أنا أعرفك يا ابن الفاشر،
يا من تحمل على ظهرك بلادًا كاملة، وتنصب خيمتك في ليلٍ لا يشبه الليل،
أعرفك حين تُقسم الرغيف على عدد الأنفاس،
وتجعل من الماء الباقي وضوءًا وقوتًا،
ومن الطين ��لمتراكم حصنًا لطفلك النائم بلا حلم.
أراك حين تمشي وحيدًا بين الجثث،
فتنحني لا لتبكي، بل لتبحث عن حياة مدفونة لم تنتهِ بعد،
أراك تُغني لنخلك المقطوع، وتزرع الحنطة في أرض ما عاد يُسميها أحد "وطن".
أعرف كيف تُساوم الريح،
كيف تقول لصوت المدفع: "اصمت قليلًا، فقلبي تعب"،
وكيف تكذب على طفلك حين يسأل: "متى نرجع للبيت؟"،
فتقول له: "البيت يسأل عنا أيضًا، انتظره… سيعود!"
أعرفك حين تخلع رغبتك في النجاة وتلبس صبرك،
وحين تضحك من عمق الوجع،
لأنك قررت ألا تُهزم إلا واقفًا،
وألا تموت إلا واقفًا،
وألا تحيا إلا واقفًا.