#مقالة
لقد خسرت الكثير في هذا السهم، لا يمكنني بيعه الآن.
مغالطة تكلفة "السفينة الغارقة"
كان الفي��م رديئًا. وبعد ساعة من بدء العرض، همستُ لزوجتي: “هيا، لنغادر.” فر��ّت: “مستحيل. لن نضيّع ثلاثين دولارًا.”
قلتُ محتجًّا: “لكن هذا ليس سببًا للبقاء!”
فأجابت: “لقد دُفعت النقود وانتهى الأمر.”
هذه هي مغالطة التكلفة الغارقة في أوضح صورها—وهو خطأ من اخطاء التفكير الشائعة. نظرت إليّ بغضب وكأنها تذوقت قطعة ليمون حامضة. حسناً، أعترف بأنني أُفرِط أحيانًا في التشدّد بشأن مثل هذه الموضوعات، وهو ما يسمّى بتشويه سمعة التخصص. قلتُ محاولاً توضيح الموقف: “لقد أنفقنا الثلاثين دولارًا سواء بقينا أو غادرنا، لذلك لا ينبغي أن يلعب ذلك أي دور في قرارنا.”
وكما هو متوقع، استسلمت أنا في النهاية وجلستُ متثاقلاً في مقعدي.
في اليوم التالي، جلس��ُ في اجتماع تسويقي. كانت حملتنا الإعلانية مستمرة منذ أربعة أشهر، لكنها لم تُحقّق ولو هدفًا واحدًا. أيدتُ إلغاءها، لكن مدير الإعلان اعترض قائلاً: “لقد أنفقنا الكثير عليها. لو توقفنا الآن، سيضيع كل شيء هباءً.”
وها هو ضحية أخرى لـ مغالطة التكلفة الغارقة.
هذه المغالطة تكون كلفتها أكبر عندما نكون قد استثمرنا الكثير في شيءٍ ما—سواء كان ذلك وقتاً أو مالاً أو طاقةً أو حتى مشاعر. يصبح الاستثمار السابق سببًا للاستمرار، حتى لو كنا نتعامل مع مشروع خاسر. فكلما زادت التكاليف الغارقة، ازداد الميل إلى الاستمرار.
يقع المستثمرون كثيراً ضحية لهذه المغالطة. كثيرًا ما يبنون قراراتهم على سعر الشراء، فيقولون: “لقد خسرت ��لكثير في هذا السهم، لا يمكنني بيعه الآن.”
لكن هذا تفكير غير منطقي. ينبغي تجاهل سعر الشراء تمامًا. المهم هو أداء السهم المستقبلي (ومقارنة ذلك بفرص الاستثمار الأخرى). والمفارقة أن السهم كلما زادت خسائره، زاد تعلّق المستثمرين به!
ينبع هذا السلوك غير العقلاني من حاجة الإنسان إلى الاتساق. فالاستمرارية تُعطي انطباعًا بالثبات والمصداقية، بينما تبدو التناقضات غير مقبولة. فإذا قررنا إيقاف مشروع في منتصف الطريق، فنحن نقِرّ بأننا كنّا مخطئين من قبل. الاستمرار في مشروع عديم الجدوى يؤجّل هذا الاعتراف المؤلم ويحافظ على مظهر الثبات.
ويُعد مشروع طائرة الكونكورد مثالاً شهيراً على مشروع حكومي خاسر. فمع أن فرنسا وبريطانيا كانتا تعلمان منذ وقت مبكر أن صناعة الطائرات الأسرع من الصوت لن تنجح تجاريًا، واصلتا استثمار مبالغ هائلة فيه—فقط لعدم الاعتراف بالفشل.
لذلك تُسمّى هذه المغالطة أحيانًا تأث��ر الكونكورد، لأنها تقود إلى أحكام كارثية، وربما مدمّرة.
حتى الولايات المتحدة مدّت تدخلها العسكري في حرب فيتنام للسبب ذاته. فقد كان منطقهم: "لقد ضحّينا بأشياء كثيرة في هذه الحرب، وسيكون خطأً أن نتراجع الآن."
ونسمع عبارات مشابهة في حياتنا اليومية:
“وصلتُ إلى هذا الحد ولا استطيع التراجع…”
“لقد قرأت جزءًا كبيرًا من هذا الكتاب…”
“قضيتُ عامين في هذا البرنامج…”
إذا تعرفت على أي من هذه الأنماط الفكرية لديك، فهذا يعني أن مغالطة التكلفة الغارقة تنشط في ركن من أركان عقلك.
قد تكون هناك أسباب وجيهة للاستمرار في الاستثمار حتى إكمال المهمة، لكن ينبغي الحذر من أن يكون ذلك بدافعٍ خاطئ—مثل محاولة تبرير استثمارات لا يمكن استردادها.
القرار العقلاني يتطلّب منك أن تتجاهل ما دُفع سابقًا. مهما أنفقتَ من ق��ل، فإن ما يجب أن يحكم قرارك هو تكاليف المستقبل وفوائده المتوقعة فقط.
في غيابك عالي السكوت..
سنذكرك كلما صدحت القلوب "فوق هام السحب" وكلما تعثرنا في خطّ الرسايل أو سرحنا مع الفجر البعيد، أو تلوعنا بجمرة غضى أو تمايلنا مع وين أحب الليلة.
سنذكرك، مهندس الكلمة ومجنونها، وعزّ الكلام في زمان الصمت.
وداعاً يا البسمة العذبة✨
#بدر_بن_عبد_المحسن