لا يضعك الله في كل هذه الابتلاءات ليختبرك فقط، بل ليربّي قلبك على اليقين والتسليم والصبر الجميل؛ فهو يراك وأنت تهمس لروحك "إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين"، وترتجي بيقين "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب"، لترتقب فرجاً يأتيك غامراً مُزداناً بـ"إنا وجدناه صابراً".
ثمة أناس تحفهم الرحمة أينما ساروا، ويأتيهم الخير صبا دون أن يطلبوه، وتتلاشى عنهم المتاعب قبل أن يخشوها؛ لا لشيء سوى أن هناك دعوات صادقة قيلت في خفاء، لم تسمعها آذانهم، لكن تلقاها اللطيف الخبير، فامض في درب الإحسان ولا تزدر منه شيئا، فرب إحسان خفي أضاء لك عتمة الأيام وأنت لا تدري.
وقفت في رحاب قوله تعالى "إنه كان بي حفيّاً"، وتساءلت؛ كم مرة شملتني حفاوة الرحمن ؟ ففتشت في أيامي واسترجعت تلك الليالي الدامسة التي انتشلني الله من عتمتها كأن شيئا لم يكن، ليأخذ بيدي نحو ذروة الطمأنينة، وما إن بلغت آخر الذاكرة حتى أدركت أن عمري كله لم يكن إلا سلسلة من ألطاف الله.
في خلوةٍ هادئة مع نفسي، تذكرتُ ما سلفَ من أيامي، فلم أجد في قلبي إلا الحمد؛ حمدًا لله على صِعاب ظننتُها لن تمرَّ فمرّت، وأمنياتٍ لم تتحقق لأن الله خبَّأ لي الأجمل. الحمد لله الذي تداركَ كسري بتوفيقِ جبره، وعلى لطفٍ كان يحميني دون أن أشعر، والحمد لله على كل ما مضى وما هو آتٍ؛ وحسبُ قلبي مِن الغنى، أن معيّة الله ملاذُه.
ما أسعى إليه هو الخفة — ألا يكون في قلبي ندمُ ولا في عيني الطرق التي اخترت عدم المشي فيها ولا في ذاكرتي قصصّ بنهاياتٍ مبتورة ولا في يدي أشياء لا أبالي بها