في بعض الحالات تكون الضغوط النفسية ثقيلة على الفرد فتتفجر على هيئة اضطراب نفسي وحسب طبيعته الداخلية وتقبله للتعامل معها سيترجمها للعامة..
بعد التأمل في مختلف حالات الاضطراب النفسي الناتجة عن الضغوطات؛ نجد أن ترجمة الفرد المكتئب للضغط الذي يثقله مختلفة تمامًا عمّا سواه..
ولو جاز لنا الاستدلال بالقانون الفيزيائي:
"الضغط يولّد الانفجار"
على جميع الاضطرابات النفسية
سن��تثني من ذلك الفرد المكتئب، فبالرغم من شدة الضغط الذي يواجهه، يظل المكتئب كائنًا سلميًا لا يتعدى أذاه على غيره، لذا يُمكن القول أن الضغط في حالة الاكتئاب يولّد "الانبجار" لا "الانفجار".
*الانبجار "Implosion":
"عملية تنهار فيها الأجسام على نفسها نتيجة ضغط من الخارج إلى الداخل، وهو عكس عملية الانفجار التي يكون اتجاه الضغط فيها من الداخل إلى الخارج."
"فلا اقتحم العقبة وما أدراك مع العقبة. فك رقبة. أو اطعام في يوم ذي مسغبة. يتيمًا ذا مقربة. أو مسكينا ذا متربة. ثم كان من الذين آمنوا
وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة".
تلفت نظري الكلمتان الأخيرتان وطريقة صوغهما (تواصوا بالمرحمة)، يتواصى الناس بأشياء كثيرة من الخيرات الدينية والدنيوية، لكن التواصي بالمرحمة أمر لافت وبالغ الرِّقة والاتصاف بالحنان، يتواصون بالتراحم لبعضهم البعض ولغيرهم، يرحمون غيرَهم في أمور الدين والدنيا، ولا يتصف بتوصية غيرَه بالرحمة إلا من سكنت الرحمةُ قلبَه وامتلأ بها وجدانُه.
وفي عالمٍ قاسٍ فرداني استهلاكي استعراضي يحتاج الناس ليس فقط إلى قلب رحيم ويد حانية، بل أن مَن يجعل الرحمة ثقافةً وسلوكًا يتشبّع بها المجتمع والقلوب.
ومن اللافت أن القران جعلها هنا من صفات متقحمي العقبة.
قال الإمام الرازي:
واعلم أن قوله (ثم كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) يعني:
يكون مقتحمُ العقبة من هذه الزمرة والطائفة، وهذه الطائفة هم أكابر الصحابة والخلفاء الأربعة وغيرهم، فإنهم كانوا مبالغين في الصبر على شدائد الدين و��لرحمة على الخلق، وبالجملة فقوله (وتواصوا بالصبر) إشارة إلى التعظيم لأمر الله، وقوله (وتواصوا بالمرحمة) إشارة إلى الشفقة على خلق الله، ومدار أمر الطاعات ليس إلا على هذين الأصلين وهو الذي قاله بعض المحققين:
إن الأصل في التصوف أمران:
صدق مع الحق، وخُلُقٌ مع الخلق،"
التواصي بالرحمة معنىً أخلاقيٌ جليل، وهو مطلب بالغ الأولوية في الحياة المعاصرة، وإذا كان الإنسان خُلِق بالرحمة كما يدل عليه مطلع سورة الرحمن (وفي عبارة طه عبدالرحمن "في البدء كانت الرحمة")، فلن يصلح حالُه إلا بالرحمة والتواصي بالرحمة،
ويبدو والله أعلم أنه لا تواصي على الصبر إلا بقدرٍ من أخلاق الرحمة، ولا تواصي على الرحمة إلا بقدرٍ من أخلاق الصبر.
في جملةٍ واحدة، يصوغ الفيلسوف الروسي تولستوي أسمى معاني الوعي:
(من فهم كل شيء، غفر كل شيء.)
قد تتساءل:
لماذا يساعد الفهم على الغفران؟
وما علاقة القدرة ��لى الفهم بالقدرة على المغفرة؟
والإجابة عن هذه التساؤلات تتلخص في فكرةٍ مفادها:
أن الإنسان كلّما ازداد وعيًا وفهمًا، كان أكثر قدرةً على قراءة النفس البشرية بخلجاتها واضطراباتها، وعُقدها وقيودها، وأمراضها وعللها.
وبالتالي، فإن الإنسان الواعي يرى البشر من حوله بصورةٍ أعمق وأشمل؛ فينظر إليهم بعين الرحمة لا بعين الندية.
ويغفر لهم مهما بلغ أذاهم؛ لأنه يبصر ما وراء هذا الأذى، ويدرك دوافعه وأسبابه.
بل إنه قد يغفر لهم ويتعاطف معهم؛ لأن معاركهم مع ذواتهم قبل أن تكون معه أو مع الآخرين.
وكلّما سما الإنسان بنفسه وعقله، ازداد رأفةً بمن يناصبه العداء، وأدرك أنه مهما بلغ من الأذى والعدوان، يظل (ضحية)!
ضحية نفسه وعُقدها.
وهنا يأتي أثمن ما يمكن أن يُقدَّم لهذه الضحية، وهو:
(الغفران).
فلا العلم باختلاف الأحوال نافع، ولا الجهل به ضار، بل ربما ضرَّ العلم، وربما نفع الجهل، وربما نيل بالخبط وربما فات بالتأني، وربما بعد الداني، وربما قرب النائي..
فليس لشيء مما تراه عينك منهاج
ولا لذي لُبّ به سرور وابتهاج.
- أبو حيّان التوحيدي
#إعلان |
(مناقشة رسالة ماجستير)
العنوان: شعر الطبيعة الأندلسي في ضوء النقد البيئي.
للطالبة: ريف الصقيه.
🔹الأحد 15 / 2 /2026م.
🔹التاسع�� صباحًا.
🔹في قاعة مجلس القسم.
ينبغي للمرء أن يتمتع بنضج كبير، كي يفهم أن الرأي الذي يدافع عنه، ليس سوى فرضيته المفضلة، وهو بالضرورة رأي غير كامل، ومن المحتمل أن يكون مؤقتًا، وأن محدودي الأفق وحدهم يستطيعون عده يقينًا وحقيقة.
- ميلان كونديرا
في كتابه "الدماغ واحتياجاته" يرى عالم الأعصاب دوبينين: أن الإنسان بحاجة للإيمان ليسهل عليه فهم العالم وتفسيره ويمنحه الرضا من خلال فكرة الثواب والعقاب، فالوعي الديني يساعد في إعطاء معنى للمعاناة، وفي تعبير لطيف يقول:
إن لوحة ما للعالم وإن كانت بدائية هي أفضل من عدم وجود أي لوحة.