:
بيئات العمل الناجحة لا بد أن تكون جاذبة ومحفزة للموظفين، وأن توفر لهم ما يعينهم على أداء مهامهم بكفاءة وراحة، من خلال توفير الإمكانات المناسبة، وتعزيز بيئة الاحترام والتقدير، وتحقيق التوازن بين متطلبات العمل واحتياجات العاملين. فكلما شعر الموظف بالراحة والاستقرار والإنصاف، انعكس ذلك إيجابًا على إنتاجيته وجودة أدائه، مع المحافظة على الانضباط وعدم الإخلال بمصالح العمل وأهدافه.
الاحتفاء التربوي بين صناعة القدوات وترويج المظاهر .
هنا سأتحدث عن مدارس البنات تحديدًا، وقد يكون ما سأتحدث عنه موجودًا في بعض مدارس البنين أيضًا، إلا أن الوضع يختلف من جوانب عدة، وأهمها ما يتعلق بالمرأة.
فمع نهاية العام الدراسي تبدأ بعض المدارس في إقامة حفلات التخرج وتكريم المتقاعدات، ومن ضمن فقرات الاحتفاء تُقدَّم عروض تقوم على الرقص، حيث تُشارك فيها فتيات بالغات أمام الحضور، ثم تُصوَّر تلك المشاهد وتُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي بكل فخر، سواء من بعض منسوبات المدرسة أو من أولياء الأمور المتفاخرين ببناتهم وهن يرقصن ويتمايلن بكامل زينتهن.
إن ما يُقدَّم على أنه مظهر من مظاهر الفرح والاحتفاء يراه كثيرون أمرًا لا ينسجم مع القيم الإسلامية التي قامت عليها منظومتنا التعليمية، ولا مع رسالة المدرسة التربوية التي يفترض أن تكون قدوة في غرس الفضيلة وتعزيز القيم.
يا وزارة التعليم، إن مدارسنا قائمة على منهج الدين الإسلامي، وتسعى الوزارة إلى تحقيق رؤيتها المتمثلة في: “تحقيق تعليم شامل للجميع يعزز القيم ويضعنا في صدارة المنافسة العالمية، ويمكن الأفراد والمجتمعات من اكتساب مهارات ذات جودة عالية”، كما تؤكد رسالتها على “تقديم تعليم ذي جودة عالية بكوادر مؤهلة، معزز للقيم، ضمن بيئة آمنة ومحفزة لإعداد أفراد فاعلين في المجتمع ومساهمين في صناعة وطن رائد عالميًا”.
ونحن نريد أجيالًا فاعلة في المجتمع ومساهمة في بناء وطن رائد، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال إعداد الأبناء والبنات وتأهيلهم بالعلم والمهارة والقيم، لا بجعل الرقص وكأنه من ضروريات الاحتفاء أو من مظاهر التميز التربوي.
يا وزارة التعليم، وجّهوا القائمين على المدارس إلى أن تكون الاحتفاءات مناسبة لإبراز أصحاب العقول المبدعة، والإنجازات العلمية، والتجارب الملهمة، وقصص النجاح، والاختراعات والابتكارات. اجعلوا وسائل التواصل الاجتماعي تزخر بالنماذج المشرفة التي ترفع من مستوى الطموح لدى أبنائنا وبناتنا، وتغرس فيهم قيم العلم والعمل والإبداع.
فالأمم تتقدم بعقول أبنائها وإنجازاتهم، لا بالمظاهر العابرة، والمدرسة هي المكان الذي تُبنى فيه القيم وتُصنع فيه القدوات .
التربية للحياة لا للشهادة فقط
كثيرٌ من الشباب يتخرجون من المرحلة الثانوية، فلا يُقبلون في الجامعات، أو لا يرغبون في مواصلة الدراسة، أو يتخرجون من الجامعة في تخصصات لا يحتاجها سوق العمل، أو لا يمتلكون المهارات والخبرات التي تؤهلهم للحصول على وظيفة تحقق طموحاتهم. وفجأة يجد بعضهم نفسه بلا عمل واضح، ولا هدف محدد، ولا خطة للمستقبل.
فلماذا يحدث ذلك؟
إن من أهم الأسباب أن بعض الأسر جعلت اهتمامها منصبًا على الدراسة فقط، مع توفير المأكل والمشرب والترفيه للأبناء، دون العناية الكافية بتأهيلهم للحياة العملية، وتعليمهم مهارات الاعتماد على النفس، واكتشاف مواهبهم وقدراتهم، وتنميتها منذ الصغر.
فالنجاح لا يقوم على الشهادة وحدها، بل يحتاج إلى مهارات، وخبرات، وانضباط، وتحمل للمسؤولية، وقدرة على التعامل مع الناس، وإدارة الوقت، وحل المشكلات. وعندما يُربى الأبناء على هذه المعاني، ويُشجعون على العمل المناسب لأعمارهم وقدراتهم، فإنهم يكتسبون خبرات تبني شخصياتهم وتسهم في خدمة وطنهم ومجتمعهم.
وكذلك الحال بالنسبة للفتيات؛ فبعض الأمهات يبالغن في خدمة بناتهن حتى في مراحل متقدمة من العمر بحجة الانشغال بالدراسة، فتتخرج الفتاة وهي تحمل شهادة علمية، لكنها تفتقر إلى كثير من مهارات الحياة الأساسية، مثل إدارة المنزل، وتنظيم الوقت، وتحمل المسؤولية، والتعامل مع متطلبات الأسرة وتربية الأبناء.
وعندما تتزوج قد تُفاجأ بأعباء الحياة الأسرية التي لم تُهيأ لها من قبل، مما قد يؤدي إلى خلافات ومشكلات كان بالإمكان تجنبها لو تم إعدادها إعدادًا متوازنًا يجمع بين التعليم والمهارات الحياتية.
إن المطلوب ليس أن تختار الفتاة بين التعليم وإدارة حياتها الأسرية، بل أن تُعد إعدادًا متكاملاً يجعلها متعلمة، وواعية، وقادرة على تحمل المسؤولية، وإدارة منزلها، ورعاية أسرتها، والمساهمة في بناء مجتمعها. وكذلك الشاب ينبغي أن يُربى على تحمل المسؤولية، والعمل، والاجتهاد، وعدم انتظار الوظيفة المثالية دون اكتساب المهارات والخبرات اللازمة.
إن التربية الناجحة لا تقتصر على توفير الراحة للأبناء، بل تقوم على إعدادهم للحياة، وتعليمهم الاعتماد على أنفسهم، وغرس قيمة العمل والإنتاج في نفوسهم؛ فالأبناء الذين يُربَّون على المسؤولية يصبحون - بإذن الله - رجالاً ونساءً قادرين على بناء أسر مستقرة، ومجتمع قوي، ووطن مزدهر.
وقد قيل:
الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتها
أعددتَ شعبًا طيِّبَ الأعراقِ
فحسن التربية، وغرس القيم، وتنمية المهارات، وإعداد الأبناء والبنات لتحمل مسؤوليات الحياة، من أعظم الاستثمارات التي يجني الآباء والأمهات ثمارها في الدنيا والآخرة .
هل الحب الحقيقي يقود إلى الطاعة أم إلى اتباع الهوى؟
الحب من أعظم المشاعر التي أودعها الله في قلوب عباده، وهو سبب للعطاء والتضحية والرعاية. ومن طبيعة المحب أن يتمنى لمن يحب كل خير، وأن يسعى لحفظه من كل ما يضره في دنياه وآخرته. ولذلك كان حب الوالدين لأبنائهم من أعظم صور الحب الفطري، حيث يبذلون الجهد والمال والوقت في تربيتهم وتعليمهم وتوجيههم، ويتحملون المشقة والتعب أملاً في صلاحهم وفلاحهم.
لكن يبقى السؤال: هل يكفي أن يدّعي الإنسان محبة أبنائه أو من يحبهم دون أن يوجههم إلى ما ينفعهم عند الله؟
لقد بيّن القرآن الكريم أن أعظم صور الرحمة والحب هي الدلالة على طريق الحق، فقال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6].
قال أهل التفسير: أي علّموهم وأدّبوهم وربّوهم على طاعة الله حتى ينجوا من النار.
كما أثنى الله على نبيه إسماعيل عليه السلام بقوله:
﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: 55].
فمن علامات المحبة الصادقة أن يحرص الإنسان على استقامة من يحب، وأن ينصحه إذا أخطأ، وأن يفرح بطاعته، ويحزن لمعصيته.
وقد قال النبي ﷺ:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه.
فالوالدان مسؤولان أمام الله عن تربية أبنائهما وبناتهما، وليس المطلوب منهما مجرد توفير الطعام واللباس والتعليم، بل كذلك غرس الإيمان والأخلاق والحياء والالتزام بشرع الله.
وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي أصبح بعض الناس يخلط بين الحب الحقيقي والتشجيع على كل رغبة وهوى. فقد ترى أباً أو أماً يبرران الأخطاء، أو يدفعان أبناءهما إلى سلوكيات تخالف الدين بدعوى الحرية أو مواكبة العصر، ثم يظنان أن ذلك من المحبة.
والحقيقة أن المحبة التي تجر الإنسان إلى معصية الله ليست محبة نافعة، بل هي صورة من صور الإضرار بالمحبوب وإن كانت النية حسنة. فالأم التي تفرح بتبرج ابنتها أو الأب الذي يشجع ابنه على مخالفة شرع الله لا يستطيعان أن يدفعا عنهما تبعات تلك الأعمال يوم القيامة.
قال الله تعالى:
﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67].
وقال سبحانه:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: 34-36].
ففي ذلك اليوم لا ينفع الإنسان إلا عمله الصالح ورحمة ربه.
إن الحب الحقيقي ليس أن نترك أبناءنا يفعلون كل ما يريدون، بل أن نأخذ بأيديهم إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة. الحب الحقيقي هو أن نخاف عليهم من المعصية كما نخاف عليهم من المرض، وأن نسعى لإنقاذهم من عذاب الآخرة كما نسعى لحمايتهم من أخطار الدنيا.
ومن أعظم صور الحب أن يكون الوالدان سبباً في هداية أبنائهما، فيلقون أثر ذلك في الدنيا صلاحاً واستقامة، وفي الآخرة أجراً وثواباً ورفعة عند الله.
وخلاصة الأمر أن الحب الحقيقي لا يقود إلى اتباع الهوى، بل يقود إلى الهداية والطاعة والتمسك بأوامر الله. فكل محبة تُقرّب العبد من ربه وتعينه على الخير فهي محبة مباركة نافعة، أما المحبة التي تدفع إلى المعصية وتزيّن الخطأ فهي محبة ناقصة قد تضر صاحبها ومحبوبه معاً.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا حبَّه وحبَّ من يحبُّه، وأن يجعلنا سبباً في هداية أهلينا وأبنائنا، وأن يوفقنا للنصح بالحكمة والرحمة، وأن يختم لنا ولهم بالصلاح والثبات. فاحرص على أن يكون حبك دليلاً إلى الجنة لا سبباً للغفلة، وتذكّر دائماً أن أعظم هدية تقدمها لمن تحب هي أن تعينه على طاعة الله وتدله على طريق النجاة.
كتابُنا العظيم وسنةُ نبينا ﷺ هما مصدرُ الهداية والتربية، فعودي إليهما؛ فستجدين فيهما من العلم والتوجيه ما يزكي النفس ويهذب الأخلاق.
يتعلمانكِ أحكام الدين، ومنها على سبيل المثال: حرمة الغيبة والنميمة، وحرمة التحريش بين الناس، وحرمة الحسد، وغير ذلك من الأخلاق التي نهى عنها الشرع.
فنصيحتي لكِ أن تعيدي بناء نفسك وتربيتها على هدي القرآن العظيم والسنة النبوية، لتفوزي بدنياك وآخرتك، وتسعدي في حياتك، وتنالي رضا الله تعالى .