{ولا يُسأل عن ذنوبهم المجرمون}، يقولها الله بعد الذنب الذي ارتكبه قارون في الآية التي قبلها: {قال إنما أوتيته على علم عندي}!
أما من يؤتى النعمة ويشهد أنها فضل الله ويحسن بها كما أحسن الله إليه، فـ{تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّاً في الأرض}!
والآخرة خير من الأولى!
كلما بحثت عن الهدوء، وجدته في سورة مريم طمأنينة الباطن بالله مهما كان اضطراب الظاهر بغيره:
{آيتك ألا تكلم الناس...}، {فانتبذت به مكاناً قصيا...}، {لن أكلّم اليوم إنسيّا...}، {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله...}، ... {أولئك الذين أنعم الله عليهم...}!
https://t.co/8YDnd2PH6l
لا شيء أرفع ولا أجود في هذه الدنيا من حسن الظن وسلامة الصدر بين الإنسان والآخر،هذا شيء فوق كل ماديات الحياة؛ مع أن المهاجرين غالباً ما تكون حاجتهم للطعام والمأوى أشد من غيرها،لكن الله حين أثنى على صنيع الأنصار نحوهم،نصّ أولاً على حبهم لهم لذواتهم، ثم سلامة صدورهم، قبل سد حاجاتهم.
وأنا أتأمل ذلك، خطر لي أن حتى تغييب الله لبعض مرادنا أو تأخيره أو صمته عن استجابته لنا لا يعني أيضاً بالضرورة الحرمان منه أو انتفاء وقوعه أبداً، بل هو سكوت الله الجميل عن بيان عاقبة الدعاء الجميل؛ {فأراد ربك أن يبلغا أشدّهما ويستخرجا كنزهما}، فالأيام حبلى والأمل من الله لا ينفد..
للدكتور محمود توفيق سعد فلسفة غاية في اللطف عن "جماليات الغياب"، يشرح فيها ك��ف يكون للحذف في القرآن جلالاً، وللمسكوت عنه معنى يفوق منطوق اللفظ.. ويشرح ذلك في أن يكون صمت القرآن أحياناً عن إكمال المعنى فضاء للتأمل فيشترك المتلقي في إنتاجه،
المهم، هو يشرح ببعض ذلك قوله تعالى: {فصبر جميل}، أنه جاء بالخبر وأغفل المبتدأ؛ فلم يقل مثلاً: "سأصبر الصبر الجميل" أو "صبري صبر جميل"، وإنما صمت عنه لأنه صبر طويل ثابت لا يحيطه البيان، ثم وصفه بالجميل، فهو "صمت الغياب" عن الشكوى لغير الله..
بهذا أفهم كيف تتابعت الآيات بهذا المعنى، حتى يلقي الله في ختامها الأمن في كل قلبٍ مؤمن: {فسبّح بحمد ربّك وكن من السّاجدين، واعبد ربّك حتى يأتيك اليقين}، هنا الأمان ..
الحِجر هي الغرفة أو المكان الموصد، الاسم وحده يوحي بالحفظ والصون والأمن، والمتأمل في الآيات يجد هذا الحجر في الله والإيمان به:
{ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون}، أما أنت فحقك محفوظ..
{إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون}، أما أنت فكتابك محفوظ..
في مقابل ذلك، لا حافظ مما اعتدنا كبشر أن نجد الأمن فيه لمن لم يجد في الله أمانه؛ لا المكان: {ف��علنا عاليها سافلها}، ولا شعاع الضوء في النهار: {فأخذتهم الصّيحة مشرقين}..
أي لو أنه جاء بذهب ملء الأرض إن عاش ومات كافراً فلا يقبل منه، فيما يجيء أحدنا ملء قلبه شهادة صادقة ألا إله إلا الله، فترجح ثقيلة في ميزانه حتى تدخله الجنة!
بهذا يفهم الإنسان ميزان الله في قول النبي: "لم يأتِ أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ذلك وزاد عليه"..
تخيل لو أن أغنى رجل الآن على وجه الأرض اشترى بكل ما يملك ذهباً، ثم حاول أن يرى كم سيغطي هذا الذهب من وجه الكرة الأرضية، سيغطي مساحة مدينة! دولة! قارة! لنفترض، ثم مات..
ثم تسمع قول الله: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يُقبَل من أحد��م ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به}..
ليالٍ كثيرة لا يكون لي فيها رفيق سوى هذه القراءات.. أحب جمال مخارج الحروف، وتتبع الوقفات والهدوء ونبرة الصوت في الآيات!
جزى الله أصحاب القرآن خير الدنيا والآخرة وبلّغهم به أعلى الدرجات..
في إحدى صلوات التراويح العام الفائت، قرأ الشيخ القصص والعنكبوت -أظنها ليلة 27-.. كانت تلك قراءة شجيّة ترهف السمع، حتى ليكون للآيات لها فيها معنى ينطق عن ذاته بذاته..
كلما صاد��تني آية عن ترتيل القرآن ذكرت تلك القراءة.. ورحت أعيدها على نفسي..
ما يبدو ظاهر أوّله أحياناً فوضى وطوفاناً؛ {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجّرنا الأرض عيوناً}، قد يكون تمهيداً للسكون؛ {فالتقى الماء على أمر قد قدر}، والإيمان وحده شعرة النجاة من شدة الحال فيه إلى خير المآل؛ {وحملناه على ذات ألواحٍ ودسر، تجري بأعيننا جزاء لمن كان كُفِر}..