صديقُ القرآنِ والأذان
في الأبواء رجالٌ لا تُعرِّفهم الألقاب، ولا تُشيِّد أسماءَهم المناصب، ولكن تُخلِّدهم السيرة الصادقة، وتُزكّيهم الأعمال الخفيّة، رجالٌ عرفوا طريق العبادة فسلكوه بهدوء، وأحبّوا القرآن فصاحبوه عمرًا، وجعلوا من الوقت أمانة، ومن الصلاة موعدًا، ومن الأخلاق عبادةً لا تقل شأنًا عن الركوع والسجود، ومن أولئك الأخيار يلوح اسم الشيخ مسلم بن عوض بن عائض المحمدي رحمه الله، المعروف بأبي دخيل الله؛ رجلٌ كانت العبادة عنوان يومه، والقرآن أنيس عمره، والأذان صوته الذي عرفه الناس، حتى غدا ذكره مقرونًا بالمسجد كما يُقرن النسيم بموطنه.
لم يكن حديثه عن القرآن حديثَ معجبٍ بفضله، بل حديثَ صاحبٍ لازمه حتى صار جزءًا من يومه، فكان لا يكاد يترك وِرده، ولا يفرّط في تلاوته، يستفتح به نهاره، ويختم به ليله، حتى عرفه من حوله بهذه الملازمة، وكأن صفحات المصحف كانت رفيقة عمره في الحل والترحال.
وكان يعمر آخر الليل بقيامه بين يدي الله، فإذا اقترب الفجر قصد منزل والده الشيخ عوض بن عائض المحمدي رحمه الله، فيلقاه وقد فرغ من صلاة القيام، فيجلسان إلى مائدة متواضعة يعدّان عليها القهوة ويتناولانها في هدوء، ثم يمضيان معًا إلى المسجد، فإذا حان وقت الفجر ارتفع أذانه يشق سكون الأسحار برفق، فيوقظ القلوب قبل أن تستجيب له الآذان، فإذا فرغ من الأذان لبث في المسجد في سكينة حتى حان وقت إقامة الصلاة، فإذا فرغ من إقامتها عاد إلى الصف، ليأخذ مكانه المألوف إلى جوار والده، خلف الإمام الشيخ حمادي بن سلوم المحمدي رحمه الله، في صحبةٍ ألفها المسجد كما ألفها البيت.
ولم يكن انتظامه في مواعيده إلا ثمرةً لذلك الانضباط الذي ربَّته عليه الصلاة، فكان يعرف للوقت قدره، فلا يُعرف عنه تأخرٌ عن موعد، ولا إخلالٌ بوعد، حتى غدت الدقة سمةً لازمت سيرته، كما لازمت الأذان في مواقيته.
وعُرف بحرصه على حقوق الناس، فلم يكن يراها أمرًا هيّنًا، بل أمانةً يسأل الله عنها، فإذا استدان سارع إلى الوفاء، وإذا وعد أوفى، وكان يرى أن العبادة لا تكتمل إلا بأداء الحقوق إلى أهلها، وأن صلاح المرء لا يقاس بكثرة صلاته فحسب، بل بما يحمله من أمانةٍ وعدلٍ وحسن معاملة.
وامتدت آثار تلك التربية إلى بيته، فغرس في أبنائه محبة القرآن، وتعظيم الصلاة، واحترام الوقت، وربّاهم على الصدق وحسن الخلق، مؤمنًا أن التربية الصالحة ليست كلمات تُقال، وإنما سيرة يراها الأبناء في كل يوم.
وكان واصلًا لرحمه، قريبًا من أهله، حاضرًا في أفراحهم وأتراحهم، يرى صلة الرحم بابًا من أبواب القرب إلى الله، فلا ينتظر مناسبةً ليصل، ولا عذرًا ليعتذر، بل كانت المودة عنده عادةً، كما كانت العبادة عادة.
ثم شاء الله أن تنقضي أيام الشيخ مسلم رحمه الله من هذه الدنيا، بعد عمرٍ عمره بالطاعة، وأحيا ساعاته بالقرآن، وملأ أوقاته بالأذان، ففقده أهله ومحِبّوه، وبقيت في الذاكرة تلك السيرة الهادئة التي لا تحتاج إلى ضجيج؛ لأنها كُتبت بالأعمال قبل الكلمات.
وامتد ذلك الخير المبارك في ابنه الشيخ سليم، الذي حمل كثيرًا من خصال والده، فظل القرآن رفيقًا له، والصلاة سبيلًا، وحسن الخلق منهجًا، وكأن الآباء الصالحين يورثون أبناءهم أعظم ميراث؛ ميراث القدوة الحسنة.
رحم الله الشيخ مسلم بن عوض بن عائض المحمدي، أبا دخيل الله، رحمةً واسعة، وجزاه عن القرآن خير الجزاء، وعن الأذان خير الجزاء، وعن أهله ومجتمعه خير ما يجزي به عبادَه الصالحين، وجعل سيرته نورًا في صحائفه، وذكره الطيب باقيًا في قلوب من عرفوه، إنه سميع مجيب.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
إمام وخطيب العيدين
في زوايا الزمن الجميل، حيث تعانق جبال الأبواء صفاء القلوب، وتروي الأرض حكايات الطهر والوقار، كانت لصوت الحق نغمةٌ يعرفها أهل القرية كما يعرفون الفجر إذا أشرق، ويأنسون لها كما يأنس المسافر لضياء المنارة.
ومن بين تلك الأصوات، علا صوتٌ خاشع، رقراق، يلامس الأرواح ويوقظ القلوب، هو صوت الإمام الوقور، الشيخ السيد محمد بن أحمد النهاري -عليه رحمة الله- إمام العيدين، وخطيب القلوب، وسراج المجالس، وعَلَم التواضع والخشوع.
في صباحات العيد، لا تُعلن الأبواء فرحتها بزينة أو ملبس، بل بطلّته المهيبة على مصلى العيد، يخطو بخطى الواثق المتجرد، وبعينين دامعتين من خشية الله.
ما إن يعتلي المنبر حتى تسكن الأصوات، وتخشع النفوس، وتُرخي الجبال سمعها، لكأنّ الملائكة تصغي لخطبته الخاشعة المنسابة من القلب، التي تمزج السرد النجدي العذب بحكمة العارفين ونبرة الخاشعين الباكين.
خطبته لم تكن كلماتٍ تُقال، بل كانت حالًا يُذاع، وحقيقةً تُحيا. كانت تُحلّق بالمصلين من تراب الدنيا إلى أفق الآخرة، يصف الجنة كأنها قريبة، ويذكر الموت كأنه على الأبواب. لا يُطيل إلا ليُوقظ، ولا يجهش إلا ليُلين قلبًا قاسيًا، أو يبعث في النفوس رجاءً لا يخبو.
كان -عليه رحمة الله- في جلسته بين الناس جمالٌ لا يُوصف… يحتوي بوقاره مئات القلوب. لا يرى نفسه فوق أحد، بل واحدًا منهم، يتنقّل بين المجالس ببسمته الصامتة، وبدعاءٍ لا يسمعه إلا من كانت له أذنٌ للقلب، لا للسمع.
أحبّه الكبير لأنه يشبه جيله، وأحبّه الصغير لأن روحه تشبه الجد الحنون. وحين يبكي وهو يخطب، تبكي الأبواء معه؛ لا حزنًا، بل توقًا إلى المعاني التي كان يغرسها، والحق الذي كان ينادي به.
رحل عنّا، وأخذ مكانه ابنُ أخيه الشيخ الدكتور السيد ناصر بن عوض النهاري، فهو على خُطى شيخنا الراحل، حافظٌ للمقام، كريمٌ في المقال، يسير على ذات النهج من صدقٍ في العبارة، وخشوعٍ في التلاوة، وحبٍّ للناس لا يُصطنع. فاستمرّ فينا الأثر، وإن تغيّر الصوت، وبقيت السيرة حيّة.
لقد رحل الشيخ السيد محمد بن أحمد النهاري، لكن صوته لم يغب؛ فما زال صداه في جبال الأبواء، وفي صباحات العيد، وفي دموع من عرفوه حقّ المعرفة. ترك لنا سيرةً لا تُختصر بخطبة، ولا تُروى في مقال، بل تُتلى في مجالس الوفاء، وتُحكى للأبناء على سبيل القدوة والحنين.
اللهم ارحمه، واشمله بعفوك، وأدخله مطمئنًا راضيًا مرضيًا في عبادك، في جنتك.
اللهم كما أودعت محبته في قلوب من عرفه، ظلّل روحه برضاك، واجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، ونعيماً في رحابك. آمين.
#صابر_المحمدي
الشيخ حمادي بن سلوم المحمدي… سِراجٌ في محراب الفارع
في قرية الأبواء وفي حي الفارع بالتحديد، حيث تسكن الطمأنينة بين الجبال، ويهطل السكون على الأرواح كمايهطل الندى على أوراق الفجر، بزغ نور رجلٍ ليس ككل الرجال… إنه الإمام الزاهد، العابد، الشيخ حمادي بن سلوم، رحمه الله.
ما إن أسمع آيةً من كتاب الله تتلى بأصوات القرّاء، على اختلاف نبراتهم وتلوينهم، حتى ينساب إلى الذاكرة صوته الندي، تلاوته السهلة الميسّرة، العذبة المطمئنة، التي تلامس شغاف القلب، وتُشبه نسيمًا عابرًا لا يحمل إلا الطهر، والسكينة، والسلام. كان جمال التلاوة عنده في بساطتها، في صدقها، في صفاء نِيَّته؛ فلا تكلّف فيها ولا تزييف، بل عفويةٌ تنبع من قلبٍ خاشع، وعينٍ دامعة، ولسانٍ يلهج بكتاب الله كأنما تنزّل عليه، يُحسن الأداء دون ادعاء، ويهزّ الأرواح دون صخب.
لم يكن الشيخ حمادي إمام مسجد وحسب، بل كان إمام خلق، وأستاذ سكينة، وساعي خيرٍ في كل درب. تراه يصلح ذات البين كما يُصلح الإمام صفوف الصلاة، يسدّ الخلل، ويقرّب القلوب، ويوأد الفتنة قبل أن تولد. كان إذا بلغته خصومة، لبِس عباءة المصلح، ومضى بقلبِ والدٍ لا يعرف الملامة، ولسانٍ لا ينطق إلا بالحكمة.
لم يسعَ لمنصب، ولم يتطلع إلى جاه، فقد كان الزهد عنده مركبًا يسير به في دروب الحياة، لا يلتفت لبريقها، ولا ينخدع بسرابها. لباسه بسيط، وهيئته وادعة، وخطاه متزنة كقلبه، يمشي بين الناس متواضعًا كأنه لا يعرف فضله، بينما القلوب كلّها تعرفه، وتدين له بالمحبة والتقدير.
لا يُضاهي تواضعه إلا ورعه، ولا يعلو على صمته إلا علمه، يبتسم للصغير، ويوقّر الكبير، ويجبر الخاطر، ويغسل بالحكمة ما علق في القلوب من شقاق. كان بحقّ، مِرآةً للقرآن في خُلقه، وكأنما تحقق فيه وصفُ النبي ﷺ: “إن من الناس مفاتيح للخير، مغاليق للشرّ.”
وحين غاب وجهه عن المحراب، لم يغب عن القلوب، بل استوطنها وبقيت نبرة صوته عالقة في الأذهان، ورائحة طِيب خُلقه عابقة في الأزقة، وسيرته تتناقلها الألسن كما تتناقل الأحاديث العطرة.
رحمك الله يا شيخ حمادي رحمةً واسعة، وبرد مضجعك، وأهطل على قبرك سحائب المغفرة، وأسكنك فسيح جناته، وجعل القرآن شفيعًا لك، وأنالك ناضر مرضاته، وجعل من بعدك من يسير على خطاك، ويكمل دربك المبارك.
#صابر_المحمدي
الشيخ
#سليمان_أبوجلّي_المحمدي
عليه رحمة الله
في زمنٍ يتباهى فيه الناس بالمناصب والمال، ويُقاس فيه الوهج ببريق الدنيا، كان #سليمان_أبوجلّي_المحمدي – رحمه الله – يزهو بصفاء قلبه، ويسمو بسكينة روحه، ويمشي بين الناس متوشّحًا بالتواضع، تسبقه هيبة السكينة، وتتلوه يدٌ لا تكلّ عن العطاء، ولو من قلة، ولا تملّ من المعروف، وإن ضاق ذات اليد.
كان مستورَ الحال، لا يملك من حطام الدنيا كثيرًا، لكنه ملك القلوب بمحياه الطيب، وسيرته العطرة، وعزّةِ نفسه التي تأبى أن تُرى في موضع حاجة. ما سأل يومًا، وما اشتكى، وما فتح للناس بابًا إلا ليعطي لا ليأخذ.
كان قويًا في المواقف، ثابتًا في المحن، صبورًا على مشقة الحياة، لا تزيده الشدائد إلا رسوخًا، ولا البساطة إلا كرمًا في الخُلق، وتواضعًا في السلوك. شجاعًا لا يخشى في الله لومة لائم، وقوي الشخصية لا يُرهبه صاحب جاه، ولا تُرهقه كثرة الخصوم.
قاضي عِرفٍ لا تلتبس عليه الأمور، ولا تستميله العواطف، ولا تحجبه القربى عن الحق. يقف بين الخصوم كالميزان، دقيق البصيرة، واسع الحلم، يُنصف دون ميل، ويَرحم دون ضعف، فكان مجلسه قبلةً للمظلوم، وسكينةً للمضطرب، ومرفأً لمن تكسّرت بهم سفن الحياة.
لم يعرف الكِبر إليه سبيلاً، ولا غيّرت مكانته طباعه، بل ظل كما هو، ابن الناس وبين الناس، ومع الناس. يواسي صغيرهم ويوقّر كبيرهم، ويمازح جليسه، ويشرع بابه للقريب والغريب، لا يسأل من تكون؟ بل يقول: ماذا تحتاج؟
قوة شخصيته كانت في سكونه، وهيبته في صدقه، وبأسه في عدله، ورفقه في موضعه. إذا حضر، حضر الاتزان، وإذا تكلم أوجز، وإذا سمع أنصت، وإذا حَكمَ عدل، وإذا وُصف لم تُوفِه الكلمات.
في الفرح، كان شريك البهجة، لا يقف على جانباً، بل يغمر الجميع بوجهٍ طلق، وكلمةٍ ندية، كأن الفرح له وحده، وكأن البسمة خُلقت في محياه.
وفي الحزن، كان أول الحاضرين وآخر المنصرفين، يمشي بثقل المواساة، وقلبه ينبض بألم الآخرين، لا يتصنع الحزن، بل يعيشه، وكأن المصاب أصابه، يواسي بصدق، ويحتضن بكلمة، ويذرف الدمع دون تكلف.
كان الحزن إذا رآه، خجل، فانسحب.
يا لها من سيرة، ويا له من فقد! لم يترك دارًا من ذهب، ولا حسابًا ممتلئًا، لكنه خلف وراءه كنوزًا من الدعاء، وآثارًا من الخير، وسيرةً يرويها المحبون، وقلوبًا لا تنساه كلما تنفس الفجر، وصدورًا تهتف: رحمك الله يا من أحببناك لذاتك، لا لما تملك.
رحمك الله يا أبا يوسف، وجعل الجنة دارك وقرارك، وجزاك عن أهلك وبلدك وأمتك خير الجزاء.
ولأنّ الرجال العظماء لا يُنسَون، والمكارم لا تنقطع بغياب أهلها، فقد تسلّم الشيخة من بعده ابنه البار الشيخ وليد – حفظه الله وأيده – فكان خير خلفٍ لخير سلف، سليل المجد، ووارث المكارم، حمل الأمانة بقلبٍ نقي، وهمّةٍ عالية، وسيرةٍ عطرة تشبه نسائم أبيه. فاستبشر به الناس كما استبشروا بأبيه، واطمأنت به القلوب كما اطمأنت بأصلها، إنه الامتداد الطيب للغرس الطيب، والوجه المشرق لأسرة عُرفت بالعطاء والوفاء، فجزاه الله خير الجزاء، ووفقه لما يحب ويرضى.
رجل الصلح والوفاق
كان الشيخ جازي بن محمد بن منير المحمدي، أحد رجالات الصلح والإصلاح الذين عُرفوا بالسعي بين الناس بالخير، وحمل هموم الخلق بقلبٍ متوكلٍ على الله، ونفسٍ مخلصةٍ للعدل، ولسان لا يقول إلا خيرًا، ويدٍ تمتد دومًا للخير قبل أن تُمدَّ إليه. لم يكن رجلًا عابرًا في الحياة، بل أثرًا يمشي على الأرض، تتّبعه القلوب قبل الأقدام، وتلتف حوله العقول قبل الأجساد.
لقد كان – رحمه الله – من أولئك القوم الذين يُذكرون في مجالس العِرف والعقل، ممن يحملون في صدورهم مواريث المروءة والنجدة، ويعرفون سلوم القبائل وأعراف الناس، ويدركون الفارق بين الخصومة والعداوة، فيجعلون من أنفسهم جسرًا يُعاد به الوئام، وتُطفأ به نيران الفتن، فإذا دخل مجلسًا خمد فيه النزاع، وإذا نطق سكن فيه الغضب، وإذا ابتسم أشرقت فيه الوجوه، كأنما يحمل في قسمات وجهه رايات الطمأنينة، وفي نبرات صوته نَفَس السلام.
كان – رحمه الله – عارفًا بالقانون، متفهمًا لأنظمة الدولة، موقنًا بأن الشريعة ميزان لا يَميل، وأن النظام ركنٌ لا يُهدم، فجمع بين حكمة الشرع، وعدالة النظام، وسلامة السلوم، فكان إذا جلس للفصل بين المتخاصمين، رأيت فيه سكينة الحكيم، وبصيرة العارف، وحنكة الشيخ، ما ورثها عن قلمٍ أو ديوان، بل عن قلبٍ نقيّ، وتجربةٍ صادقة، وعقلٍ أنضجته الأيام، فجعل الله في صدره نورًا، وفي لسانه سدادًا، وفي رأيه توفيقًا.
ويُروى – في إحدى المهام التي كُلّف بها، ونذر نفسه لها، وجعلها دينًا في عنقه – أنه خرج من داره قاصدًا إصلاحًا عظيمًا بين مجموعةٍ من المتخاصمين، قد تفرّقت كلمتهم، واشتدّ بينهم النزاع، حتى تدابر القريب، وقسى القريب، وتحوّل الوصل إلى قطيعة، والودّ إلى جفاء.
وكان معه في هذه المهمة ابنه المعلم الفاضل، الأستاذ محمد بن جازي-حفظه الله-، يحمل عن والده بعضًا من عناء الطريق، ويشاركه همَّ الإصلاح، ويمضي معه في دربٍ شاقٍّ لم يكن فيه زادٌ إلا العزيمة، ولا راحلةٌ إلا الإيمان.
قطع الشيخ الطريق على قدميه، يطوي الصحارى والسهول، ويسير على هدي نيّةٍ صادقة، حتى بلغ ديار القوم، وجمع بينهم بعد طول فرقة، وألقى من حديثه ما لانَت له القلوب، وتواضع له الكِبْر، وسكن به الغضب، وانفرجت الغمّة، وتعانقت الأرواح بعد تدابر، وكأن السلم قد نزل على موضع فتنة، فأطفأها بطيب قوله، وصفاء سريرته.
لم يكن رجلًا يحكم الناس بوجهه الطيب وهيبته الساكنة فقط، بل بحجّته، وفهمه، وعلمه، وحنكته. كان ذا فراسة في العقول، وذكاء في التقريب، يختصر المسافات بين القلوب بكلمة، ويطفئ نار الفتنة بنظرة. رجلٌ إذا حضر خمدت الخصومة، وإذا غاب بقيت ذكراه رادعًا لكل فتنة.
لقد كان للشيخ جازي حضورٌ يورث الهيبة، وصوتٌ يزرع الطمأنينة، وأسلوبٌ يجمع بين الوقار والرحمة. عاش بين الناس رفيقًا، إذا رأى دمعة جفّفها، وإذا سمع خصومة أصلحها، وإذا رأى خصمَين، أطفأ ما بينهما من نار، وأوقد بينهما شعلة صلح، لا تنطفئ.
وما من ذكرٍ له بين الناس إلا ويقترن بـ “الصلح”، وما من مجلسٍ يُروى فيه الحديث عن العقلاء، إلا وذكره أول الحاضرين، وما من مناسبة إلا ويُقال: “رحم الله من أصلح”، فيتبعها اسمه كبرهانٍ على ذلك السعي المبارك.
مضى الشيخ جازي، لكن لم تذهب شمائله، ولم تُمحَ بصماته. ظلّ اسمه في القلوب حيًّا، وفي الذاكرة حاضرًا، وفي دعاء الناس دائمًا. لم يمت من كان الخير على يديه، ولا غاب من أبقى الصلح بين الناس ذكرى تُروى.
رحم الله الشيخ جازي بن محمد بن منير المحمدي، فقد عاش مصلحًا، ورحل مذكورًا بالخير، وظلّت في قلوب الناس سيرته وذكراه.
نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، ويُبرد مضجعه، ويهمي عليه غيث المغفرة مدرارًا، ويسكنه فسيح جناته، ويجعل ما قدّمه من صلحٍ بين الناس في ميزان حسناته، وأن يناله ناضر مرضاته، ويجزيه عن ما قدّم خير الجزاء.
#الأبواء
#صابر_المحمدي
وجهُ الكرم وابتسامةُ الوقار
ما أبهى أن تُخلِّد الذاكرةُ وجهًا لا تفارقه البسمة، وما أصدق أن تُسطَّر في سجلات الوفاء سيرةُ رجلٍ عاش كبيرًا بالخلق قبل أن يكبر بالعمر. ذلك هو الشيخ قايت بن عبدالمعطي اليوبي، صورةٌ من نقاء، وظلٌّ من رحمة، ونسمةُ خيرٍ لا تنقطع؛ إذا مرّ ترك في القلوب أُنسًا، وإذا غاب أبقى فيها أثره كالطيب الذي لا يزول.
وكان أبو مقيت، رحمه الله، كالفجر إذا انبثق؛ إشراقًا في الحضور، وطمأنينةً في القلوب، وبركةً تمشي على الأرض. صفاءٌ في السريرة، وهدوءٌ في الطبع، وسماحةٌ تُرى قبل أن تُقال. وكان كريمًا في عطائه، لطيفًا في خُلُقه، متواضعًا في حضوره؛ يرى الكبير أخًا يوقّره، ويرى الصغير ابنًا يحتضنه، فكأن قلبه بيتٌ مفتوح الأبواب لكل من قصده. فالصغير يراه أبًا يحنو عليه بعطفه، والكبير يجده أخًا يبادله وفاءً بوفاء، والضيف يلقى عنده كرامةً كأنها نزلت من بيوت العرب الأُوَل.
وكان أبو مقيت، رحمه الله، بارًّا بوالديه برًّا تُضيئه الأفعال قبل الأقوال؛ يطرق بابهما صباحًا بشوق الابن الوفي، ثم لا يكتفي حتى يعود إليهما قبل أن يأوي إلى منزله، كأن قلبه لا يطمئن إلا بين دعائهما ورضاهما، وكأن رضاهما زاده، ودعاءهما سكينته، وقربهما موطن طمأنينته.
وكان يدخل ميادين الخلاف ليطفئها بسكينة روحه قبل حكمة لسانه، فيخمد نيران الخصومة بقلبٍ واسعٍ يسبق العفو فيه العتاب، وتسبق الرحمة فيه الحدّة. يقدّر الصداقة حق قدرها، ويصون العِشرة صون الجواهر، ويقف مع رفيقه وقفة الأخ الصادق، يقتسم معه ما كسب من رزق، لا منّةً ولا تفاخرًا، بل وفاءً وشراكة في المعنى قبل الشراكة في العطاء. وكان يعطي ويهب من تمور مزرعته عطاء من لا يخشى الفقر، لأن قلبه كان أغنى من أن يحسب العطاء، وأوسع من أن يضيّقه خوف الحاجة، فكأن يده امتدادٌ لكرمٍ يسكن في أعماقه لا ينفد.
أما وفاؤه فكان كالنبع الذي لا ينضب، يذكر أصحابه فيُحسن ذكراهم، ويحفظ الودّ، ولا يفرّط في العِشرة، وإن حالت الأيام بين حضوره وحضورهم، بقي ذكره قريبًا من القلوب، يتردّد في المجالس كما يتردّد العطر في المكان. فإذا تحدّث الناس عن الوفاء، تجلّت صورته في مخيّلتهم، وإذا ذكروا المروءة، ارتسم طيفه بينهم.
وكان الكرم عنده سجيةً لا تكلّف فيها، يفيض كما يفيض الغيث على الأرض العطشى. لا يُسأل فيردّ، ولا يُستغاث فيتأخّر، بل يسبق إلى العطاء سبق السحاب إلى المطر. يدخل بيته الضيف فيخرج ممتلئ القلب قبل أن يمتلئ البطن، إذ كان يُطعمه من روح البشاشة قبل أن يطعمه من زاد المائدة.
وأعجب ما بقي في الأذهان من شمائله ابتسامته التي لم تفارق محيّاه؛ ابتسامةٌ لا تُوزَن بملامح الوجه وحدها، بل بصفاء القلب الذي أطلقها. كانت نورًا يضيء عيون الصغار فيطمئنّون، وبلسمًا يداوي همَّ الكبير فيسلو، ورسالة حبّ صامتة تُقرأ في كل لقاء. بها كان يطفئ نيران الخصام، ويذيب جليد الوحشة، ويزرع الرجاء في القلوب كما يزرع الربيع زهوره في الصحراء.
ثم مضى إلى ربّه مطمئنًّا، وسكنت روحه في رحاب الرحمة، وبقيت سيرته سِفْرًا من المآثر لا يخبو أثره؛ يتردّد ما دامت المروءة تُذكَر، وما بقي في الناس وفاءٌ يُقتدى به، وكرمٌ يُروى، وابتسامةٌ لا تغلبها الأيام.
اللهم اجعل قبره روضةً من رياض الجنة، ونُزُلًا كريمًا بين الصالحين، وأبدله عن داره دارًا خيرًا، وعن أهله أهلًا خيرًا، وعن دنياه جنةً عرضها السماوات والأرض.
اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد، ونقِّه من الخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس، وارفع درجته في عليّين، واجمعه بمن أحبّ في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.
اللهم اجعل ابتسامته من بشائر رضوانك، وكرمه موصولًا في أبواب رزقك، ووفاءه شاهدًا له يوم يقوم الأشهاد، وذكراه نورًا يضيء لأهله وذريته وأحبابه ما بقي الليل والنهار.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
جلالُ الإدارةِ وبهاءُ البيان
هو العلَمُ الذي سمت به الأخلاقُ، واستقامت به السجايا، وتزيّنت بذكره الصفحاتُ، واطمأنّ بحضوره المكان؛ الأُستاذ حمودُ بنُ حمّاد المحمدي، رحمه الله رحمةً تُغدِق عليه من فيضها، وتجعل له في الصالحين ذِكرًا مؤبَّدًا لا ينقضي ولا يزول.
كان — رحمه الله — ممّن أودع الله فيهم من محاسن الخِلال ما تتفرّق نظائره في غيرهم؛ حِلمٌ إذا جرى ألان، وحزمٌ إذا حضر أقام، ورحمةٌ إذا فاضت أحيت، وهيبةٌ إذا بدت أوقرت؛ فاجتمع له من كمال الخُلُق ما فرّقته الأيام في سواه، فصار مقصودَ القلوب، ومهوى الأفئدة، تُؤنس به النفوس، وتأنس إليه الأرواح.
تولّى إدارة مدرسة ابن القيم الابتدائية بالأبواء، فنهض بها نهضةَ من جمع بين حُسن التدبير ولطف الرعاية، وتمام العناية؛ لا يُديرها بسلطان المنصب، بل بسلطان الخُلُق، ولا يُحكمها بالأمر المجرّد، بل بالقدوة التي تُرى، والأثر الذي يُلمس. فانتظمت به الشؤون انتظام العقد إذا استقام، وسمت به التربية سموّ الغصن إذا اعتدل، وغدت المدرسة في عهده مَعينَ علمٍ لا ينضب، ومَغرسَ أدبٍ لا يذبل، ومثابةَ نفوسٍ تُصان وتُهذَّب.
وكان — رحمه الله — لطلابه أبًا شفيقًا، ومربّيًا رفيقًا؛ إن أحسنوا أشرق وجهه سرورًا، وإن أخطؤوا رقّ قلبه عليهم رحمةً، لا يعاجل بالعقوبة، ولا يُقابل الخطأ بالقسوة، بل يسلك مسالك اللطف، ويأخذ بيد النفوس حتى تستقيم، وبالقلوب حتى تطمئن؛ فكم من نفسٍ أصلحها، وكم من خلقٍ قوّمه، وكم من طريقٍ سدّده.
وكان حسنَ الخطّ، بديعَ الصنعة، مُحكمَ التحرير، كأن الحروف قد دانت له طوعًا، وانتظمت بين يديه انتظامًا بديعًا لا خلل فيه؛ فخطُّه مرآةُ نفسه، ونفسُه مثالُ النظام والجمال. وكان — حين كان مديرًا للمدرسة — يُدرّس مادةَ الخط، فيجمع بين تعليم الحروف وتهذيب النفوس، حتى صار الخطّ عنده أدبًا يُغرس، قبل أن يكون مهارةً تُكتسب. وكانت أقلامُه الباركرُ الذهبيةُ تجري بين أنامله جريان الطوع بين يدي صاحبه، فتُخرج من البيان ما يَسِمُ السطورَ بهاءً، ويُكسِب المعاني رونقًا.
وله — رحمه الله — سمتٌ وقور، وطلعةٌ بهيّة، وهيبةٌ ساكنة، تسبق حضوره، وتدلّ عليه قبل أن يُرى؛ كأنّ المكان إذا أحسّ بقربه تهيّأ، وإذا حلّ فيه سكن، وإذا مرّ به أنِس، فكان حضوره طمأنينة، وهيبته محبوبة، وطلعته راحةً للنفوس.
وأما لسانُه، ففصيحٌ سليم، رصينُ العبارة، لا ينطق إلا بحكمة، ولا يقول إلا ما يُحمد؛ إن تكلّم أوجز فأبلغ، وإن سكت أفاد فأعمق، فكلامه دررٌ تُنتقى، وصمته فِكرٌ يُستصفى.
فاجتمع له — رحمه الله — حُسنُ التدبير، وجمالُ الخط، وبلاغةُ البيان؛ فكان في الإدارة ميزانًا، وفي الخط مثالًا، وفي الفصاحة عَلَمًا.
ومن مآثره الإدارية — رحمه الله — ما دلّ على سابقةِ فضلٍ، ومتانةِ رأيٍ، وحُسنِ تدبيرٍ؛ إذ كان أوّلَ من تقلّد إدارةَ متوسطة الأبواء حين استقلّت عن مدرسة ابن القيم، فأنشأها إنشاءَ من يُحسن الوضع، ويُتقن البناء، حتى استقامت قواعدُها، ورسخت دعائمُها، واستنارت بآثاره أرجاؤها. ثم تولّى إدارةَ مدرسة حمزة بن عبدالمطلب بمستورة، فقام عليها قيامَ المربّي البصير، وأدارها إدارةَ الخبير الحكيم، وأفاض عليها من محاسن أخلاقه ما زان ظاهرها، وأصلح باطنها، فجرت على يديه في نظامٍ محمود، واستقامةٍ مشهودة. وكان — إلى ذلك — من المؤسِّسين للجمعية التعاونية بالأبواء، وأوّلَ رئيسٍ لمجلس إدارتها، كما كان من المؤسِّسين لجمعية البرّ الخيرية بالأبواء، فمدّ أثره من التعليم إلى التكافل، وغرس في المجتمع معاني العطاء، حتى صار له في كل ميدانٍ أثرٌ، وفي كل بابٍ من أبواب الخير سهمٌ.
غير أنّ جماعَ أمره، ولبَّ فضله، إنما هو قلبٌ كبير، كالبحر في سعته، وكالغيث في نفعه؛ وسِع طلابه محبةً، واحتضن زملاءه مروءةً، وبسط على من حوله ظلًّا من الألفة، كأنّه سحابٌ إذا مرّ أخصب، وإذا نزل أنبت، وإذا غاب أبقى أثره حيًّا لا يزول.
ولا تزال تلك المواقف جليلةَ الأثر في القلوب؛ كلمةٌ تُقيم نفسًا، ونظرةٌ تُحيي أملًا، وموقفٌ يُنبت خلقًا… آثارٌ صغارٌ في صورها، كبارٌ في معانيها، لأنها خرجت من قلبٍ إذا أعطى أغنى، وإذا أثّر أبقى.
ثم غاب — رحمه الله — عن الأبصار، وبقي في القلوب أثرُه، وفي الدعاء ذكرُه.
رحم الله أبا محمد، رحمةً واسعةً تليق بفضله، وأجزل له المثوبة، ورفع درجته في عليين، وجعل ما قدّم من الخير نورًا في قبره، وضياءً في آخرته، وجمعنا به في دارٍ لا فراق فيها ولا انقطاع..
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
محبُّ القرآنِ والإحسان
للرجال آثارٌ تُعرَف بها مقاديرهم، وتبقى لهم من بعدهم شواهدُ تدلّ عليهم؛ فقد يغيبُ الرجلُ الصالح، وتظلّ أعماله ناطقةً بفضله، يُستدلُّ عليه بمحرابٍ عُمِر بالقرآن، أو ناشئةٍ نشأت على هديه، أو يدِ رحمةٍ امتدّت إلى ذي حاجة. وما الناسُ في نهاية الأعمار إلا ما أبقوه من أثر، وما غرسوه من خير، وما تركوه في القلوب من ذكرٍ حسنٍ ودعوةٍ صادقة.
وفي الناس رجالٌ لا يحتاج فضلهم إلى كثير قول يرفعه، ولا إلى قولٍ يبالغ في وصفه؛ لأنّ أعمالهم قائمةٌ مقام الشهادة لهم، وآثارهم تتحدّث عنهم حديثًا يغني عن كثير الثناء. فإذا ذُكروا ذُكر معهم خيرٌ نفع الناس، أو قرآنٌ تعلّمته ناشئة، أو بابُ معروفٍ فُتح للمحتاجين، فكأنّ أعمارهم لم تكن زمنًا عابرًا، بل كانت غرسًا بقي بعدهم يثمر في كل حين.
ومن الرجال الذين أبقت لهم الأعمالُ الصالحةُ ذكرًا حسنًا، وأقامت لهم في القلوب منزلةً لا تنقطع، الشيخُ عتيق الله بن عطية المحمدي رحمه الله؛ رجلٌ لم يكن ممّن يلتفتون إلى الظهور، ولا يُعنَون بكثرة الذكر، ولكنه كان من أولئك الذين آمنوا أن أعمار الرجال لا تُقاس بطولها، بل بما يودعونه فيها من خيرٍ يبقى بعدهم. فرأى أن أجلَّ ما تُعمر به الحياة كتابُ الله، وأنّ من أنبل السعي أن يُنشَّأ ناشئٌ على القرآن، أو يُجبَر محتاجٌ بيدِ رحمةٍ وإحسان.
وكان رحمه الله حسنَ السمت، هادئَ الطبع، وقورًا، لا يُعرف إلا في خيرٍ يقصده، أو معروفٍ يسعى إليه، قد صرف همّه إلى ما ينفع الناس وتبقى مغبّتُه.
فتولّى رئاسة جمعية تحفيظ القرآن الكريم بمحافظة رابغ، فحسن قيامه بشأنها، وبذل من العناية بحلقات التحفيظ، وتشجيع الناشئة على حفظ كتاب الله وتعظيمه، ما ترك أثرًا طيبًا في أجيالٍ تعاقبت على القرآن حفظًا وتلاوةً وفهمًا. ولقيت الجمعية في مسيرتها عنايةً ودعمًا كريمًا من سعادة الشيخ محمد بركة بن مبيريك، محافظ رابغ سابقًا، ممّا أعان على توطيد رسالتها، وتوسيع أثرها في خدمة كتاب الله وأهله، وهو من جميل ما يُذكر لأهل الفضل في مؤازرة أعمال الخير.
كما كانت للشيخ عتيق الله رحمه الله عنايةٌ بأعمال البر والإحسان، وإسهامٌ محمودٌ مع مجموعةٍ من أهل الفضل والخير من أهل الأبواء في تأسيس جمعية البر الخيرية بالأبواء، رغبةً في نفع المحتاجين، والإعانة على مصالح الناس، وترسيخًا لمعاني التكافل والرحمة بين أهلها.
وتولّى إدارة مدرسة تحفيظ القرآن الكريم الابتدائية بمحافظة رابغ، فكان فيها مربّيًا قبل أن يكون مديرًا، يعرف أن النفوس الصغيرة لا تُؤخذ بالشدّة وحدها، بل بالمحبّة والقدوة، فقرّب طلابه إليه، وغرس فيهم تعظيم القرآن، وأخذهم بالأدب والسكينة وحسن السمت.
وكان إمامًا لمسجد غيث بمحافظة رابغ، كما خطب الجمعة في عددٍ من جوامع المحافظة، فعُرف بخشوع القراءة، وصدق العبارة، وحسن الإلقاء، فإذا اعتلى المنبر خرج كلامه هادئًا، صادقًا، كأنما يخرج من قلبٍ قد صفا مما يشغله إلا النصح. وكانت له في صلاة التراويح قراءةٌ محبّبة إلى النفوس؛ قراءةٌ خاشعة، ونبرةٌ ندية، وإقبالٌ على القرآن يشفّ عن صدق صلته بكتاب الله.
ثم مضى رحمه الله إلى ربّه، بعد عمرٍ ملأه بما أبقى أثره، وأحسن ذكره، من خدمةٍ للقرآن، وسعيٍ في المعروف، وعنايةٍ بما ينفع الناس. غير أنّ أمثال هؤلاء لا تنقطع آثارهم برحيلهم؛ إذ يبقى لهم في الناس نصيبٌ من الذكر الجميل، وفي القلوب موضعٌ من الدعاء، وفي أعمال الخير أثرٌ لا يزول؛ في حافظٍ لكتاب الله تعلّم، أو محتاجٍ أُعين، أو نفسٍ اهتدت إلى خيرٍ كانوا سببًا فيه.
رحم الله أبا خالد، الشيخ عتيق الله بن عطية المحمدي، رحمةً واسعة، وجعل ما قدّمه من خدمة القرآن والإحسان إلى الخلق في موازين حسناته، وأبقى له الذكر الحسن في عباده الصالحين، ونفع بسيرته كما نفع بعمله.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
رجلٌ تألفه القلوب
في الأبواء رجالٌ تأنس النفوس بذكرهم، فإذا جرى اسمُ أحدهم في مجلسٍ تداعت إلى الذاكرة صورٌ جميلةٌ من الأيام، وأقبلت القلوب على حديثه في أُنسٍ ومودّة، كأنّ الذكرى تُخرج من طوايا العمر رائحةَ مجلسٍ قديم، أو صورةَ وجهٍ بشوشٍ لم تعبث به الأيام في الذاكرة.
ومن هؤلاء الذين يطيب للناس ذكرُهم الأستاذ عاتق بن حاسن بن عبدالمحسن بن سلوم المحمدي، رحمه الله؛ فقد اجتمع له خُلُقُ المعلّم، وإحساسُ الشاعر، وبشاشةُ الصاحب. لذلك لم يكن ذكرُه يمرّ في المجالس مرورَ الأسماء، بل مرورَ المعاني التي تترك في النفوس أثرًا من الأُنس والتقدير. فإذا ذُكر جرى الحديث عنه في أُنسٍ ومودّة، واستعاد الناس ما عرفوه فيه من طيب الخلق وحسن المعشر، لما غرسه في النفوس من جميل الأثر، وموضعِ وُدٍّ لا تناله الأيّام.
لم يكن معلّمًا فحسب، بل كان قدوةً هادئةً في خُلُقه وسلوكه، يعلّم بعلمه، ويؤثّر بحسن سمته، ويترك في النفوس أثرًا يتجاوز حدود الفصل الدراسي. يفتح للأذهان أبواب المعرفة، وللنفوس أبواب الأدب، فأحبّه تلاميذه محبّةً لا يصطنعها تكلّف، ولا تستجلبها هيبةُ المنصب، بل تنبت من ذلك القبول الذي يودعه الله في بعض الأرواح؛ فإذا هي محبوبةٌ وإن صمتت، مألوفةٌ وإن غابت.
وكان للأستاذ عاتق عنايةٌ بالخطّ العربي، ولا سيما النسخ والرقعة؛ يكتب كتابةً تنمّ عن ذوقٍ رفيع وإتقانٍ ظاهر، حتى لتبدو الحروف على يديه في أجمل هيئة، متناسقةَ الرسم، محكمةَ البناء. فلا ترى في كتابته اضطرابًا في سطر، ولا عثرةً في رسم، بل نظامًا يشبه اتّساق نفسه وهدوء طبعه.
وأخلاقُ الرجل كانت من ذلك الطراز الذي لا يكثر في الناس؛ تواضعٌ لا يعرف التكلّف، وبِشرٌ لا يفارق المحيّا، وابتسامةٌ كأنّها لغةٌ أخرى يفهم بها القلوب قبل الألسنة. وكان محبوبًا بين أهالي الأبواء، لا لأنّه طلب المحبّة يومًا، ولكن لأنّ النفوس السليمة تهتدي إلى أمثال هؤلاء كما تهتدي الطيور إلى مواطن الماء.
ثم إنّ للرجل في الشعر شأنًا لا يُغفل؛ فقد كان شاعرًا مطبوعًا، تخرج المعاني من خاطره رخيةً عذبة، كأنّها لم تُصنع صنعًا، ولم تُستكره استكراهًا. ونظمُه يجري على سجيّةٍ صافية، فيه رقّةُ الإحساس، وعذوبةُ العبارة، وصفاءُ الذوق.
رحم الله أبا شادي الأستاذ عاتق بن حاسن المحمدي رحمةً واسعة. لقد عاش بين الناس كما أحبّ أن يعيش: قريبًا من القلوب، مألوفًا في المجالس، جميلَ الأثر في النفوس. وحين يُذكر اليوم لا تستحضر الذاكرة اسمًا فحسب، بل تستحضر خُلُقًا وبشاشةً ومواقفَ وُدٍّ لا تزال حيّةً في نفوس أصحابها. وتلك نعمةٌ لا ينالها المرء بمالٍ ولا جاه، وإنما يمنحها الله لمن أحسن إلى الناس فأحسنوا حفظه في قلوبهم
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
حين يكون المعلّم مدرسةً
للعلم رجالٌ يتركون أثرهم في العقول قبل الدفاتر، وفي الأخلاق قبل الشهادات، فإذا جرى ذكرهم لم نستحضر أسماءهم وحدها، بل عادت معهم سنواتٌ كاملة من العمر؛ بما فيها من براءة البدايات، وشوق التعلّم، ووجوه الزملاء، وهيبة المعلّم، والذكريات التي لا يبهت لونها مهما تعاقبت السنون. ومن أولئك الذين ارتبطت أسماؤهم في نفوس أبناء الأبواء بالعلم والتربية الأستاذ الفاضل حمدي بن حمادي بن سلوم المحمدي رحمه الله، الذي أمضى سنواتٍ من عمره معلِّمًا في مدرسة ابن القيم الابتدائية بالأبواء، وانفضّت تلك الصفوف منذ أعوام، وما زال كثيرٌ من طلابها يذكرون معلّمهم بكل محبة وامتنان.
إذا وقف في فصله بدأ حديثه في هدوء، ثم أخذ يقرّب المعنى إلى طلابه بأسلوبٍ واضح، فلا يضيق بسؤال، ولا يمل من إعادة البيان، حتى تتكشف الفكرة في الأذهان، فإذا تناول التاريخ ربط الأحداث بأسبابها ونتائجها، وإذا شرح الجغرافيا وصل بين الخرائط وواقعها، وربط أسماء البلدان والجبال والبحار بما يعين على فهمها واستقرارها في الذاكرة، حتى يخرج الطالب من الدرس وقد ازداد فهمًا، لا حفظًا فحسب.
أما العربية، فقد كانت رفيقة حديثه ودروسه، وقد تولّى تدريسها زمنًا، فازدادت صلته بها رسوخًا، يحفظ من الشعر ما يروق لفظًا ومعنى، ويستشهد به في موضعه، ويقف عند الإعراب وقفة المتمكن، ويضبط الألفاظ ضبطًا دقيقًا، ولم يكن يقف بطلابه عند حدود المقرر؛ بل كان يفتح لهم أبوابًا أخرى، فيذكر كتابًا نافعًا، أو شاعرًا مجيدًا، أو حادثةً تاريخية، فيخرج الطالب من حصته وقد حمل سؤالًا جديدًا، أو رغبةً في كتاب، أو شوقًا إلى معرفةٍ تمتد إلى ما وراء صفحات المقرر.
وكان له مع القرآن صحبةٌ لا تنقطع؛ لا يكاد يترك ورده اليومي من كتاب الله. وكانت إذاعة القرآن الكريم رفيقة يومه، يأنس بتلاوتها، ويجد في آياتها سكينةً تملأ قلبه، حتى غدت جزءًا من عاداته التي عرفه بها من خالطه، ولم يكن ذلك مما يتحدث به، وإنما سلوكٌ هادئ لازم حياته، فانعكس على سمته، وهدوء طبعه، ولين جانبه، وحسن معاملته للناس.
ولم يكن أثره في طلابه ثمرة شرحه وحده؛ فقد كانت أخلاقه تسير إلى جانب علمه. ربّى بهدوئه قبل حديثه، وبابتسامته قبل نصيحته، وبحسن معاملته قبل توجيهه. عرفه طلابه هادئ الطبع، حسن المعاملة، عادلًا في تعامله، قريبًا من النفوس، يوجّه برفق، ويغرس القيم بسلوكه قبل كلماته، فكانت أخلاقه درسًا لا يقل أثرًا عن الدروس التي ألقاها.
وخارج أسوار المدرسة، عُرف أبو حسني وفيًّا في صداقته، حافظًا للود، جميل العشرة، متواضعًا قريبًا من الناس. عرف للصحبة حقها، وللمودة قدرها، وكانت الزيارة عنده لغةً من لغات الوفاء؛ يصل بها من يحب، ويؤنس بها من يزور، ويجدد بها عهود المودة. فلا تكلف في مجلسه، ولا تصنع في حديثه، وإنما وجهٌ بشوش، وكلمةٌ رقيقة، وتواضعٌ يرفع صاحبه في القلوب قبل المجالس.
لهذا لم يكن حضوره في ذاكرة طلابه وأصحابه مرتبطًا بحصةٍ دراسية، أو مجلسٍ عابر، بل بصورة إنسانٍ أحبوه لخلقه كما أحبوه لعلمه. فإذا اجتمع بعضهم، أو دار الحديث عن مدرسة ابن القيم الابتدائية بالأبواء، عاد اسمه حاضرًا بينهم، وكأن المجلس لا يكتمل حتى يكون له فيه ذكر؛ يبتسمون وهم يستعيدون أيامًا جمعتهم به، ويتحدثون عن هدوئه، ولطف عبارته، وحسن استقباله لطلابه، ثم يمضي الحديث، ويبقى اسمه آخر ما يغادر المجلس. ومهما تباعدت الأيام، وتعاقبت السنون، بقيت صورته في القلوب على صفائها الأول؛ فلم تستطع السنون أن تبهت ذكره، ولا أن تنزع من النفوس تلك المودة الصادقة التي غرسها بحسن خلقه، ولطف معاملته، وتواضعه الذي عُرف به.
وأجمل ما يتركه الإنسان بعده ذكرٌ يبتسم له الناس كلما ذُكر، ويدعون له كلما مر اسمه على ألسنتهم. ظل الأستاذ حمدي حاضرًا في الدعوات، وفي الأحاديث، وفي الذكريات الجميلة التي يأنس بها من عرفوه، حتى غدا ذكره بابًا يُفتح على زمنٍ يحن إليه أصحابه كلما أقبل الحديث عن أيام الدراسة.
رحم الله أستاذنا الجليل أبا حسني رحمةً واسعة، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، وجعل ما علّمه من علم، وما ربّى عليه من أخلاق، وما غرسه من قيم، وما حفظه من ود، في موازين حسناته.
اللهم أفض عليه من واسع رحمتك، واجعل القرآن العظيم شفيعًا له، واجعل ما تركه في نفوس طلابه ومحبيه نورًا يجري له أجره، وارفع درجته في عليين، واجمعه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأكرم نزله في جنات النعيم، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
على سجيّة المروءة
للمروءة وجوهٌ كثيرة؛ فقد تراها في كلمةٍ طيبة، أو في يدٍ تمتد بالعون، أو في وفاءٍ لا يتغير، أو في برٍّ لا يعرف الملل. وهي لا تصنعها المجالس، ولا تكسوها المناصب، وإنما تنبت في النفس حتى تغدو طبعًا لا يفارق صاحبها. ومن الرجال الذين تمشي المروءة في أخلاقهم الأستاذ عبيدالله بن عطية المحمدي؛ فهي حاضرة في برِّه، ولين جانبه، وصدق معاملته، وحسن عشرته، حتى غدت عنوانًا يعرفه الناس به.
ومن الخصال التي عُرف بها برُّه بوالدته رحمها الله. كان البر عنده سلوكًا يعيشه، لا حديثًا يردده، يرى في رضاها سعةً في الحياة، وفي خدمتها قربةً يتقرب بها إلى الله. يحرص على صحبتها، ويأنس بقربها، ويؤدي حقها بمحبةٍ ورضًا، حتى صار ذلك مما يذكره عنه من عرفه وعاشره. وما كان هذا الخلق طارئًا عليه، بل سجيةً نشأ عليها، واستقرت في نفسه، فظهر أثرها في معاملته، ورقته، ورحمته. وفي البر تظهر معادن النفوس؛ لأنه خلقٌ لا يثبت عليه إلا من امتلأ قلبه وفاءً ورحمة.
هيّنٌ ليّن، يلقى الناس بوجهٍ طلق، وحديثٍ هادئ. لا تعرف الغلظة إلى لفظه سبيلًا، ولا الجفاء إلى معاملته طريقًا. فإذا جلس إلى الناس شعروا براحة حديثه، وحسن أدبه، ولطف معشره. يحترم الكبير، ويعطف على الصغير، ويعامل كل إنسان بما يحب أن يعامله الناس به. ولم يكن يرى للأخلاق موضعًا أصدق من الحياة اليومية، حيث يظهر الإنسان على سجيته، بعيدًا عن التكلف والتصنع.
ولم يكن التواضع عنده خلقًا يتزين به أمام الناس، بل كان جزءًا من طبيعته. عاش بسيطًا في حديثه، ومجلسه، ومعاملته، قريبًا ممن يجالسه، يألف ويؤلف، ويأنس بالناس كما يأنسون به. فلا يشعر جليسه بحاجزٍ بينه وبينه، ولا يجد في حديثه ما يثقل النفس أو يوقعها في الحرج. وكانت هذه البساطة تزيده قبولًا، وتجعل مودته تستقر في القلوب في هدوء، كما تستقر الأشياء الجميلة التي لا تحتاج إلى إعلان.
ثم مضى إلى ميدان التعليم، لا يراه وظيفةً يقتات منها، بل رسالةً يؤديها، وأمانةً يسأل الله أن يعينه على حملها. عمل معلمًا للرياضيات بعد تخرجه في مركز العلوم والرياضيات بمكة المكرمة، فجمع بين دقة العلم، ورحابة الخلق، فلم يكن يقتصر على شرح المسائل، بل كان يربي النفوس، ويغرس الأدب كما يغرس العلم. ولهذا بقي أثره في نفوس من تعلموا على يديه، لأن الدرس ينتهي بانتهاء الحصة، أما الخلق الحسن فيبقى ما بقيت الذكريات.
وكان من الرجال الذين يحفظون الود كما يحفظ الأمناء الودائع؛ فلا ينسى صاحبًا أحسن إليه، ولا يتنكر لمعروفٍ قُدِّم له، ولا يجعل تغير الأيام سببًا لتغير القلوب. فإذا أحبَّ إنسانًا دام على محبته، وإذا وعد وفّى، وإذا حمل أمانةً أدّاها، حتى صار الوفاء فيه خلقًا يُعرف به قبل أن يُذكر.
هكذا مضت أيامه؛ يؤدي ما عليه، ويؤثر العمل على الحديث عنه، ويترك للأيام أن تشهد له بما قدم. لم يكن يلتفت إلى الشهرة، ولا يشغل نفسه بأن يذكره الناس، وإنما شغله أن يؤدي واجبه، وأن يلقى الناس بخلقٍ حسن. ومضى في هدوء، وبقي أثره في القلوب، وذكره على الألسنة مقرونًا بالمحبة والدعاء؛ فالسيرة الطيبة لا تحتاج إلى من يذيعها، وإنما تبلغ النفوس بصدق صاحبها وحسن عمله.
رحم الله الأستاذ عبيدالله بن عطية المحمدي، فقد انقضت أيامه، وبقي جميل أثره، وحسن سيرته، في نفوس من عرفوه وأحبوه.
اللهم ارحم أبا ياسر الأستاذ عبيدالله بن عطية المحمدي رحمةً واسعة، واغمره بعفوك ورضوانك، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة. اللهم اجعل علمه النافع، وخلقه الكريم، وأثره الطيب بين الناس، نورًا له في قبره، وزيادةً في حسناته، واجمعه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، واخلفه في أهله ومحبيه بخير، إنك أرحم الراحمين.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
أذانٌ يملأ الوادي ومعلّمٌ يملأ القلب
لم يكن الأذان في حيّ الفارع بالأبواء مجرّد صوتٍ يعلو من مئذنة، ثم ينقضي أثره بانقضاء صداه، بل كان نداءً يأخذ بمجامع القلوب، ويوقظ في النفوس معنى السكينة والإقبال. فإذا ارتفع صوت أستاذنا الشيخ محمد بن عوض المحمدي رحمه الله خُيِّل إلى السامع أنّ للوادي إصغاءً، وللجبال تجاوبًا، وأنّ النسيم نفسه قد أبطأ خطوه؛ ليحمل ذلك النداء إلى البيوت والقلوب.
كان أذانه بمقام الحجاز أذانًا له مهابةُ القرار وعذوبةُ الارتفاع، يبدأ من عمقٍ مطمئنٍ كأنّه خارجٌ من سكينة الأرض، ثم يأخذ في الصعود شيئًا فشيئًا، كما يتكشّف الصبح عن وجهه الهادئ. فإذا قال: الله أكبر، أحسست أنّ للمكان وقارًا جديدًا، وأنّ القلب قد خفّت عنه أثقال الدنيا قليلًا، وإذا قال: حيّ على الصلاة، جرت في صوته رِقّةٌ آسرة، كأنّه لا ينادي الأقدام إلى المسجد فحسب، بل يدعو الأرواح إلى مقامٍ من الطمأنينة لا يُدرَك إلا بالقرب من الله.
وكان إذا أمَّ الناس في الصلاة، سَمِعتَ في تلاوته اجتماعَ الخشوع وحسن الأداء؛ فلا تكلّف في النبرة، ولا تصنّع في القراءة، ولكن صوتٌ خرج من قلبٍ امتلأ إيمانًا، فوقع في القلوب موقع القبول. إن مرّ بآية رحمةٍ لان صوته حتى كأنّ الرحمة تُتلى مع الآية، وإن مرّ بآية وعيدٍ استقرّ القرار في نبرته استقرارًا يبعث الهيبة في النفوس. وكان لصوته من الطمأنينة ما يجعل المرء يخرج من الصلاة وفي قلبه شيءٌ من السكون الذي لا تُفسّره الكلمات.
وفي مدرسة ابن القيم الابتدائية بالأبواء، كان هو أستاذنا في الصفّ الأوّل الابتدائي؛ وهناك بدأت صورةٌ أخرى من صور أثره الجميل. دخلنا عليه ونحن في أعمارٍ غضّة، تتقدّمنا رهبةُ المدرسة الأولى، وتخالط قلوبنا دهشةُ البدايات. فما لبث أن بدّد بلطفه ما استقرّ في نفوس الصغار من خوف، وجعل المدرسة مكانًا تألفه الأرواح قبل أن تألفه الأقدام.
لم يكن يعلّمنا الحروف تعليمًا جافًّا، ولا يعاملنا معاملةَ من يؤدّي وظيفةً تنتهي بانتهاء اليوم الدراسي، بل كان يأخذ بأيدينا إلى المعرفة برفقٍ وصبر، ويغرس فينا من حسن الخلق قبل العلم، ومن محبّة المدرسة قبل الدرس. فكم من قلبٍ صغيرٍ فتحه بكلمةٍ طيّبة، وكم من رهبةٍ أزالها بابتسامةٍ صادقة، حتى غدت المدرسة في شعورنا، امتدادًا لطمأنينة البيت.
وأشهدُ وحقٌّ للتلميذ أن يشهد لمعلّمه بالفضل أنّه كان أوّل من أصغى إلى صوتي بعين المعلّم وفراسة المربّي؛ فاستخرج من تلميذه نبرةً رآها أهلًا لأن تُسمَع، وقدّمني إلى الإذاعة المدرسية، وفتح لي من أبواب الكلمة والإلقاء ما لم أكن أتصوّره يومئذٍ. ووضع يدي على الميكروفون للمرة الأولى، لا على سبيل التجربة العابرة، ولكن كأنّه يضعها على عتبة طريقٍ سيمتدّ بفضل الله حتى يبلغ إذاعة جدة وإذاعة صوت العرب بالقاهرة. وما كانت تلك الثقة خاطرًا يمرّ، بل كانت من البدايات المباركات التي تُعين المرءَ على أن يهتدي إلى بعض ما أودع الله فيه من موهبةٍ وميل.
رحل أستاذنا عن دنيا الناس، غير أنّ بعض الناس لا يرحلون كاملين؛ لأنّ آثارهم تبقى شاهدةً عليهم. وما زال صدى أذانه في ذاكرة من عرفوه يجري في مسالك الحنين، وما زالت صورته في الصفّ الأوّل حاضرةً في نفوس تلاميذه؛ ذلك المعلّم الذي جمع الله له بين هداية الصوت في المئذنة، وهداية الكلمة في الفصل.
رحم الله أبا موسى الشيخ محمد بن عوض المحمدي رحمةً واسعة، وجعل ما علّم وغرس، وما أذّن وقرأ، في موازين حسناته، وأبقى له الذكر الجميل في قلوب من عرفوا فضله، فما أجمل أثر المعلّم إذا اقترن بالخلق، وما أبقى صوت المؤذّن إذا خرج من قلبٍ عامرٍ بالإيمان.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
رجلٌ من أهل الخير
في الأبواء رجالٌ عُرفوا بالخير، واشتهروا بالمروءة، وبقي ذكرهم متداولًا لما عُرف عنهم من صدق السيرة وحسن الأثر، وإذا غابوا حضرت آثارهم صفاءً وطمأنينة. وكان الشيخ عوض الله بن سعد بن شريقي المحمدي رحمه الله من أولئك الذين اجتمعت فيهم خصال الكرم، وحسن العبادة، وسلامة القصد، فكان معروفًا بين أهله وجيرانه بما جُبل عليه من الإحسان وبذل المعروف.
كان رحمه الله كريمَ السجية، سخيَّ السريرة، واسعَ العطاء، قد سخّر الله له من الرزق ما جعله سببًا للخير، ومجالًا للإحسان. وكانت له مزرعةٌ عامرة، ينتفع الناس بثمارها وخيراتها، وقطيع من البقر، فانتفع الناس بثمرها، وشربوا من ألبانها، وأكلوا من لحومها، وكان قِرى الضيف عنده حاضرًا غير متكلّف، والسمن واللبن لا ينقطعان عن بيته.
وكان رزقه واسعَ الأفق، فيّاضَ البركة، لا يُحبَس عنده، ولا يُكدَّس في خزائنه، بل يجري إلى الناس جريان الغيث، كلما أُخذ منه زاد، وكلما أُعطي بورك فيه، حتى صار ما في يده معروفًا، وما يخرج منها مألوفًا، لا يُستغرب ولا يُستثقل.
وكان رحمه الله مضيافًا بطبعه، يرى في إكرام الضيف حقًا لازمًا، وفي القيام به شرفًا لا يُفرّط فيه. فبيته مقصد، ومائدته مأوى، لا يُردّ فيه قاصد، ولا يُخيّب فيه آمل، وكان يُكرم ضيفه بطيب النفس قبل طيب الطعام، وبحسن اللقاء قبل كثرة الزاد.
وأما عبادته، فكانت معروفة بالمواظبة والصدق. كان حريصًا على الصلاة في المسجد، ملازمًا للجماعة ما استطاع، شديد العناية بصلاة الفجر خاصة، لا يمنعه مرض، ولا يثنيه مطر، ولا يرده برد. وكان إذا خرج إلى المسجد رفع صوته بالتهليل والتكبير، فيوقظ الجيران، ويبعث الهمة في النفوس، ويذكّر الغافلين بفضل الوقت، لا رياءً ولا تصنّعًا، وإنما محبةً للخير، وحرصًا على الجماعة.
وقد جمع رحمه الله بين حسن العبادة وصدق المعاملة، وبين كرم اليد وسلامة الصدر، فكان موضع احترام من عرفه، ومحل تقدير من خالطه، لما اتصف به من لين الجانب، وحسن الخلق، والبعد عن التكلف.
رحمه الله رحمةً واسعة، وغفر له، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وجزاه عن إحسانه خير الجزاء.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
صمت وحكمة
في الناس رجالٌ لا تُعرّفهم العناوين، بل تُعرّفهم القلوب حين تذكرهم؛ يمرّون هادئين كما تمرّ النسمة على صفحة الماء، لا تُحدِث شقًّا، ولكنها تترك في صفائه أثرًا لا يُنسى.
هؤلاء لا يرفعون أصواتهم ليُرى حضورهم، ولا يستعيرون من الصخب ما يلفت الأنظار؛ لأنهم يعرفون أن الحضور الحقيقي ينبع من الداخل، حيث تسكن النيّة الصادقة، لا من الخارج حيث ترتفع الأصوات وتسقط.
وهكذا كان الشاعر عطية الله بن سالم أبو طلب المحمدي — رحمه الله —؛ هدوءٌ يمشي إلى القلوب قبل أن تراه العيون، وحضورٌ يُعرَف بالأثر لا بالصوت.
كان صمته دفئًا، لا برودًا؛
وهدوؤه أنسًا، لا انسحابًا.
إذا جلس، شعر الجالسون أن الحديث نفسه صار ألطف،
وأن المجلس اكتسب وقارًا لا يُرى، ولكن يُحَسّ كما تُحَسّ السكينة حين تزور القلب فجأة.
نشأ شاعرًا قبل أن يكتب الشعر؛ فالشعر في أصله رحمةٌ بالناس، ووفاءٌ لا ينتظر الشكر، وبصيرةٌ ترى الجمال في البساطة كما تراه في البهاء.
كان يزن العلاقات بميزان لا يخطئ، ميزان القلوب التي تتذكّر المعروف، وتحفظ العِشرة، وتعرف أن الإنسان لا يُقاس بما يأخذ، بل بما يعطي.
وكان من خُلُقه أن يَرقّ لما يتصدّع بين القلوب.
إذا سمع بخلاف، جاءه على أطراف الرفق؛ لا يُكثر العتاب، ولا يرفع الصوت،
بل يفتح للكلمة بابها، ويترك للسكينة أن تُكمل ما بدأته الحكمة.
كم من نارٍ خفيّةٍ خمدت
حين جلس إلى أطراف الخلاف، فسمع قبل أن يتكلّم، وجمع القلوب قبل أن يجمع الكلمات، وكم من قلوبٍ متباعدةٍ تقاربت
لأنه عرف موضع الجرح، فأصاب موضع الدواء، حتى بدا أن اللقاء لم يكن ينتظر كلمةً رفيقة فحسب، بل رجلًا يُحسن الإصغاء، ويعرف متى يقول، ومتى يكون الصمت أبلغ من القول.
الصمت عند هؤلاء حكمة وبلاغ؛
يبلغ القلوب من غير صوت،
ويُقيم المعنى حيث تعجز الكلمات.
وهكذا كان أبو الحسن، خفيف الحضور على الناس،
عميق الأثر في نفوسهم؛ لا يملأ المكان بصوته، ولكنه يترك في القلوب مقامًا لا يُنسى.
يمشي في الحياة على مهل،
كأن الطريق يتعلّم من خطواته الصبر.
وأما شعره، فلم يكن زينة مجالس، ولا صدى فراغ؛ بل همسًا يجيء من الداخل، فتُصغي له النفوس.
هو شاعر الكسرة التي تبحث عنها الروح لتطمئن، وشاعر العرضة التي تجعل الكلمة قوةً أخلاقية، تنهض النفوس،
وتبقى على جلالها بلا صخب.
وكان بعيد النظر؛ يرى العواقب قبل أن تتشكّل، ويعرف أن الحكمة لا تُورث بالعمر وحده، بل بالصبر على التجارب.
لذلك كانت كلمته تشبه نصيحة أبٍ يحب؛ تدلّ، ولا تدفع، وتقنع، ولا تُكره.
ثم جاء الغياب…
ذلك الضيف الذي لا يستأذن،
غير أنه — حين يزور بعض الناس — لا يُطفئ حضورهم، بل يوقظه في الذاكرة.
رحل أبو الحسن وهو صائم،
فبدت الخاتمة امتدادًا للبداية، طهارةٌ في السريرة، وسكينةٌ في الطريق إلى الله.
ولم يطوِ الغياب الذكرى؛ بل كشفها، كما يُكشف الغطاء عن كنزٍ قديم.
كان حضوره يمشي في الأشياء بهدوء، حتى بدا — مع الزمن — أن الهدوء نفسه شريعةٌ تهتدي بها القلوب.
لم يكن أثره كلماتٍ تُروى،
بل خُلُقًا — إذا ذُكر اسمه —
وقف الناس في قلوبهم احترامًا.
وبقي الشعر شهادةً لا تحتاج إلى تصديق.
رحمه الله رحمةً تُحيط بما قدّم، وتبلُغ ما لم نعلم من خبيئة عمله.
لقد عاش — كما تعيش الحكمة — قليلَ القول، عميقَ الدلالة،
وترك وراءه نورًا لا ينطفئ بمن غاب، لأنه من نور ما عند الله.
اللهم اغفر لأبي الحسن وارحمه، واجعل قبره روضةً من رياض جنتك، وارفع درجته في عليين، واجعل أثره الطيب شفيعًا له،
وأنزل على قلوب أهله وأحبته
سكينةً وطمأنينة —
إنك سميع قريب مجيب.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
حكيمٌ يمازح، ورفيقٌ لا يُمَلّ
ليس كلُّ صوتٍ يُسمَع، ولا كلُّ كلمةٍ تُقال، ولا كلُّ حضورٍ يُرى؛ فثمّة رجالٌ إذا دخلوا المعنى دخل معهم، وإذا جلسوا إلى المجلس جلس الاتّزان، وإذا مضوا بقي الأثر شاهدًا لا يحتاج إلى بيان.
هؤلاء لا تُعرِّفهم الألقاب، ولا ترفعهم المقارنات، وإنما يدلّ عليهم ما يخلّفونه في القلوب من طمأنينة، وفي العقول من ميزان، وفي المجالس من سكينة. ومن هؤلاء الشيخ أحمد بن سالم أبو طلب المحمدي، رحمه الله؛ حضورُه معنى، وذكرُه استقرار، لا مجرّد اسمٍ يتردّد.
حكيمٌ يمازح، ورفيقٌ لا يُمَلّ؛ وليس كلُّ من عُرف استحقّ الذِّكر، ولا كلُّ من كَثُر حديثه دام أثره، ولكنّ الرجال يُوزنون بما يتركونه بعدهم، لا بما يُقال عنهم في حضورهم.
كان رحمه فصلًا من كتاب الرجال، كُتب بالصدق قبل الحروف، وبالسيرة قبل العبارة. لم يزدَه القول حُسنًا، ولم يُنقِصه الصمت قدرًا، لأن معناه كان قائمًا بنفسه.
كان أبو حمدي حكيمًا على سجيّته.
لا يتصنّع للحكمة مجلسًا، ولا يتخذ لها هيئة. إذا تكلّم أصاب موضع الكلام، وإذا سكت دلّ سكوتُه على عقلٍ يعمل في صمت. لا تُعجِلُه الأمور، ولا تستفزّه الظواهر، يعرف من الناس طباعهم قبل أقوالهم، ومن المواقف مآلاتها قبل وقوعها. وفيه فطنةٌ لا تعرف الالتواء، وبصيرةٌ لا تحتاج إلى مراوغة؛ يرى الأمر كما هو، لا كما يُراد له أن يُرى، ويعرف متى يكون القول حقًّا، ومتى يكون السكوت أمانة.
وكان مجلسه مجلس معنى، لا مجلس ضجيج؛ يُمازح فلا يبتذل، ويضحك فلا يستخفّ، ويقصّ الحديث قصَّ الحكيم، يضع اللفظة حيث ينبغي، ويرفعها حيث يجب، ويكفّها حيث يحسن الكفّ. من جالسه خرج وهو يشعر أنّ الوقت لم يُهدر، وأنّ الكلام أدّى وظيفته، وأنّ الألفة جاءت من غير افتعال.
عرفه أهلُ الأبواء، وعرفه سواهم، معرفةَ المعاشرة لا الوصف، والقرب لا الادّعاء. لم يحتج إلى أن يُعرّف بنفسه، لأن حضوره كان تعريفًا، ولم يحتج إلى أن يُشاد به، لأن أثره كان كافيًا في الدلالة عليه. قريبٌ من الصغير بلا تصنّع، مألوفٌ عند الكبير بلا تكلّف، لا يحجب نفسه بهيبةٍ مصطنعة، ولا يبتذل وقاره بمخالطةٍ فارغة.
ولم يكن حضوره في الخصومات حضورَ شاهدٍ محايد فحسب، بل حضورَ مصلحٍ عاقل؛ يدخل بين القلوب قبل أن يدخل بين الكلمات، ويبدأ بجمع النفوس قبل جمع المواقف. كان يُصغي طويلًا، ويتكلّم قليلًا، ويضع الكلمة حيث تُطفئ لا حيث تُشعل، ويعرف أنّ الإصلاح ليس غلبة رأي، بل تهدئة صدور، وردّ الأمور إلى نصابها. كم من خصومةٍ خفّت حدّتها بكلمةٍ منه، وكم من قطيعةٍ لانَت حين حضر، لأنه كان يرى في الصلح قيمة، وفي التراحم مخرجًا، وفي العدل سبيلًا لا التفاف فيه.
وعاش أبو حمدي معنىً، ومضى أثرًا ثابتًا في الحياة، لا يحتاج إلى كلامٍ كثير. كان حضوره وزنًا، وذكره استقرارًا، وسيرته دلالةً صامتة لا تطلب شرحًا. وإذا كان الرحيل يمرّ على الناس مرورًا عابرًا، فإن غيابه ترك في المجالس سكونًا مفهومًا، وفي القلوب فراغًا ناطقًا. لم يكن اسمه مما يُردَّد، بل مما يُستحضَر، ولم تكن حكمته قولًا يُستعاد، بل خُلُقًا يُرى. رحل، وبقي المعنى قائمًا، وبقي الأثر شاهدًا، وبقي الذكر هادئًا كما كان صاحبه.
اللهم ارحمه رحمةً واسعة، واجزه عن جهوده في الإصلاح، وعن كلماته التي أطفأت نار الخصومة، وجعلت القلوب أقرب إلى السكينة. اللهم اجعل ما أصلح به بين الناس في ميزان حسناته، وارفع درجته في الصالحين، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وألحقه بعبادك الذين مشوا في الدنيا ساعين بالخير، ومضوا وقد تركوا أثرًا طيبًا لا يزول.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
أبو مسلّم… ميزان الحق ولسان الحكمة
في سجلّ الرجال الذين يخلّدهم الوفاء، وتسطّرهم صفحات المروءة بحروف العز، يشرق اسم الشيخ عوض بن عائض بن عوض بن عنا الله بن دخيل الله المحمدي –رحمه الله- إشراق الصبح على قمم الجبال، ولمعان البرق في أفق المطر. رجلٌ كان في الأبواء رمزًا للعقل الراسخ، وميزانًا للحق الراجح، ومثالًا للسخاء الفيّاض، تتقاطر على بابه القلوب قبل الأقدام، وتلوذ به العزائم قبل الخصومات.
كان مهيب الطلعة، وقور الهيئة، يحظى بالإجلال عند الصغير والكبير، وتزداد له القلوب احترامًا كلما خبرت صواب رأيه ونفاذ بصيرته. لم يكن حكمه يرضي طرفًا دون آخر، بل كان يرضي الحق نفسه، حتى يقرّ الخصوم جميعًا بعدالته. وقد مُنح ذاكرة حديدية تحفظ الأقوال كما تحفظ الكتب سطورها، حتى غدت كأنها سجلّ أمين للمجالس والخصومات.
تولى مجالس العرف عقودًا طويلة لم يُنقض له فيها حكم، ولم تُخدش فيها هيبته. كان يصغي للجميع بصبر لا يعرف الضجر، مهما طال الجدل وارتفعت الأصوات، حتى إذا رأى أن الأقوال قد بلغت غايتها، ضرب عصاه بالأرض، فيسكن اللغط وتتهيأ النفوس لكلمته الفاصلة. يبدأ حينها بتقرير كل خصم على أقواله، فيعيدها عليه حرفًا حرفًا، ويسأله: “هل هذا صحيح؟” فإذا أقر سأله: “هل لك غيره؟” فإذا نفى، انتقل للآخر. فإذا استوثق من الأقوال، صاغ حكمه كمن يخيط ثوبًا، يجمع أطرافه ويرتب فصوله حتى يخرج محكم البنيان، واضح الدليل. فإذا قال: “هذي هاني” كان يردّ الخصوم إلى لبّ القضية، ويمنعهم من التشتت في الفروع. وإذا قال: “هذي نفذه” عدّد الأخطاء التي ارتكبها المحكوم عليه، واحدة تلو الأخرى، بوضوح لا يدع مجالًا للتأويل. وعندها يعلو صوت الحاضرين بالقول المألوف: “حكمت يا أبو مسلّم”.
ولأبي مسلّم أقوالٌ صارت حكمًا سائرة وأمثالًا دارجة، صاغتها التجارب وباركها صدق الموقف؛ من ذلك قوله: “امش مع التيار” في الرضا بما لا يُدفع من سنن الحياة، و”لا أحكم على غائب” في صيانة العدل عن الحكم بلا حضور، و”حزمة كرانيف” في وصف من لا يجتمعون على رأي، و”العدلة مايلة” في كشف اختلال ميزان الإنصاف، و”جايه هيال” اعتذارًا لمغلوب على أمره عن جهة يستحسن سترها، و”هذا عاطل” حكمًا على أهل الدعاوى الكيدية.
وفي بيته كان الكرم طبعًا، والضيافة عادةً، لا يُقصى فيه غريب ولا يُردّ فيه فقير، ولا يخرج منه ضيف إلا وقد حمل من كرمه ما يفيض على أيامه. ومن صفحات سخائه أنه كانت عنده ناقة “بَكْرة” نفيسة، يعتز بها كما يعتز الفارس بسيفه، وفي موسم حج همَّ أحد أبناء القرية باللحاق بركب الحجيج وقد سبقه بلا راحلة، فقيل له: “ما لك إلا أبو مسلّم”. فمضى إليه يطلبها، فما كان من الشيخ إلا أن ابتسم وقال: “ما تغلى عليك”. فأعطاه إياها طيبة بها نفسه، فبلغ بها مكة وأدّى المناسك وعاد شاكرًا، وبقي الأجر جاريًا، والذكر الطيب متردّدًا في المجالس كأنه نسيم الأبواء في صيفها.
وكان – رحمه الله – يرى في الصبر زينة الأخلاق ومفتاح الظفر، لا يملّ من ترديد بيت من الشعر جعله دستورًا في أحكامه ومواقفه:
الصبر زين وفيه مقضاة ثنتين
تكسب جميل وتاخذ الحق وافي
أما عبادته، فكانت جذر حياته وسمو همته؛ جاوز المئة والعشرين عامًا ولم يُعرف عنه يوم تخلّف فيه عن صلاة الجماعة. حتى إذا أضعفته السنون، شدّ من بيته إلى المسجد حبلًا يتوكأ عليه، وكأنما يربط جسده ببيت الله رباطًا لا ينحل إلا بخروج الروح. وكان يقرأ في مصحفه حتى إذا غلبه ضعف البصر اكتفى بقراءة ما وعته ذاكرته، فإذا وهن الحفظ واعتراه النسيان، أبقى لسانه رطبًا بالتسبيح والاستغفار، كأنما عوّض نقص الحفظ بفيض الذكر، وملأ فراغ الذاكرة بنور الطاعة. وفي أواخر عمره كان يكثر السؤال: “هل حل وقت الصلاة؟” كأن قلبه أصبح ساعة لا تعرف غير مواقيت الطاعة ولا تنبض إلا بنداء الأذان.
لقد كان الشيخ أبو مسلّم عقل قاضٍ، وقلب عابد، ويد كريم، ولسان مصلح، وهيبة شيخ؛ جمع المجد من أطرافه، وظل في الأبواء تاريخًا حيًّا على قدميه. فإذا تكلم أضاف إلى العقول علمًا، وإذا فعل أضاف إلى القلوب يقينًا، وإذا غاب بقي صدى أثره يتردّد في الذاكرة ما دام في الأبواء قلب ينبض أو عين تبصر.
رحمه الله، فقد كان رجلًا إذا ذُكر أزهرت القلوب كما تزهر الروضة بمطرها، وأحسّ به الجميع كما يحسّ الجبل برسوخه؛ رجلًا عاش كبيرًا، وبقي كبيرًا، ومضى إلى ربه بوجه يضيئه الرضا وسيرة تتعطر بها المجالس.
#الأبواء
#صابر_المحمدي
بياض الأثر والذِّكر
إذا ذكر الطيبون، انفرجت للقلوب أبواب السكينة، وإذا استحضرت سيرتهم، تنفست الأرواح عبير الصفاء، وتفتّحت الوجوه كأزهار الربيع على ملامح الرضا. ومن بين تلك الأسماء التي تعطر الذاكرة بطيب الأثر وتملأ الدروب نورًا وبشرًا، يتجلى اسم الشيخ محمد بن سالم أبو طلب المحمدي، رحمه الله؛ رجل عاش بسيطًا كنسمة الفجر، رقراقًا كجدول المطر، نقيًا كالضياء حين ينبلج من ظلمة السَّحَر، يفيض وده على من حوله، ويزرع الطمأنينة في النفوس كما يزرع الغيث خصبًا في الحقول.
وكانت الأبواء رحابَ حياته ومرتعَ خطاه؛ يأنس بظل واديها، ويستظل بنخيلها الباسقات كالمآذن الشامخة، ويغرس في تربتها الطيبة نخيلًا مثمرًا. عرفه الوادي إمامًا يملأ المسجد سكينة، كما عرفه حقله زارعًا يملأ الأرض حياة؛ يحرث بيديه، ويسقي زرعه كما يسقي قلبه بماء القرآن، فكان جريان الماء كترتيله رقراقًا عذبًا يحيي الغرس والقلوب معًا. وكما أثمرت نخيله رطبًا جنيا، أثمرت حياته عملًا صالحًا وذكرًا نديًا باقٍ أثره في القلوب. فلم تكن الأبواء له مجرد دارٍ وسكن، بل كانت مزيجًا من محرابٍ وحقول، وملتقى عبادةٍ وعملٍ، التصق بها حتى التصقت به.
كان من أولئك الذين تمرّ بهم فتستريح الأرواح، وتزول الهموم، وتصفو القلوب، كأنهم أبواب رحمة مفتوحة، أو نوافذ نور مشرقة. تراه فإذا بابتسامة وضّاءة تسبق الكلمة، وتجلس إليه، فإذا بسكينته تسري إليك كالماء البارد على العطشان، ووجهه ينعكس على نفسك إشراقًا ونقاء.
كان على الفطرة، بعيدًا عن التصنّع؛ بسيطًا في هيئته، عظيمًا في أثره. كان طاهر السيرة، مشرق الطلعة، يسطع من وجهه نور القلب، ويعبق من سيرته صفاء السريرة. رَسَخَ البياض في هيئته وسيرته حتى غدا عنوانه الظاهر والباطن؛ بياضًا في القلب، وبياضًا في السيرة.
ما جعل الدنيا همَّه، ولا التفت إلى زخارفها، بل آثر محرابه ومصحفه. عاش بين جدران المسجد يؤم المصلين، ويمسك المصحف كمن يمسك درة نفيسة، أو سرًا عظيمًا. يفتحه وكأنّه يفتح قلبه لله، فإذا قرأ، انسابت الحروف من بين شفتيه عذبةً ندية، كنسمة فجرٍ تغسل وجه الصباح، تهبط على القلوب كندى الفجر، وتدخل الأرواح قبل أن تلامس الآذان. نشأنا على صوته، وكبرنا على تلاوته؛ صوت هادئ مطمئن، يسكب السكينة كما يسكب القمر ضوءه على ليلٍ ساكن.
وكان، رحمه الله، أكثر من إمام؛ كان وجهًا باشًّا يشرق بالبشر، وابتسامةً تتسع كالأفق، وخلقًا يفيض على الصغير والكبير. يسلم بحرارة كأنما يصافح بقلبه قبل يده، ويحدث بصدق كأنما يقطف لك من ثمار قلبه أطيب الكلام. لا يعرف التجهم، ولا يتعالى على إنسان؛ قلبه كالسحاب يظل الجميع، وروحه كالنسيم تمر فتترك في الأرجاء بردًا وسلامًا.
فالطيبون لا يودّعون الدنيا إلا كما عاشوا فيها أنقياء القلوب، بيض السرائر، يختمون حياتهم بخاتمة تليق بصفائهم، وختم اللهُ له حياته في شهر رمضان؛ فكانت وفاته عبيرَ طاعة، ووسامَ كرامة، ومسكَ ختامٍ لحياةٍ نديّةٍ بالإيمان؛ إذ رحل وهو صائم، وما أكرم أن يلقى العبدُ ربَّه على طاعةٍ يُحبُها الله.
فالحديث عنه إشراقة قدوة، ونفحة صفاء، ونسمة رضا، يزداد الحاضر بها إشراقًا كلما جرى اسمه على الألسن، وتجدّد بها الأثر كلما استعادته الذاكرة. ستبقى صورته في القلوب طلعة مضيئة، وابتسامة لا يبهت بريقها. وستبقى ذكراه نداء صامتًا إلى الرضا والطمأنينة وصفاء النفس.
وهكذا بدا في شيخوخته المشرّفة؛ جالسًا على مقعد الوقار، تحيط به سكينة لا تخطئها عين، يلفه النور من سمته كما يلف الضياء وجهه، وتنعكس على قسماته ملامح الطمأنينة والرضا. إن نظرت إليه أحسست أنّه صفحة من الصفاء، وإن أطلت النظر أيقنت أن البياض الذي رسخ في هيئته وسيرته قد غدا صورة لا تمحى من الذاكرة.
رحم الله أبي رجاء الله، وأسكنه فسيح الجنان، وجعل قبره روضة من رياض النعيم، وأثابه بما غرس في القلوب من نور وسكينة، وبما ترك من أثر خالد وعطر لا يزول.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي