عدل ومعلمًا وخطيبًا وراويًا للقصص الدينية، وكان يُستدعى ليهمس بكلمة الله في أذن الطفل عند ولادته، وهو ما يُعد في الإسلام نظيرًا للمعمودية، كما كان يعلّم الأطفال والشباب مبادئ الإسلام، ويشرف على عقود زواجهم ويُثبت طلاقهم، ويوقّع على معاملات الأراضي والمنازل والمياه، وكان يخطب في الناس مذكّرًا إياهم باستشهاد الأئمة، ويرشدهم قبل كل شيء في ممارساتهم الدينية اليومية من المهد إلى اللحد.
كان رجل الدين رفيقًا ضروريًا في أكثر لحظات الحياة حميمية بالنسبة للمؤمن العادي، مهما كان موقعه الاجتماعي: مثل الولادة، والصلاة، والزواج، والموت، وكان وجوده مهمًا خصوصًا لضمان دخوله إلى الجنة.
وقد منح هذا النطاق الواسع من المهام رجال الدين في إيران مكانة مرموقة خاصة لدى شعب شديد التدين وميّال إلى الإيمان بالخرافات؛ وكان يُنظر إلى بعض رجال الدين بتقدير أكبر إذا استطاعوا ادعاء الانتساب إلى النبي مثل أسرة الخميني، ومع ذلك، ارتبطت مكانة اجتماعية متدنية نسبيًا ببعض الوظائف المحددة التي كانوا يؤدونها، كما أن الشبهة التي كانت تحيط بالمهن الأكثر وجاهة أحيانًا، مثل منصب قاضي الشريعة، قد دفعت أفراد العائلات الدينية المالكة للأراضي إلى الابتعاد عن هذا النوع من العمل، لكنهم حافظوا على تقليد التعلم الديني الذي منحهم نفوذًا اجتماعيًا واسعًا وشبكة علاقات ممتدة في أنحاء البلاد، وهي أمور كانت ضرورية للحفاظ على مكانة العائلة في إيران خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
ويبدو أن مصطفى كان ينتمي بوضوح إلى هذه الفئة، وأنه عاش حياة أحد أعيان الأقاليم من ملاك الأراضي، حيث مكّنته خلفيته الدينية وصلاته الواسعة في المنطقة وشخصيته القوية من أن يصبح نوعًا من قادة المجتمع المحلي.
وقد ساهمت المكانة الأسطورية للابن الأصغر وندرة السجلات التاريخية المعاصرة، في تكاثر الروايات التمجيدية بشأن شخصية "مصطفى" بعد ثورة 1979، وهي روايات مالت إلى تصويره كرجل صاحب شخصية شعبية ومؤثرة لأنه كان "قريبًا من عامة الناس"، ولأنه "وقف إلى جانب صغار المزارعين والفلاحين في مشكلاتهم مع ملاك الأراضي والموظفين الحكوميين" بخلاف كثير من رجال الدين والزعماء.
ومع وجود إمكانية لصحة بعض هذه الادعاءات، إلا أن نبل صفاته لا ينبغي أن يفسر بمصطلحات السياسة الشعبوية الحديثة، بل يجب فهمه في سياق حالة الفوضى التي سادت أقاليم إيران آنذاك، وانطلاقاً من الدور التقليدي الذي كان من المنتظر ان يقوم به "الوجيه الصالح" في تلك الظروف.
كان المجتمع الريفي في لورستان خلال القرن التاسع عشر يتكوّن من شبكة معقدة وفوضوية من القبائل المستقرة والمرتحلة وفروعها المختلفة، ومن كبار وصغار ملاك الأراضي، ومن الفلاحين الذين يعملون في الأرض، وكانت النزاعات بشأن حقوق الأراضي والمياه، وبشأن تقسيم المحاصيل شائعة، عندما يتصرف ملاك الأراضي بظلم تجاه فلاحيهم، بينما كان السكان المستقرون يعيشون في خوف دائم من غارات رجال القبائل المسلحين شديدي الحركة.
ولم تكن الحكومة المركزية قوية بما يكفي لفرض حضور فعلي على الرغم من وجود موظفين حكوميين في المنطقة، وغالبًا ما كانت مهمة جمع الضرائب والحفاظ على النظام تُسند إلى كبار ملاك الأراضي المحليين الذين كانوا يحتفظون بجيوش خاصة، وكثيرًا ما استغلوا مواقعهم لإثراء أنفسهم على حساب عامة الناس والحكومة على حد سواء.
ويستذكر مرتضى، الابن الأكبر لمصطفى، تلك الفترة بقوله: "كان الخانات والأمراء أقوياء جدًا آنذاك لأنهم كانوا يملكون البنادق، وكانوا ظالمين ويضغطون على الحاكم، والحاكم بدوره يضغط على الناس".
في هذه الظروف كان الناس بحاجة إلى الحماية التي يستطيع رجل ثري ذو علاقات واسعة مثل مصطفى أن يوفرها لهم، ويقول مرتضى: "كان والدنا يملك عددًا كبيرًا من البنادق والرجال المسلحين، وكان يستخدمهم لحماية أراضيه ولمساعدة الآخرين"، غير أن مثل هذا الموقع كان ينطوي على مخاطر خاصة به، ففي يوم بارد من شهر مارس (آذار) عام 1903، أي بعد أقل من ستة أشهر على ولادة ابنه الثالث روح الله، تعرّض مصطفى، وهو لم يتجاوز بعد السابعة والأربعين من عمره، لإطلاق نار على الطريق بين خمين وآراك أدى الى وفاته على الفور.
وقد انتشرت منذ ثورة 1979 روايات عديدة خيالية بشأن هذا الحادث، إحداها تزعم أن مصطفى أمر بإعدام رجل انتهك علنًا صيام رمضان، وأن أقارب ذلك الرجل اغتالوه انتقامًا لذلك، ويروي أحمد الخميني، ابن الخميني، قصة أخرى مختلفة تمامًا، تمتزج فيها عناصر من الرومانسية المحرمة مع تلميح قوي إلى دافع سياسي شعبوي، ففي ذلك الوقت كان الشاه في زيارة إلى آراك واستدعى مصطفى إلى مقابلته، وعندما سمعت أخته صاحبة بالدعوة شعرت بالقلق على سلامة أخيها وأصرت على أن يصطحب رجالًا مسلحين معه، لكن مصطفى رفض، وغادر خمين وحده، فاغتيل في الطريق إلى آراك.
نظّمت صاحبة حملة لتعقب القاتل حال سماعها الخبر، غير أن الأمر اتضح لاحقًا عندما تبيّن أن ابنتها كانت واقعة في حب أحد القتلة، وكانت قد حاولت مرارًا تحذيره من اعتقاله الوشيك، وقد اكتشف المسؤولون المحليون المترددون في النهاية الرجال المسؤولين عن الجريمة وقاموا بنقلهم إلى السجن في طهران، كما نُقلت صاحبة وابنتها إلى العاصمة للإدلاء بشهادتهما أثناء التحقيق.
توسلت الفتاة اليائسة إلى والدتها طوال الرحلة أن ترحم القاتل وتمنع إعدامه، لكن صاحبة رفضت بعناد، وعندما عادتا إلى خمين ارتدت ابنتها ملابس الحداد السوداء لأشهر طويلة، ظاهريًا على عمها مصطفى؛ غير أن السر المكشوف في المدينة كان أن الرجل الذي كانت ترثيه في الحقيقة هو حبيبها قاتل عمها.
أما الرواية التي تبدو أقرب إلى الحقيقة، والتي لا تقل إثارة، فهي تلك التي يرويها مرتضى، الذي كان في الثامنة من عمره حين قُتل والده، لكنه كان منخرطًا بعمق في الأحداث التي تلت ذلك بوصفه الوريث الذكر الأكبر، وتستحق روايته إعادة عرضها بشيء من التفصيل لما تقدمه من صورة حية للمجتمع الذي وُلد فيه الخميني، ويقول مرتضى إن حياة سكان خمين أصبحت بائسة على نحو خاص في السنوات الأولى من القرن العشرين، بسبب ثلاثة من الخانات المحليين وهم بهرام وميرزا قلي سلطان وجعفر قلي، الذين كانوا يضطهدون السكان بأساليبهم المفترسة، وكان أسوأهم بهرام خان، الذي اعتقله وسجنه امير قاجاري يدعى حشمت الدولة، والذي كان نافذًا ويملك مساحات واسعة من الأراضي في المنطقة، وقد قُتل بهرام خان لاحقًا أو توفي في السجن، لكن رفيقيه واصلا مضايقة السكان.
مع تفاقم الأوضاع، وجد مصطفى أن هناك ضرورة لاتخاذ اجراء معين، فقرر الذهاب إلى آراك لطلب المساعدة من الحاكم الإقليمي عضد السلطان، الذي كان ابن الشاه، وعندما سمع ميرزا قلي سلطان وجعفر قلي خان بخطط مصطفى اقتربا منه قائلين إنهما يريدان منه أن يطلب وظيفة لهما من الحاكم، لأنه إذا حصل لهما على مصدر دخل ثابت فسيكفّان عن العيش على النهب والابتزاز، وطلبا من مصطفى أن يسمح لهما بمرافقته، ويقول مرتضى: "أجاب والدي: لا حاجة لأن تأتيا معي، سأطلب لكما وظيفة من الحاكم".
وفي الوقت نفسه حذرت زوجة أحد الخانات، وكانت ابنة صدر العلماء، وهو أحد رجال الدين البارزين في المنطقة وأحد أقارب العائلة، مصطفى قائلة: "إنهم يضمرون لك السوء"، لكن مصطفى تجاهل التحذير وقال: "لن يجرؤوا على فعل أي شيء"، ليغادر خمين متجهًا إلى آراك، التي تبعد نحو يومين من السفر، برفقة عشرة إلى خمسة عشر فارسًا من الحرس المسلحين، وفي اليوم التالي، وبينما كان يتقدم الركب ومعه اثنان فقط من حراسه، ظهر جعفر خان وميرزا قلي سلطان على جانب الطريق، وكانا غير مسلحين، فقال لهما مصطفى: "كان من المفترض أن تبقيا في خمين"، فأجابا: "لم نطع أمرك"، ويضيف مرتضى: "قدّما لوالدي بعض الحلوى، وفجأة انتزع أحدهما بندقية من أحد الحراس… ووجّهها نحو قلبه، وأطلق النار فاخترقت الرصاصة المصحف الذي كان يضعه والدي في جيب قميصه، ثم اخترقت قلبه، فسقط من فوق حصانه ومات على الفور"، وقد فرّ القاتلان قبل أن يتمكن بقية أفراد المرافقة من اللحاق بهما.
وصل خبر الاغتيال سريعًا إلى آراك، فانطلق عدد كبير من رجال الدين لأخذ جثمان مصطفى ومرافقته إلى المدينة، ويقول مرتضى إن "الحياة توقفت تمامًا في آراك في ذلك اليوم"، وكذلك في أماكن أخرى، فقد تلقّى الناس في طهران وأصفهان وكلبايكان نبأ مقتل مصطفى بصدمة، وأقيمت مجالس عزاء حدادًا عليه.
ويستذكر مرتضى: "ظهرت مظاهر الحزن العام في خمين نفسها، وجاءت جماعات من المعزين إلى منزلنا لتقديم التعازي… وقد تم احراق بيت القاتل، لكنني لا أعرف إن كان ذلك من فعل الحكومة أم من فعل الناس. لقد كنت في الثامنة من عمري ولم يخبرني أحد بمن يقف وراء ذلك، لكنني رأيت ألسنة اللهب من أعلى برج المراقبة في بيتنا، حيث أُحرقت بيوتهم وصودرت ممتلكاتهم"، ويضيف في هامش لاحق أن تلك الممتلكات "أُعيدت فيما بعد إلى ورثتهم بناءً على طلب عائلتنا"، أما القتلة فقد فرّوا إلى القرى المجاورة في منطقة أليغودرز، ولما لم يجدوا من يؤويهم انتقلوا إلى خونسار، وهي بلدة صغيرة بعيدة، ظنًّا منهم أنهم سيجدون ملاذًا لدى الحاج ميرزا محمد مهدي الخونساري، وكان رجل دين بارز وعلى خلاف دائم مع الحكومة، كما كان مسلحًا على الدوام ويملك عددًا كبيرًا من الرجال المسلحين، لكنه رفض إيواءهم هو الآخر، فعادوا إلى ضواحي خمين واختبأوا مع عائلاتهم في قلعة مهجورة في قرية يوجان، وكان رئيس الوزراء أمين السلطان قد تلقى بلاغًا بالحادثة من السيد محمد الكمرهئي، صهر مصطفى المقيم في طهران، فأصدر أمرًا بالقبض عليهما، وتوجهت أسرة مصطفى في الوقت نفسه إلى محكمة الحاكم في آراك للمطالبة بتطبيق القصاص، وهو الإجراء المتبع في مثل هذه الحالات وفق الشريعة الإسلامية، لكن مسار العدالة كان بطيئًا للغاية.
بقي جعفر قلي وميرزا قلي في مخبئهما من دون إزعاج لمدة ستة أشهر، وربما أكثر، على الرغم من أوامر أمين السلطان، إلى أن وصل إلى الحكم رئيس وزراء جديد هو عين الدولة، الرجل القوي في الدولة القاجارية، وكان ورثة مصطفى قد حصلوا على دعم أقوى رجال الدين في طهران آنذاك وهم السيد أبو القاسم، امام صلاة الجمعة الشاب في العاصمة، والسيد محمد، وظاهر الإسلام، وكان الرجال الثلاثة إخوة ومن كبار أفراد عائلة تولّى أبناؤها منصب إمام الجمعة في طهران، وهو أهم منصب ديني في البلاد، والمنصب الوحيد في السلم الديني الشيعي الذي كان تعيينه يجري منذ العصر الصفوي بقرار حكومي، كما كان ظاهر الإسلام حفيدًا لناصر الدين شاه من جهة والدته.
وبناءً على طلب هؤلاء الإخوة أصدر عين الدولة أوامره الى نصر الله خان سرداد حشمت، وكان ابن حشمت الدولة، بالقبض على قتلة مصطفى فورًا، ويقول مرتضى: "انطلق سردار حشمت، الذي كان يحتفظ بقوة مسلحة في قريته حشمتيه، مع رجاله إلى يوجان… فطوق الجنود القلعة، لكن جعفر خان وميرزا قلي رفضا الاستسلام، وعندما فشلت كل المحاولات الأخرى أمر الحاكم رجاله بحفر نفق تحت القلعة، وظل القاتلان يقاومان حتى نفدت آخر رصاصة لديهما… ثم قُبض عليهما أخيرًا مع أفراد عائلتهما ونُقلا إلى طهران"، وقد استمرت المعركة ثلاثة أيام وفق تقرير نشرته صحيفة "أدب".
توفي ميرزا قلي خان في السجن، لكن لم يُتخذ أي إجراء فوري ضد جعفر قلي، الذي وجد من يحميه في البلاط الملكي، وهو أمير بهادرِ جنكَ، وزير البلاط لدى مظفر الدين شاه لأسباب لا يشرحها مرتضى، فقد أصر أمير بهادر على أن "الماضي قد مضى… ولا ينبغي أن نعدم جعفر خان"، بل إنه أمر جماعات المعزين الذين كانوا يحيون ذكرى استشهاد الإمام الحسين في شهر محرم سنة 1322 هـ (مارس 1904) بمهاجمة السجن وتحريره، لكن الخطة أُحبطت عندما أمر رئيس الوزراء بنقل جعفر خان إلى سجن آخر قبل موعد الهجوم بقليل.
وعند هذه المرحلة تدخل السيد أبو القاسم والسيد محمد وظاهر الإسلام، مع كبار العلماء في سلطان آباد مرة أخرى، فأصدروا حكمًا يقضي بإعدام جعفر قلي، لكن الحكم لم يُنفذ فورًا، لأن أمير بهادر كان لا يزال يحمي الرجل على الأرجح، وعندئذ قررت أسرة مصطفى في خمين أنه إذا أرادت تحقيق العدالة فعليها السفر إلى طهران لطلب تدخل الشاه نفسه.
دُعي مرتضى الصغير وشقيقه نور الدين، الذي كان في السابعة من عمره، إلى منزل حشمت الدولة مع أقاربهما الذكور قبل مغادرتهما، وهناك قُدمت لهما الهدايا التقليدية من الملابس الجديدة، والعمامة، والعباءة، وهي الرداء الصوفي الطويل الذي يرتديه رجال الدين تعبيرًا عن احترام النبيل وتعاطفه، وقد تأثر مرتضى الصغير بهذا التكريم تأثرًا عميقًا، فالحصول على زي ديني مصنوع من أفخر الأقمشة، كما كان شائعًا في مثل هذه الهبات الاحتفالية المعروفة باسم الخلعة، يعتبر بمثابة إعلان بلوغ سن الرشد، ويقول متذكرًا: "أصبحنا أصحاب عمائم"، مستخدمًا تعبيرًا دارجًا يشير إلى رجال الدين، ويتابع مرتضى روايته: "انطلقنا إلى طهران في أبريل (نيسان) 1905 برفقة نور الدين وأختي الكبرى وعمتي صاحبة خانم وأمنا حاجية آغا خانم وزوجة أبينا الثانية شاهزاده آغا وخال أمنا الشيخ فضل الله رجائي وخادمنا عباس قلي الأبرقوعي، أما الإمام [روح الله الصغير]، الذي كان عمره أربعة أشهر واثنين وعشرين يومًا عندما قُتل والدنا، وأختانا الأخريان، فقد بقوا في خمين مع الخدم، واستغرقت الرحلة عشرة أيام… وعندما وصلنا إلى طهران استأجرنا منزلًا في عباس آباد جنوب المدينة".
توجهت العائلة بأكملها إلى قصر عين الدولة، وهناك تم إدخالهم إلى قاعة الاستقبال الخاصة برئيس الوزراء حيث كان هناك حشد كبير من الناس ينتظرون كما هو معتاد، وكان مرتضى، الذي بلغ العاشرة آنذاك بوصفه الوريث الذكر الأكبر، قد تلقى تدريبًا دقيقًا على كيفية تقديم طلب رسمي للقصاص، ويقول: "عندما تقدمنا لمقابلة رئيس الوزراء أمر نحو عشرة أشخاص بالتراجع إلى الخلف. لقد كان يرتدي رداءً طويلًا وله شارب ضخم، فتقدمت نحوه وأمسكت بطرف ردائه، وكنت قد حُفظت كلماتي جيدًا وقلت له بنبرة ساخرة: إذا كنت عادلًا فنحن لسنا كذلك. سلّمنا القاتل وسنقتله بأيدينا، فأجاب عين الدولة: لا، أنا من سيعدم القاتل، لكن مظفر الدين شاه نفسه أصدر حكمًا بعدم إعدام قاتل والده في شهري محرم وصفر، ولن نقتل أحدًا في هذين الشهرين، وإذا لم نقتله بعد ذلك يمكنكم أن تشتكوا، فقلت له: سنعتصم هنا ونبقى في هذا المبنى حتى تقتلوه، فقال: حسنًا، ابقوا هنا.. قدماي تؤلمانني وقد أبقيتموني واقفًا مدة طويلة. أنا متعب"، ثم أحضروا ظاهر الإسلام ليتحدث إلينا… وتمكن من إقناعنا بالعودة إلى المنزل والانتظار".
بعد فترة قصيرة من هذا اللقاء غادر عين الدولة طهران ليرافق مظفر الدين شاه في رحلة إلى أوروبا، ليتولى مشير السلطنة رئاسة الوزراء بالإنابة، ويصفه مرتضى بأنه "صوفي متبحّر في علم الكلام"، وقد تابعت الأسرة قضيتها معه، ويقول مرتضى: "التقيناه في حديقته، فحملني بين ذراعيه وأجلسني على ركبته، وعاملنا باحترام كبير وقال: لقد صدر حكم الإعدام على القاتل، وسأقتله".
أُخذ اليتيمان الصغيران إلى قصر كَلستان في وقت لاحق، لزيارة ولي العهد محمد علي ميرزا، في محاولة تبدو انها لاظهار تعاطف البلاط مع قضيتهم، ويقول مرتضى: "كان قد أمر بأن يذهب نور الدين وأنا وحدنا.. وقد كنت في العاشرة وكان نور الدين في الثامنة، وكنا نرتدي عمائمنا. [كان ولي العهد] واقفًا قرب بركة كبيرة في فناء تحيط به الأشجار، وعندما رآنا قال: عودا الآن الى حيث جئتما"، ثم اقتيد الصبيان إلى مبنى مجاور، وفي الطريق لمَحا جعفر قلي خان وعنقه مقيدة بسلسلة يمسك بها أحد الحراس.. أحضروه وجلس، وكان رجلًا مسنًا وقد أصبح بدينًا جدًا، وأخذ يقسم قائلًا: أنا لست القاتل.. إنهم يكذبون.. أرجوكم أطلقوا سراحي"، لكن الطفلين لم يبديا أي رحمة، وبعد ذلك بوقت قصير، في التاسع من مايو (أيار) 1905، نُقل جعفر قلي إلى بهارستان، وهو المكان في طهران الذي كانت تُنفَّذ فيه الإعدامات العلنية، ليلقى مصيره، ويقول مرتضى: "لم يُسمح لي ولأخي بمشاهدة الإعدام، وقيل لنا أن نعود إلى المنزل… لكن آخرين ذهبوا لمشاهدته، وكان المحكوم عليه والجلاد والشاه [هكذا يذكر] جميعهم يرتدون اللون الأحمر، كما كانت العادة في تلك الأيام، وقُطع رأس جعفر قلي، ثم أخذ الجلاد رأسه إلى البازار حيث عرضه على التجار وأصحاب الدكاكين الذين أعطوه الإكراميات".
السفير القطري في واشنطن الشيخ مشعل بن حمد ال ثاني: اذا كان هناك حالة عدم اجماع في دعم اسرائيل، فعلى السفير الاسرائيلي في واشنطن ان يحترم منتقدي بلاده بوصفهم اصحاب مواقف صادقة، بدلا من تصويرهم كضحايا لحملة تأثير اجنبية يتصور وجودها، ومن المفارقات ان يصدر هذا الاتهام في الوقت الذي تنخرط فيه حكومته في حملة نشطة للتأثير في الرأي العام واعادة تشكيله.
حملة كبيرة من السفلة على هذا الخطيب العماني الشهم لأنه صدح خلال خطبته بين حجيج سلطنة عُمان وفي مخيمهم مذكرًا بمعاناة أهل غزة وخذلان العالم لهم..
في تعاليم المدخلية والجامية لا يجوز التذكير بمصائب المسلمين في أهم وأكبر اجتماع إسلامي..