طرح الشيخ علي الطنطاوي - رحمه الله - في إحدى مقالاته هذا السؤال:(لو كانت امرأتُكَ أجملَ الخَلْق، وكنتَ تحبّها أشدّ الحُبّ، أتظنّ أنّ الحبّ يبقى أبدًا كما هو؟).
فأجاب: لقد كتبتُ في الحبّ شيئًا كثيرًا وفي بناء الزواج على الحُبّ وحده، وهو في كتبي المطبوعة فلستُ أعيده الآن، ولكن أؤكد القول بأنّ الحبَّ الفائر الثائر تَخمد على الأيام فَوْرتُه، وتهدأ ثورتُه، وينقلب حينًا إلى صداقة هادئة، وغالباً إلى نفرة قاطعة .. فلا تأسَ على الحُب فإنه ذاهب على كل حال، ولأن يكون الزوج - لمّا اختار الزوجة - نظر مع الحب إلى المصلحة والتوافق بين الأهل، وحكّم عقله مع عاطفته، فتحوّل الحب إلى صداقة باقية، هي خير من الحب .. خير له من أنْ يكون الزواج للحب وحده، أي للشهوة العارضة، لم يَسمع فيه مع صوت القلب صوتَ العقل، فمات الحُب وجاءت النفرة.
أما الجمال، فخَبّرني أولًا: ما هو الجمال؟ هل تستطيع له تعريفًا؟ لقد قرأتُ أنا كتبًا في عِلْم الجَمَال، ورأيتُ له تعاريف كثيرة، فلم أجد فيه مقالة أصدق مما قاله طاغور:"الجَمَال هو الإخلاص"، نعم، وأنت تعرف هذا - لو فكّرتَ - مِن نفسك؛ إذا ذهبتَ إلى السينما فرأيتَ في الفلم امرأتين: ممثلة شقراء طاغية الجمال، صارخة الفتنة، يانعة الجسم، متفجرة الشباب، وأخرى ليست بالجميلة التي تَسْبِي القلوب، فرأيتَ هذه الجميلة «تُمثّل» المَكْر والخيانة والغدر والقسوة، والأخرى تمثل الوفاء والفضيلة والرقة والإخلاص، ألا تحس أنّ جَمال الجميلة ينقص في عينك كلما أوْغَلَتْ في إجرامها، وأنّ الأخرى يزيد جمالها، حتى تبصر هذه الشقراء حَيّة بغيضة تتمنّى أنْ تتمكّن منها، فتشدّ بأصابعك على عنقها أو تصفع بكفك وجهها، وترى الأخرى آية في الجمال؟
فلِمَ كان هذا التحوّل؟ كان لأنّ الجمال كما يقول طاغور:"ليس بالأعضاء الظاهرة وحدها، ولكن بما يفيض عليها مِن نور الإخلاص" .. والمَرءُ يرى أُمّه جميلة في عينيه؛ لأنها مخلصة له، وقد تكون عجوزًا مجعّدة الوجه غائرة العينين، خدّاها حفرتان، وفَمُهَا مغارة بلا أسنان، وجسدها حطبة تلبس الثياب.
وهَبْ أنّ زوجتك ليست جميلة، فهل تُطلّقها؟
إنّ الطلاق ما شُرِع ليكون لَهْوًا ولا تسلية، ولا أُعطي الحق فيه للرجل ليستعمله بلا سبب .. فإن لم يكن طلاق المرأة لفسادٍ فيها (يتعذّر معه استمرار الزواج بها) كان الطلاق ظُلمًا للمرأة وعدوانًُا عليها .. فهل يكون قبح المرأة ذنبًا لها تستحق مِن أجله الطلاق؟ إنها ليست هي التي قبّحتْ نفسها، ولكن الذي خلقها خلقها هكذا، فإذا طلقتَها من أجله تكون قد اعترضت على الله الذي خلقها ...
= فصول اجتماعية.