من أعمق دروس الحياة أن نقاء سريرتك لا يضمن لك صدق نوايا الآخرين، وأن ولائك المطلق لا يلزم أحداً بالوفاء، ممكن تبذل من روحك كثير وتكون السند إذا احتاجوا اليك، لتتفاجأ بأنهم عند انقضاء الحاجة تتبدل الوجهة ويمضون بلا التفاتة، لذلك دع نبلك ينبع من أصالة معدنك ورقي أخلاقك، ولا تجعله تجارةً تنتظر من الناس سداد ثمنها.
كثيرون يظنون أن الإنسان يتغير عندما يُبتلى بالسلطة، أو يغتني بالمال، أو يعلو شأنه بين الناس.
لكن الحقيقة أن هذه الأشياء لا تصنع الإنسان، وإنما تكشفه....
فالسلطة لا تخلق الطغيان، والمال لا يخلق الجشع، والشهرة لا تخلق الكبر، والفتنة لا تُنبت شرّا جديدا في القلب؛ إنها فقط ترفع الغطاء عما كان مستقرّا فيه منذ البداية.
ولهذا قال أبو سليمان الداراني رحمه الله: "ما أتى من أتى - إبليس وقارون وبلعام - إلا أن أصل نياتهم على غش، فرجعوا إلى الغش الذي في قلوبهم، والله أكرم من أن يمنّ على عبد بصدق ثم يسلبه إياه."
إنها عبارة تختصر قانونا عظيما من سنن الله في النفوس: فالنهايات ليست منفصلة عن البدايات، وإنما هي امتداد لها.
فإبليس لم يسقط لأنه عجز عن السجود، وإنما لأنه حمل في قلبه كِبرا ظل مُستترًا حتى جاء الأمر الإلهي فكشفه....
وقارون لم يفسده المال، بل أظهر تعلق قلبه بنفسه حتى قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾....
وبلعام لم يضره العلم، وإنما ضره قلب لم يكن مخلصا لله، فتحول العلم الذي كان سببا لرفعته إلى سبب لهلاكه.
وليس معنى ذلك أن الله يعجل بفضح كل صاحب نية فاسدة، فقد يمهله سنوات، ويمنحه علما، أو مالا، أو مكانة، حتى يظن الناس أن تلك النعم شهادة على صلاحه، بينما هي في حقيقتها امتحان يؤخر لحظة الانكشاف، ولا يلغيها.
ولهذا كان السلف يخافون على قلوبهم أكثر من خوفهم على أعمالهم؛ لأن العمل قد يحسنه الإنسان رياءً أو عادةً، أما النية فلا يعلم حقيقتها إلا الله.
ومن هنا نفهم تماما قول الداراني: "والله أكرم من أن يَمُنّ على عبد بصدق ثم يسلبه إياه."
فإذا رزق الله عبدا صدقا حقيقيا، لم يكن ذلك خاطرا عابرا، بل منحة يعينه بها على الثبات.....
قد يقع الصادق في ذنب، وقد يضعف، لكنه لا يستقر على الباطل، ولا يجد راحته في الغش؛ لأن الصدق تأصّلَ في قلبه، وكلما زل أعاده ذلك الأصل إلى الطريق.
أما صاحب النية المغشوشة، فقد ينجح زمنا، ويُحسن الكلام، ويُتقن أداء الأدوار، لكن إذا جاءت اللحظة التي تُمحَّص فيها السرائر، عاد إلى ما كان يخفيه قلبه منذ البداية.
ولهذا فإن السؤال الأخطر في حياة الإنسان ليس: هل سأثبت إذا جاءت الفتنة؟
وإنما: أيُّ قلب أُعِدُّ اليوم لذلك الامتحان؟
فالفتنة لا تكتب المصير، وإنما تكشفه.....
والنية ليست بداية العمل فحسب، بل هي بداية النهاية أيضا.
ومن صدق مع الله في سريرته، كان أرجى الناس ثباتا في علانيته؛ لأن الكريم سبحانه لا يخذل قلبًا أقبل عليه صادقا، ولا يسلب عبدًا نعمة الصدق بعد أن منَّ بها عليه، وإنما يحفظه بها حتى يلقاه....
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
==
إحسان الفقيه