"إنّ مِن أشد ما يُمكِن أن يُبتَلى به الإنسان في رحلة الحياة، أن يُولَد بعقلٍ ناضِجٍ يَزِن الأمور بميزان الحكمة، يَرى ما وراء الكلمات، ويَفهَم خفايا السلوك، ويقرأ الصمت كما يقرأ الضجيج، ويُرافقه في الوقت ذاته قلبٌ عاطفيّ لا يَعرف الحِيَل، يَنبِضُ بالصدق، ويتألَّم مِن أبسَط انكسار"
إن وضع الحدود الشخصية تِجاه الآخرين لا يعني رَفضهم...بل هو سلوكٌ ضروري لتَخليص الآخرين مِن أوهام استحقاقاتهم المضطربة، وإنقاذ نفسك مِن اعتقاد وجوب الاستجابة لتلك الأوهام. إن الحدود ليست قيوداً على الآخرين، بل هيَ إعلانٌ عن أنّك تعرِف أين تنتهي أرضك، كي لا تَضيع في أراضي الآخرين.
عندما يُدرك الناس أنهم لا يستطيعون التحكُّم بك يبدأون في الإبتعاد عنك، ثُم يُظهِرون جانبهم المُظلِم مِن الحقد والكراهية، ثم يحاولون تشويه سُمعَتك!عندما يكون وعيك أعمق من وعي أغلب المُحيطين بك، فإنك تُعامَل كأنك شخص غريب ومُريب!فاستقلالك يُشكِّل تهديداً مباشراً لرغبتهم في السيطرة!
ولأنهم لا يَستطيعون صَهر شخصيتك في نُسَخهم المُتشابِهة، فإنهم لن يَقبَلوك حتى وإن أبدَيت كُل التفهُّم وحُسن النيّة، وأثبتَّ ذلك قولاً وفعلاً! إن أصحاب الأفكار المُستقلِّة وغير الشائعة في هذا العالم المُعقَّد، لا ينالون الترحيب والقُبول المُناسبين، لأنهم يَرفُضون التكيُّف الأعمى.
إن الأمان والحُرية والإحترام مِن أسمى وأعمَق الأهداف التي تَتَطَلَّبها العلاقات السويّة. وأي علاقة تَخلو مِن أحد هذهِ العناصر هيَ علاقة مُشَوَّهة ماتَت قبل أن تُولَد. أمّا إذا حدَثَ التوَافُقَ والإتحاد، فَيَتَحَقَّق الكمال والإكتمال.
الوعي الذاتي الناضج يعني عدم السماح للآخرين بأن يُفكِّروا بَدلاً منك، أو يَتحدَّثوا نيابةً عنك، أو يُصيغون التعريفات التي يرغبون في صَبغِك بها. يعني أن تؤمِن بِبَصيرتك وعقلك، وأن تَستَخدِمهما بذكاء، وأن تَتَقبَّل مُعاناة الإدراك ومسؤولية التفكير والبحث بكُل انفتاحٍ مَرِنٍ.
إن الوعي الأصيل في بيئةٍ راكِدةٍ روحياً وذهنياً غالباً ما يكون نِقمةً تَستَنزِفُ صاحِبها، لأنّه سَيَكون مُجبَراً على الإحتكاك والتعامُل مع جُموعٍ بشريّة تَفتَقِرُ إلى إدراك ماهية وقيمة هذا الوعي.
تَشعُرُ بالغُربة الذاتية العميقة، حين تدرك أنك لا تُشبه ما حولك. إنّ المشكلة ليست في اختلافك، ولا في محيطٍ لا يَفهمك، بل في أنّك بدأت تَعي وتُبصِر. تُبصِرُ تِكرار الأفكار، وتناقُض السلوك، وفي تلك اللحظة الحاسمة، يحدث الانقسام داخلك: إما أن تَلحَق بهم، أو تَمضي وتَدفع ثمن بَصيرتك.
للجهل أشكالٌ عدّة...
ولكن أشَدُّها وطأةً وتأثيراً على الإنسان،
هو أن يَتَجاهَل كل ما هو صحيح وجميل إنسانيّاً،
لأنّه لا يَعرِفه ولَم يَعتَد عليه؛
ولَم يُلقَّنه إياه مُعلِّمٌ أو واعظٌ أو عائلة،
وأن يتَمسَّك بكل ما حُشَيَ في ذِهنه،
لأنه مُشاعٌ، ومُتناقَلٌ، ومُتوارَث.
في البداية، تُحاول أن تَشرح وتوضّح بطرقٍ مختلفة، آملًا أن تتضح الصورة. لكن مع مرور الوقت، تدرك حقيقةً مزعجة:أن بعض الناس لا يسيئون فهمك صدفةً، بل يفسّرونك بالطريقة التي تناسبهم. وفي النهاية، تتوقّف عن الشرح، ليس لأنك لا تملك ما تقوله، بل لأنك أدركت أن الوضوح يتطلّب إ��راكاً أيضاً.
كلُّ الذين شعروا بالنفور منّي، كانت تقودهم رغبةٌ جامحةٌ هدفُها أن يجعلوني نسخةً من وعيهم، أ�� أتبنّى توجّهاتهم، أو أكون صدىً مطيعاً لأصواتهم، أُردّد ما يظنّونه الحقّ والحقيقة. لكنني - وبلا أسفٍ أو تَردّد - لم أستطع أن أواكبهم في هذا الطريق. لم أُخلق لأكون ظلًّا، بل حقيقةً متفرّدة.