منافحةُ بعض إسلاميي مصر - بقايا خيبة تجربة الإخوان عن إيران، بما يتجاوز المسوغات السياسية للتلميع، يفهم في ضوء ما نعبر عنه بالعامية المصرية: «القرعة تتباهى بشعر بنت أختها»؛ أي النزوع إلى تعويض العجز الذاتي وما فشل هؤلاء في تحقيقه من خلال الغير، وهو شبيه بما كانوا يفعلونه مع حماس.
كلّ خطاب ديني رسمي يتأثر -بدرجاتٍ متفاوتة- بالسياق الذي يتشكل في كنفه، ولا يتحرك بمعزل عن النمط الاقتصادي وبنية السلطة السياسية؛ فالخطاب السلفي الذي تبلور بالبيئة الخليجية تأثر باقتصاد وتوجهات تلك المنطقة السياسية، كما هو الحال مع الخطاب الأشعري في السياقين المصري وال��وري الأسبق.
تشتعل المنطقة بالحروب؛ قوى تتصارع على النفوذ، وصهاينة يعيدون تشكيل المنطقة، لكن للأمانة النظام المصري يقظٌ ولم يقصر، والملحمة على أوجها في مسلسل "رأس الأفعى" الذي تنتجه المخابرات، والتصريحات النارية على ألسنة أبطال المسلسل، تنتشر كالنار في الهشيم على صفحات الجرائد التابعة للدولة.
بلدكم أول طبع مع الاحتلال!
نعم، لكن الوجه الآخر للقصة -والذي يُسقط عمدًا- أن ذلك القرار قوبل باحتجاجات واسعة، ولم يكن معبرًا عن إرادة الشعب، وأن رأس النظام دفع ثمنه لاحقًا باغ��ياله. ��من ثم، فليس من الإنصاف مساواة ذلك بموقف من يدعم قرارات حكومته، باستدعاء النفوذ الأمريكي للمنطقة.
عزيزي المصري، لا تحسب أن تعريصك الدائم للمؤسسة العسكرية عقب كل بلبلة في المنطقة يجعلك مواطنًا مخلصًا؛ فأنت في نظر هذه المؤسسة مدني وضيع، ومواطن درجة ثانية تنتمي إلى طبقة اقتصادية مغايرة، وتتعارض مصالحها مع مصالح قيادات هذه المؤسسة المنحرفة، ومن يشاركهم من رجال الأعمال والمسؤولين.
يتعامل المثقف الخليجي وفق منطق "لست العاهرة الوحيدة"، ولسان حاله يقول: لا لوم على بلادنا، وقد أقامت على أرضها قواعد أمريكية، وعززت قوى أمريك�� بالمنطقة�� ولا يحق للمصريين الاستنكار؛ لأن نظام بلدهم -الذي لا تلقى سياساته استحسان عامة مثقفيهم بعكس الخليج- هُزم سابقًا على يد إسرائيل.
الجيش الذي أجهض حراك يناير، بتأييد بعض القوى الإسلامية والأحزاب السياسية، ثم أطاح بأول تجربة مدنية مستغلًا ببعض القوى الثورية والليبرالية الساذجة، وتجاوز وظيفته الدستورية؛ فانخرط في مجالي الاقتصاد والسياسة بما يخدم مصالح طبقة معينة لا يزال قطاع من الناس ينظر إليه بشيء من التقدير.
لا عحب أن يشعر المواطن المصري المغترب، المسحوق في بلده، وقد وفرت الغربة له -بجهوده- تحسنًا جزئيًا في أوضاعه المادية، بالامتنان للبلد التي اغترب إليها؛ مواطن فقير مهمش بمو��نه، فقطعًا ��يمتن لأولياء نعمته، ويحاول أن يظهر في صورة العبد الطيّع، الذي يبادر لخدمة سيده قبل أن يطلب منه.
تصور بعض صبيان اليسار/الإسلاميين أن خامنئي، وفق "موروث حسيني" قد رفض الاختباء سعيًا لنهاية بطولية، تصور مثير للسخرية. في السياسة، وباستعمال أدوات التحليل السياسي المغايرة لخط الخطاب العقائدي والشعارات الرنانة، اغتيال زعيم بلد لهذا الحجم يعد اختراقًا ضخمًا، وانتصارًا جزئيًا للخصم.
أحسب أن حرصنا على مصر -وجيشها كذلك- أصدق من أولئك الذين ينصرفون عقب كل أذى يصيب دولة في المنطقة إلى محاولة التمنصف وتمجيد النظام الحاكم؛ فالإنصاف الحقيقي لا يكون بتلميع السلطة، ومحاولة حصر المشكلة معها في بعض الأمور اليسيرة، وإنما بمصارحة النفس بحجم الخلل القائم والسعي إلى علاجه.
لم تكن الإشكالية يوما مع القاعدة العريضة من الجيش المصري، التي تتشكل من جنود يؤدون الخدمة العسكرية، وهؤلاء من صميم المجتمع المصري، إنما مشكلتنا مع القيادات العليا، التي تنتمي إلى شريحة اقتصادية مغايرة لعموم الشعب، ولمصلحتها تزج بالمؤسسة العسكرية إلى ��ساحات تتجاو�� وظيفتها الأصلية.
لا تنظرُ أمريكا إلى منطقتنا بتفرقة بين السنة والشيعة، أو بين المدارس السنية، وإن استثمرت هذه الانقسمات أحيانًا، بقدر ما يعنيها ألا تنشأ قوة مستقلة تمتلك قرارها. ومن ثم، فإن ما ينبغي علينا ليس إلغاء الخلافات، بل إدارتها بشكل واعٍ، والبحث عن أرضية مشتركة تُبنى عليها تحالفات نافعة.
تصلحُ ردود بعض أهل الخليج ضد من لا يرى بأسًا في النظام المصري، ويميل إلى دعمه أو تبرير سياساته، لا من يرى أن هذا النظام ألحق بمصر أضرارًاجسيمة، وأسهم في تراجع دورها الإقليمي وأضعف حضورها السياسي والعسكري، وأثقل كاهلها بالديون المتراكمة والاقتصاد الضعيف، وأثر على استقلالية قرارها.
بغض النظر عما آلت إليه الأمور، فق�� أظهر المواطن الكويتي قدرًا وافرًا من الشجاعة، غير أن هذه الشجاعة، تحتاج قيادة رشيدة تحسن التوجه بها ضد العدو الحقيقي، واستخدامها لبناء بلد مستقل يصنع قراره بنفسه، بدل أن تجعلها تحت وطأة أقدام أمريكا بذريعة تحالفات تفيد أعداء الأمة بالمقام الأول.