" لا حول ولا قوة إلا بالله "
هي مفتاح المغاليق، وسر الفرج عند انسداد السبل.
ما فُتح قفل مستعصٍ، ولا انفرج همّ متراكم، ولا تيسّر أمرٌ تعسّر... بمثل هذه الكلمة.
فهي إعلان فقرٍ لله، وبراءة من الحول والقوة إلا به. تقول بها: يا رب، أنا لا ��ملك من أمري شيئاً، ولا أقدر على دفعة ضرّ، ولا جلبة نفع، إلا بعونك وتوفيقك.
ولو أدرك صاحب الحاجة ما في هذه الجملة من مددٍ خفي، وعونٍ لا يُرى، وتسديدٍ لا يُخطئ... ما فتر لسانه عنها لحظة.
لأنها ليست ذكراً يُقال، بل توكلٌ يُعاش.
"لا حول ولا قوة إلا بالله"
ذكرٌ يسير على اللسان، عظيم في الميزان، عجيب في الأثر.
كنزٌ من كنوز الجنة ادّخره الله لمن أكثر منه في دنياه، فوجده ذخراً في آخرته.
قوةٌ تُستمد بها النفس حين تضعف، والبدن حين يكلّ، والقلب حين يجزع.
مخرجٌ إذا ضاقت الحيل، وسبيلٌ إذا انسدت الطرق، وتوفيقٌ إذا تشعّبت الدروب.
فأكثروا منها...
إذا أردتِ العون: فهي ��لعون من الله
وإذا طلبتِ القوة: فهي القوة بإذن الله
وإذا أغلقت الأبواب: فهي المفتاح بأمر الله
ثمرتها لا ��تأخر... إما عاجلة تفرج بها كربتك، أو آجلة تُدّخر لكِ رفعةً ودرجات.
*قال ابن عثيمين رحمه الله:
"إذا أعياك الشيء وعجزت عنه، قل: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإن الله يُعينك عليه".
أي والله يُعينك... يعينك بعلمٍ لم تحسب له، وبسببٍ لم يخطر ببالك، وبفرجٍ يأتيك من حيث لا تحتسب.
أمري كله لله، و ضعفي إليه قوة، و عجزي إليه حول.
"لا حول ولا قوة إلا بالله"
الغياب كان معلّمي
الغياب معلمٌ قاسٍ... لكنه صادق. لا يجامل، ولا يربت على الكتف، ولا يعطي شهادات تقدير وهمية.
حين غاب من ظننتُ أن الدنيا تقوم بهم ، سقطتُ.
وسقوطي كان أول يقظة.
فهمتُ أن القلوب إذا تعلّقت بغير الله، فمصيرها كسر.
لأن كل من سواه... زائل. إما أن يغيب عنك، أو تغيب عنه. رحم الله من غابوا عن دنيانا.
الغياب علّمني فقه "الزوال".
علّمني أن أقول وداعاً قبل أن يُقال لي وداعاً.
علّمني أن أحب دون أن أتملّك،
وأعطي دون أنتظر، وأُمسك الدنيا بيدي لا بقلبي.
فالحمد لله على كل غائب... كان غيابه باب هداية.
و الوجع كان مؤدّبي
العافية تُنسي، لكن الوجع يُر��ّي.
النعمة تجعلك تقول "الحمدلله" بلسانك، والوجع يجعلك تقولها بقلبك وعظمك ودموعك.
الوجع مؤدّبٌ حكيم. لا يضربك لينتقم، بل ليهذّب.
يأخذ منك الزوائد...
الكِبر، والتعلّق، والظن بأنك تملك شيئاً.
يكسر فيك كل صنمٍ عبدته دون أن تشعر: صنم الطمأنينة، صنم العلاقة، صنم المستقبل.
كم مرة دعوتُ الله وأنا معافى فكان دعائي كلمات؟
وكم مرة ناجيته وأنا موجوع فكان دعائي دموعاً؟
والله لا يقارن بينهما.
الوجع أدّبني فتعلّمت أن أشكو بثي وحزني إلى الله لا إلى البشر.
أدّبني ففهمت معنى "إن مع العسر يسرا"... أن اليسر مخبوء داخل العسر نفسه، لا بعده.
فالحمد لله على كل وجعٍ... كان سوطاً يقودني إلى بابه.
و الله كان جابر كسري
وهنا السرّ كله.
لولا الجبّار... لهلكتُ بين معلمٍ قاسٍ اسمه الغياب، ومؤدّبٍ شديدٍ اسمه الوجع.
الجبّار
يجبرك جبراً يليق بكرمه، لا بحجم كسرك.
يلمّ شتاتك، ويضمّ جراحك، ويعيد تركيبك من جديد... لكن بنسخة أقوى، وأنقى، وأقرب.
حين انكسرتُ، ظننتُ أني انتهيت.
لكنه سبحانه كان يراني من أعلى
جبرني حين أبدلني بالفقد عوضاً، وباليتم قرباً، وبالبكاء سكينة.
فعرفتُ أن الكسرة التي تأتي من بابه... هي في الح��يقة جبر.
وأن السقوط في ساحته... هو في الحقيقة وصول.
ربّاني الغياب حتى عرفتُ الزوال،
وأدّبني الوجع حتى عرفتُ الذلّ لله،
وجبرني الله حتى عرفتُ أنه لا جابر سواه.
إياك.. والعزة بالإثم
أخطر لحظة في عمرك ليست لحظة المعصية.. بل اللحظة التي تبرر فيها المعصية.
حين يهمس لك هواك: "لا بأس، الكل يفعلها"، فينطق لسانك بفتوى باطلة: "هذا حلال".
وحين يقف الحق في وجهك فتصده بكبرياء: "هذا تشدد، هذا حرام".
هناك.. تكون قد وقعت في العزة بالإثم، وفتحت على نفسك باب الهلاك
الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.
لكن حين تأخذك العزة بالإثم، تخلع ثوب العبودية وتلبس رداء التشريع.
تحلّل ما حرّم الله لأن نفسك تشتهيه، وتحرّم ما أحل الله لأنك تكره من يفعله.
وهذا والله أعظم من الذنب نفسه. الذنب يُغفر بالتوبة، أما تحريف الحلال والحرام فجناية على الدين.
قال ابن مسعود: "هلك المتنطعون". والتنطع هو التشديد بغير حق، أو التساهل بغير دليل. الاثنان وجهان لعزة الإثم.
اعلم أنك إن أفتيت بغير علم، وأحللّت ��راماً أو حرّمت حلالاً انتصاراً لهواك، فالإثم لن يقف عندك.
كل من سمعك فقلدك، وكل من قرأك فاتبّعك، وكل قلبٍ زيّنت له الباطل.. ستُحمل أوزارهم مع أوزارك.
قال تعالى: *{لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ}
تظنها كلمة قلتها وانتهت، وهي في ميزانك جبال من السيئات تجري عليك وأنت في قبرك.
النجاة: استبراء الذمة وتسليم النفس
نجاتك في كلمتين: "الله أعلم".
نجاتك أن تقول لنفسك عند الشبهة: "أتوقف، حتى أتبيّن"
نجاتك أن تُسلّم عقلك وهواك لنصٍ واضح، ولإجماعٍ ثابت، ولفتوى عالمٍ ثقة.. لا لرغبةٍ في صدرك.
اتق الله في نفسك. لا تهلكها لأجل انتصار وهمي في نقاش، أو لأجل شهوة عابرة.
فالدنيا ساعة، والآخرة أبد. ومن باع دينه بدنيا غيره، خسر الصفقتين.
إذا اشتبه عليك الأمر، فالزم الورع.
فالعزيز حقاً من ذل لله، والقوي حقاً من قهر هواه.