عشرون عامًا من الانتظار… وكلما اقتربوا تغيّرت قواعد التوظيف
هناك خريجون وخريجات لم تكن مشكلتهم في عدم الرغبة في العمل أو تطوير أنفسهم، بل في أنهم أمضوا سنوات طويلة ينتظرون الوظيفة التعليمية، بينما كانت معايير الوصول إليها تتغير من مرحلة إلى أخرى.
خلال نحو عشرين عامًا، مرّ التوظيف التعليمي بتحولات عديدة؛ من مراحل كان للمؤهل والتقدير والأقدمية والخبرة والتدريب حضور في المفاضلة، إلى «جدارة»، ثم اختبارات كفايات المعلمين، ثم الرخصة المهنية باختباريها العام والتخصصي، ثم «جدارات» والتعاقد المكاني، مع تغير أوزان المعدل والأقدمية والاختبارات، وصولًا إلى المسار الجديد لإعداد الراغبين في دخول مهنة التدريس.
التطوير ليس المشكلة، فمن حق التعليم أن يبحث عن أفضل المعلمين والمعلمات، وأن يرفع معايير الكفاءة والتأهيل.
لكن ماذا عن الذين كانوا ينتظرون طوال هذه التغييرات؟
ماذا عن خريج تخرج قبل عشر أو خمس عشرة أو عشرين سنة، وكان في كل مرحلة يحاول استيفاء الشروط المطلوبة منه، ثم يجد نفسه بعد سنوات أمام معايير جديدة؟
وماذا عن خريجة ظلت عامًا بعد عام تنتظر إعلان الوظائف، وتدخل الاختبارات وتطور نفسها، بينما تتغير معادلة المفاضلة من حولها؟
والأكثر إيلامًا فئة لم تكتفِ بالانتظار، بل التحقت بالمدارس الأهلية رغبة في البقاء داخل المهنة وبناء الخبرة.
معلمون ومعلمات دخلوا الفصول�� ودرّسوا الطلاب، وأعدوا الدروس والاختبارات، واكتسبوا خبرة في إدارة الصف والمناهج والتقويم والتعامل مع الطلاب وأولياء الأمور، وحضروا البرامج التدريبية، واستمروا سنوات لأنهم كانوا يأملون أن تُتوَّج هذه الخبرة يومًا بالاستقرار في الوظيفة التعليمية.
كان أحدهم يعتقد أن كل سنة يقضيها داخل الفصل تقرّبه من حلمه.
مرت خمس سنوات… ثم عشر… وربما أكثر.
ثم وجد أن معايير المفاضلة تغيرت، وأن الخبرة التي حرص على بنائها لم تعد بالضرورة تمنحه الوزن الذي كان يتوقعه في طريقه إلى الوظيفة.
وهنا نسأل:
ماذا نقول لمعلم أمضى عشر سنوات في مدرسة أهلية، أو لمعلمة أمضت خمسة عشر عامًا بين الطالبات، إذا وجدا نفسيهما أمام متطلبات جديدة وكأن سنوات الخبرة الطويلة لم تكن كافية لمنحهما ميزة عادلة في المنافسة؟
لا أحد يطالب بأن تكون الخبرة وحدها ضمانًا للتوظيف، ولا بإلغاء اختبارات الكفاءة أو الرخصة المهنية أو متطلبات التأهيل.
لكن من حق هؤلاء أن يكون لسنوات الممارسة الفعلية وزن عادل ومعتبر.
وكذلك الحال مع أقدمية التخرج.
فمن انتظر سنوات كان يعتقد أن مرور الزمن سيقربه من فرصته، لكن أوزان الأقدمية تغيرت هي الأخرى عبر مراحل المفاضلة.
والمعدل الجامعي كذلك؛ فالإنسان يستطيع إعادة اختبار، والحصول على دورة، وتطوير مهاراته، لكنه لا يستطيع بعد عشر أو خمس عشرة سنة العودة إلى الجامعة ليغير معدلًا حصل عليه في بداية شبابه.
لذلك فهناك فرق بين خريج جديد يعرف متطلبات دخول المهنة منذ بداية رحلته، وبين خريج قديم تغيرت عليه المتطلبات وهو في منتصف الطريق.
القضية إذن ليست رفض تطوير التعليم، ولا المطالبة بتعيين الأقدم على حساب الأكفأ.
القضية هي العدالة في الانتقال من نظام إلى آخر.
فعندما تتغير معايير الوصول إلى الوظيفة عبر السنوات، ينبغي أن يكون هناك سؤال دائم:
ماذا عن الموجودين أصلًا في الطريق؟
ماذا عن الذين استوفوا متطلبات الأمس؟
ماذا عن الذين اختبروا وتدربوا وعملوا في المدارس الأهلية وبنوا خبرتهم عامًا بعد عام؟
وماذا عن سنوات أعمارهم التي مضت وهم ينتظرون؟
هؤلاء يستحقون دراسة مسار انتقالي منصف يحافظ على معايير الكفاءة، وفي الوقت نفسه يراعي أقدمية التخرج والخبرة التعليمية الفعلية والتأهيل السابق، ويتيح استكمال المتطلبات الجديدة بدل أن يبدأ الخريج القديم الرحلة من الصفر كلما تغير النظام.
فالعدالة لا تعني أن يحصل الإنسان على الوظيفة دون استحقا��.
العدالة أن يحصل على فرصة عادلة للوصول إليها.
تطوير التعليم هدف وطني مهم، ولكن إنصاف من صبروا وانتظروا، وتقدير من أمضوا سنوات يمارسون التعليم بالفعل، ينبغي أن يكون جزءًا من هذا التطوير، لا أن يكونوا ضحيته.
فهؤلاء ليسوا مجرد أرقام قديمة في قوائم التقديم.
هم خريجون وخريجات، ومعلمون ومعلمات، مضت سنوات من أعمارهم وهم ينتظرون حلمًا ظل يتحرك أمامهم كلما تغيرت قواعد الوصول إليه.
ويبقى السؤال:
إذا كانت معايير التوظيف قد تغيرت مرات عديدة خلال عشرين عامًا…
فمن ينصف من أمضى عشرين عامًا يحاول في كل مرة أن يواكب التغيير؟
#الوظائف_التعليمية #الخريجين #الخري��ات #المعلمين #المعلمات #التعليم_الأهلي #وزارة_التعليم #تكافؤ_الفرص