من الانتماء الرمزي إلى التبعية الاستراتيجية.. كيف تعيد الحركات العابرة للحدود تشكيل الوعي والولاء داخل الدولة الوطنية؟
لم تعد دراسة الحركات الأيديولوجية العابرة للحدود مقتصرة على تحليل بنيتها السياسية أو العسكرية، بل باتت الدراسات الحديثة تتعامل معها بوصفها ظاهرة نفسية - اجتماعية معقدة، تتجاوز الحسابات المادية المباشرة إلى إعادة تشكيل الهوية والانتماء والإدراك السياسي نفسه. ولهذا، اتجهت كثير من مراكز الأبحاث الغربية، خلال العقود الأخيرة، إلى دراسة البعد الرمزي والعاطفي الذي يجعل جماعات واسعة تنجذب إلى “مراكز خارجية” عابرة للدولة الوطنية، وتعيد تعريف ذاتها وولاءاتها وفق هذا الارتباط.
وفي هذا السياق، ذهبت تقارير صادرة عن عدد من المراكز المهتمة بدراسة الجماعات والمليشيات إلى توصيف عدد كبير من التنظيمات الأيديولوجية الراديكالية بوصفها “مزودات للهوية والمعنى” أكثر من كونها مجرد تنظيمات سياسية أو عسكرية. فهذه الجماعات لا تقدم لأتباعها برنامجاً سياسياً فقط، بل تمنحهم ثلاث حاجات نفسية عميقة دفعة واحدة:
1. الإحساس بالانتماء.
2. الإحساس بالتفوق الأخلاقي.
3. الإحساس بالمشاركة في حدث تاريخي كبير.
وهذه العناصر الثلاثة تفسر، إلى حد بعيد، جاذبية “المركز الخارجي” بالنسبة للأتباع، حتى عندما يقودهم ذلك إلى الدخول في صدام مع مجتمعاتهم المحلية أو تقويض ولائهم الوطني التقليدي. فالفرد الذي يشعر بأنه جزء من “مشروع تاريخي كوني” لا يعود يرى نفسه مجرد مواطن داخل دولة، بل عضواً في جماعة عقائدية تتجاوز الحدود والجغرافيا.
وقد أظهرت دراسات صادرة عن مركز "بروكينغز"، منها دراسات "دانيال بايمان"، أن العلاقة بين الأتباع والمركز الخارجي ليست علاقة سياسية بحتة، بل علاقة نفسية-رمزية عميقة. فالمركز يُقدَّم بوصفه “حارس الحقيقة”، أو “مصدر الشرعية”، أو “النموذج النقي” الذي يمتلك الفهم الصحيح للتاريخ والدين والسياسة، بينما يُنظر إلى الواقع المحلي باعتباره منحرفاً أو فاسداً أو عاجزاً عن تحقيق المثال العقائدي المنشود.
ومن هنا تنشأ حالة يمكن وصفها بـ”الاغتراب الوطني”، حيث يبدأ الفرد بالنظر إلى مجتمعه بعين الشك، بينما يمنح ثقته الكاملة للمركز البعيد. وتتحول العلاقة بالمجال الوطني تدريجياً من علاقة انتماء طبيعي إلى علاقة متوترة ومأزومة، لأن المرجعية العليا لم تعد الدولة أو المجتمع المحلي، بل “المشروع الكوني” الذي يجسده المركز الخارجي.
وفي كثير من الأحيان، تتحول هذه الع��اقة إلى ما يشبه “الهوية التعويضية”. فكلما كان الواقع المحلي هشاً أو ممزقاً أو متخلفاً، ازداد الميل إلى الاحتماء بهوية أوسع: مذهبية، أممية، أو أيديولوجية عابرة للحدود. ولهذا تنمو الحركات المرتبطة بالمراكز الخارجية بقوة داخل البيئات التي تعاني من انهيار الدولة، أو فشل النخب الوطنية، أو الأزمات الاقتص��دية الحادة، أو التفكك الاجتماعي المزمن.
وهنا تكتسب أفكار "بينديكت أندرسون" أهمية خاصة، وخصوصاً مفهومه الشهير حول “الجماعات المتخيلة”. فالبشر، بحسب أندرسون، لا يتحركون فقط وفق المصالح المادية المباشرة، بل وفق الصور الذهنية والرمزية التي يتخيلون أنفسهم جزءاً منها. وحين تنجح جماعة عقائدية في إقناع أتباعها بأنهم ينتمون إلى “أمة عقائدية عالمية”، فإنها تنشئ رابطة نفسية قد تصبح أقوى من رابطة الأرض أو التاريخ الوطني نفسه.
ومع ذلك، فإن “الوكلاء المحليين” لا يمثلون مجرد متلقين سلبيين لهذه الصور الرمزية، بل غالباً ما يقومون بإعادة توظيفها داخل المجال الوطني لخدمة مشاريع السلطة المحلية. فالعلاقة هنا ليست تبعية عمياء في اتجاه واحد، بل علاقة تبادلية أحياناً، يستخدم فيها الفاعلون المحليون ارتباطهم بالمركز الخارجي لتعزيز شرعيتهم الداخلية، أو ابتزاز الخصوم المحليين، أو تأمين الموارد والدعم السياسي والعسكري. كما تؤكد دراسات "دانيال بايمان".
ومن هنا يمكن فهم الكيفية التي تتحول بها التبعية الخارجية – في وعي المؤمنين بها – من حالة نقص إلى حالة تفوق. فبدلاً من أن تُرى باعتبارها ارتهاناً للخارج، تُقدَّم بوصفها اتصالاً بالمركز “الأكثر نقاءً” أو “الأكثر شرعية” أو “الأكثر قدرة على فهم حركة التاريخ”. وهكذا يصبح التخلي عن جزء من الاستقلال السياسي الوطني أمراً مبرراً أخلاقياً وعقائدياً، لأنه يُصوَّر باعتباره انخراطاً في مشروع عالمي أكبر من حدود الدولة الضيقة.
لكن المفارقة التي تكشفها معظم التجارب التاريخية هي أن هذا “الفائض المعنوي” يتحول مع الزمن إلى أداة لتفكيك المجتمع المحلي نفسه. فكلما تعاظمت شرعية المركز الخارجي، تآكلت شرعية الدولة الوطنية، وتراجعت الثقة بالمجتمع المحلي، وانقسم الناس بين ولاءات متنافسة ومتصادمة. وعند هذه النقطة، لا تعود الجماعة ترى نفسها جزءاً عضوياً من الوطن، بل تنظر إلى الوطن باعتباره مجرد ساحة ضمن مشروعها الكوني الأوسع.
وهنا تكمن الخطورة الكبرى: إذ تتحول “الرسالة العالمية” من مصدر إلهام فكري أو روحي إلى بنية سياسية تنتج تبعية عميقة، تجعل القرار المحلي مرهوناً بالمركز الخارجي، وتعيد تشكيل الهوية الوطنية نفسها وفق أولويات تتجاوز مصالح المجتمع والدولة.
تتحول التبعية الخارجية – في وعي المؤمنين بها – من حالة نقص إلى حالة تفوق. فبدلاً من أن تُرى باعتبارها ارتهاناً للخارج، تُقدَّم بوصفها اتصالاً بالمركز “الأكثر نقاءً” أو “الأكثر شرعية” أو “الأكثر قدرة على فهم حركة التاريخ”. وهكذا يصبح التخلي عن جزء من الاستقلال السياسي الوطني أمراً مبرراً أخلاقياً وعقائدياً، لأنه يُصوَّر باعتباره انخراطاً في مشروع عالمي أكبر من حدود الدولة الضيقة.
من الانجذاب الرمزي إلى التبعية الاستراتيجية.. كيف يتحول التأثر الفكري إلى اصطفاف سياسي وعسكري؟
إذا كانت “سيكولوجية الانتماء” تفسر الدافع النفسي الذي يجعل الجماعات تنجذب إلى مركز خارجي، فإن التجارب التاريخية تكشف أن هذا الانجذاب لا يبقى محصوراً في حدود الإعجاب الثقافي أو التأثر الفكري، بل يتحول تدريجياً إلى تبعية سياسية واستراتيجية كاملة.
وتشير أدبيات علم الاجتماع السياسي إلى أن الحركات العقائدية العابرة للحدود تمر غالباً بثلاث مراحل متداخلة:
1. مرحلة التأثر الرمزي والفكري.
2. مرحلة بناء الهوية المشتركة مع المركز.
3. مرحلة الاصطفاف السياسي والاستراتيجي.
وفي المرحلة الأخيرة، لا يعود المركز الخارجي مجرد مرجعية ثقافية أو دينية، بل يتحول إلى مصدر للشرعية والتوجيه وتحديد العدو والصديق. وعند هذه النقطة تبدأ الحدود الفاصلة بين “التضامن العقائدي” و”التبعية السياسية” بالتلاشي تدريجياً.
وقد تناولت دراسات صادرة عن عدد من المراكز الدراسية - المهتمة بالجماعات العابرة للحدود - هذه الظاهرة في سياق الحركات المرتبطة بالمشروع الإيراني بعد عام 1979، حيث لم تقدم إيران نفسها كدولة قومية ذات مصالح تقليدية فحسب، بل كمركز ثوري عابر للحدود يمتلك رسالة أيديولوجية تتجاوز الجغرافيا الإيرانية نفسها.
ومنذ قيام الثورة الإيرانية، عملت طهران على بناء فضاء رمزي وسياسي يقوم على مفهوم “ولاية الفقيه” ومركزية “الثورة الإسلامية”. وقد منح هذا النموذج لكثير من الجماعات شعوراً بأنها جزء من مشروع تاريخي كبير يتجاوز الدولة الوطنية وحدودها.
وهنا برز ما يمكن تسميته بـ”فائض القوة المعنوي”، حيث أصبح الارتباط بالمركز الإيراني يمنح الجماعات المحلية شعوراً بالشرعية والامتداد والقدرة على تحدي الأنظمة القائمة. ولم يعد الدعم مقتصراً على الجانب العسكري أو المالي، بل شمل إعادة تشكيل الوعي السياسي نفسه.
وتبرز حالة حزب الله بوصفها المثال الأكثر اكتمالا على هذا التحول. فالحزب لم ينشأ فقط كتنظيم لبناني ذي خلفية شيعية، بل كجزء من بنية أيديولوجية مرتبطة بالمركز الثوري الإيراني. ومع مرور الوقت، لم تعد المرجعية الفقهية للولي الفقيه مجرد شأن تعبدي، بل تحولت إلى مرجعية سياسية وعسكرية عليا تحدد الاتجاهات الاستراتيجية الكبرى للحركة.
وفي هذا النموذج، يصبح الانتماء العقائدي مدخلاً لإعادة تشكيل المجال السياسي نفسه. فقرار الحرب والسلم، وتحديد الأولويات الإقليمية، ورسم صورة “العدو” و”الحليف”، لم يعد مرتبطاً بالكامل بحسابات الدولة الوطنية أو المصالح المحلية، بل أصبح جزءً من رؤية أوسع يقودها المركز الإقليمي.
وتلعب شبكات التمويل والاقتصاد الموازي دوراً مركزياً في هذا التحول؛ إذ إن التبعية هنا ليست مجرد اقتناع فكري، بل ارتباط بنيوي بمصدر القوة والموارد. ولهذا وصفت بعض دراسات مؤسسة "راند" هذه البنية بأنها “شبكات ولاء عابرة للدولة”، حيث تمتزج العقيدة بالهوية السياسية والأمنية بصورة تجعل الجماعة ترى نفسها جزءً من محور استراتيجي يتجاوز حدودها الوطنية.
وهنا برز ما يمكن تسميته بـ”فائض القوة المعنوي”، حيث أصبح الارتباط بالمركز الإيراني يمنح الجماعات المحلية شعوراً بالشرعية والامتداد والقدرة على تحدي الأنظمة القائمة. ولم يعد الدعم مقتصراً على الجانب العسكري أو المالي، بل شمل إعادة تشكيل الوعي السياسي نفسه.
الحالة الحوثية: من الزيدية المحلية إلى فضاء “المحور”
تظهر الحالة الحوثية في اليمن بوصفها مثالاً واضحاً على هذا المسار، وإن كانت تحمل خصوصية يمنية مرتبطة بطبيعة البنية الاجتماعية والسياسية والدينية في شمال اليمن.
فقد بدأت حركة أنصار الله داخل سياق زيدي محلي، مرتبط بإشكالات الهوية والسياسة والدين، لكنها انتقلت تدريجياً من الإطار المحلي إلى فضاء أيديولوجي أوسع مرتبط بأدبيات “محور المقاومة”.
وفي المراحل الأولى، كان التأثر بالثورة الإيرانية ذا طابع رمزي وثقافي، تجلى في الشعارات والخطاب التعبوي واستحضار م��اهيم “الاستكبار” و”المواجهة الكونية”. لكن مع تعمق العلاقة الفكرية والتنظيمية، بدأ يحدث تحول أعمق في بنية الحركة نفسها، حيث أعيد تعريف الصراع السياسي اليمني ضمن رؤية إقليمية أوسع.
وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج التبعية الرمزية للمركز الخارجي: إعادة تعريف “العدو والصديق”. فبدلاً من أن تنطلق الحركة من أولويات المجال الوطني اليمني وحده، أصبحت ترى نفسها جزءاً من معركة إقليمية مرتبطة بتوازنات “محور المقاومة” وصراعاته.
وبذلك، لم يعد الانتماء العقائدي مجرد عنصر ثقافي، بل أصبح إطاراً يعيد تشكيل الإدراك السياسي والاستراتيجي للجماعة. كما أن المركز الخارجي لا ي��تفي هنا بالدعم، بل يحتكر أيضاً “سلطة التفسير” للواقع المحلي، بما يسلب الجماعة التابعة قدرتها على إنتاج قراءة وطنية مستقلة لمصالحها الحقيقية.
وتوضح دراسات الحركات الأيديولوجية أن هذه العملية تحدث غالباً بصورة تدريجية وغير محسوسة لأعضاء الجماعة أنفسهم. فكلما تعزز الشعور بالانتماء إلى “المشروع الأكبر”، تراجعت مركزية الدولة الوطنية في الوعي السياسي للجماعة، وحلت محلها فكرة “المحور” أو “الأمة العقائدية” أو “الجبهة التاريخية”.
ومن هنا، فإن أخطر ما في التبعية للمركز الخارجي ليس فقط الدعم السياسي أو العسكري، بل التحول العميق في الوعي؛ أي انتقال الجماعة من التفكير بمنطق “الوطن” إلى التفكير بمنطق “المشروع العابر للوطن”. وعند هذه النقطة، تصبح الدولة مجرد ساحة ضمن صراع إقليمي أوسع، ويتحول الداخل الوطني إلى امتداد لصراعات المركز وتحالفاته وأولوياته.
إن أخطر ما في التبعية للمركز الخارجي ليس فقط الدعم السياسي أو العسكري، بل التحول العميق في الوعي؛ أي انتقال الجماعة من التفكير بمنطق “الوطن” إلى التفكير بمنطق “المشروع العابر للوطن”. وعند هذه النقطة، تصبح الدولة مجرد ساحة ضمن صراع إقليمي أوسع، ويتحول الداخل الوطني إلى امتداد لصراعات المركز وتحالفاته وأولوياته.
الإخوان المسلمون: بين الأممية الأيديولوجية وإعادة التوطين الوطني
ضمن مسار الانتقال من التأثر الفكري إلى الاصطفاف السياسي، تمثل تجربة الإخوان المسلمين حالة شديدة الأهمية والتعقيد، لأنها تكشف أن العلاقة بالمركز الخارجي ليست دائماً علاقة خطية تنتهي بالضرورة إلى التبعية الكاملة.
فالجماعة، منذ تأسيسها، قامت على تصور أممي يتجاوز حدود الدولة الوطنية. إذ لم تعرف نفسها باعتبارها حركة مصرية محلية فقط، بل باعتبارها مشروعاً إسلامياً شاملاً يحمل تصوراً عابراً للحدود عن الأمة والمجتمع والدولة. وهذا البعد الأممي منحها قدرة كبيرة على الانتشار، لأنه وفر لأتباعها ذلك “الفائض المعنوي” المتمثل في الشعور بالانتماء إلى مشروع تاريخي واسع.
وقد تناولت دراسات صادرة عن مركز "بروكينغز"، و"مؤسسة كارنيغي للسلام"، طبيعة البنية التنظيمية والفكرية للجماعة، موضحة أنها نجحت لعقود في بناء شبكة عابرة للحدود تربط بين فروع متعددة عبر منظومة فكرية وتنظيمية مشتركة.
لكن التجربة الإخوانية تكشف في الوقت نفسه عن عامل بالغ الأهمية في سوسيولوجيا التبعية، وهو أن “التأثر بالمركز” لا يؤدي دائماً إلى ذوبان كامل في المشروع العابر للحدود. ففي كثير من الحالات، فرضت البيئة الوطنية نفسها على الفروع المحلية، وأجبرتها تدريجياً على إعادة تعريف أولوياتها بما يتناسب مع تعقيدات الدولة والمجتمع المحلي.
وهنا يظهر مفهوم “توطين الفكرة”، الذي تستخدمه دراسات الحركات الاجتماعية لوصف العملية التي يعاد فيها تشكيل الأيديولوجيا العابرة للحدود داخل السياق الوطني المحلي. فالفكرة الأممية، عندما تدخل في احتكاك طويل مع الواقع السياسي والاجتماعي للدولة، تبدأ بالتكيف مع البنية الوطنية، وتفقد شيئاً من طابعها الكوني الصلب.
ولهذا شهدت بعض فروع الجماعة تحولات واضحة نحو “الوطننة السياسية”، بحيث أصبحت تتصرف كحركات وطنية مستقلة نسبياً، لا كامتداد تنظيمي كامل لمركز خارجي. وقد بدا ذلك أكثر وضوحاً في التجارب التي شاركت فيها الجماعة في العملية السياسية داخل دول مختلفة، حيث فرضت اعتبارات المجتمع والدولة والانتخابات والتحالفات المحلية نفسها على الخطاب الأممي التقليدي.
تقدم التجربة الإخوانية فارقا مهما مقارنة ببعض النماذج العقائدية الأكثر اندماجاً بالمراكز الخارجية؛ إذ ��ظهر أن العلاقة بين الفكرة الأممية والولاء الوطني ليست دائماً علاقة صفرية، بل قد تكون علاقة شد وجذب مستمرة بين منطق “الأمة العقائدية” ومنطق “الدولة الوطنية”.
ولكن، يبقى التحدي الأكبر في هذا النموذج هو “ازدواجية الولاء”. فالتوتر بين مقتضيات الدولة الوطنية وبين الالتزامات الأيديولوجية والتنظيمية العابرة للحدود لا يختفي تماماً، بل يظل كامناً وقابلاً للعودة عند الأزمات الكبرى. ولهذا يرى بعض الباحثين أن “الوطننة” قد تتحول أحياناً إلى تكتيك سياسي أكثر منها تحولاً استراتيجياً عميقاً في بنية العقيدة والتنظيم.
ومع ذلك، فإن تجربة الإخوان تكشف نقطة شديدة الأهمية: وهي أن قوة الدولة الوطنية والمجتمع المحلي تستطيع أحياناً احتواء الأيديولوجيا العابرة للحدود وإعادة دمجها داخل المجال الوطني.
وبهذا المعنى، تقدم التجربة الإخوانية فارقا مهما مقارنة ببعض النماذج العقائدية الأكثر اندماجاً بالمراكز الخارجية؛ إذ تظهر أن العلاقة بين الفكرة الأممية والولاء الوطني ليست دائماً علاقة صفرية، بل قد تكون علاقة شد وجذب مستمرة بين منطق “الأمة العقائدية” ومنطق “الدولة الوطنية”.
خاتمة: أزمة الدولة حين تتحول العقيدة إلى جغرافيا بديلة
تكشف التجارب التاريخية للحركات العابرة للحدود أن أخطر ما تنتجه هذه البنى الأيديولوجية ليس فقط الاستقطاب السياسي أو العنف المسلح، انما إعادة تشكيل مفهوم الانتماء نفسه. فحين يصبح “المركز الخارجي” هو المصدر الأعلى للشرعية والمعنى والتفسير، تبدأ الدولة الوطنية بالتراجع من موقعها بوصفها الإطار الجامع للمجتمع، لتتحول تدريجياً إلى مجرد ساحة ضمن مشروع أوسع.
وفي هذه اللحظة، لا يعود الصراع مجرد خلاف سياسي داخلي، لكنه يتحول إلى صراع بين تصورين للهوية والولاء: تصور يرى الوطن إطاراً نهائياً للسياسة والانتماء، وتصور آخر يرى الوطن مجرد محطة داخل مشروع عقائدي أو أممي أكبر.
ومع أن الحركات العابرة للحدود تختلف في طبيعتها ودرجات ارتباطها بالمراكز الخارجية، فإن القاسم المشترك بينها جميعاً هو قدرتها على إنتاج “وعي بديل” يعيد تعريف العدو والصديق، والشرعية والخيانة، وحتى معنى التاريخ نفسه. ولهذا، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم فقط عبر الأدوات الأمنية أو العسكرية، بل عبر إعادة بناء المجال الوطني ذاته: دولة قادرة، ومجتمع متماسك، ونخب تمتلك مشروعاً وطنياً مقنعاً، وهوية جامعة لا تترك فراغاً تملؤه الهويات العابرة للحدود.
فكلما ضعفت الدولة الوطنية، تمددت المراكز الخارجية داخل الوعي المحلي. وكلما عجز المجتمع عن إنتاج معنى جامع للانتماء، ازداد استعداد الأفراد للبحث عن “أمة بديلة” تمنحهم الهوية واليقين والدور التاريخي.
ومن هنا، فإن معركة الدولة الوطنية في العالم العربي، واليمن في مقدمتها، ليست مجرد معركة سيادة سياسية، بل معركة وعي وهوية ومعنى، لأن الأمم لا تتفكك فقط عندما تُهزم عسكرياً، بل أيضاً عندما يفقد أبناؤها الإيمان بأن أوطانهم تستحق أن تكون مركز الولاء الأعلى.
الكاتب | محمد صلاح
https://t.co/F67WRWSynk
@iillvxii الحديث غير صحيح.. راجع معلوماتك..
عن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: "اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم ﷺ"."هو حديث صحيح رواه الإمام البخاري
"باقي الكلام الذي ذكرته ليس حديث عن الرسول"
إذا المرء لا يرعاك إلا تكلفا.. فدعه ولا تكثر عليه التأسفا
ففي الناس أبدال وفي الترك راحة.. وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا
فما كل من تهواه يهواك قلبه.. ولا كل من صافيته لك قد صفا
إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة.. فلا خير في ود يجيء تكلفا
من لا يحبك لن يحبك قلبهُ ..
لو طرت في جوّ السماء ..أو ارتقيت !
قل لي لماذا لا تُريحُـك منهمُ ..
ما دمت في كنف الرحيم قد احتميت ؟!
قل لي ألم تتعب! ألست بموجَعٍ ..
حتى متى ترضى المذلةَ ..أما اكتويت ؟!
قل للذي يرضى و يغضب وحدهُ ..
إني برغم الحب ..منك قد اكتفيت !
و البعض حين يراك تبكي ..لا يرى !
قل لي بربك ما استفدت ..إذا بكيت ؟
من لان لان بنفسهِ و لوحدهِ ..
دع عنك قولك:َ قد يلين إذا حنوتْ !
ما دمت تركض خلفهم و لأجلهم ..
فسيركضون وراء غيرك.. لو وَعيْت !
و الناس إن بيّنت حُبّك أرخصوا ..
و يطالبونك بالمجيء.. إذا اختفيت !
"وإذا استفزك من تحب بفعله
فاسكت كأنك ما رأيت وما دريت
بعض الوداد نصونه بسكوتنا
من ذا يطيقك إن شكوت وإن حكيت
ما دمت تركض خلفهم ولأجلهم
فسيركضون وراء غيرك لو وعيت
والناس إن بينت حبك أرخصوا
ويطالبونك بالمجيء إذا اختفيت"!
ماضاعَ منك لم يكن ثمينًا، أنت من بالغ في تقديره، والخسارات المُبكرة أرباحٌ مُؤجلة، ومن بانَ سفهُه في أوّل الطريق أعفاك من حق العشْرة وطول المسير، الكثير من الأشياء لن تعرف أنها كانت من اللّطف بك إلا مُتأخرًا..
*فقل الحمدلله على كل حال*