أنا مجموعة إنسان؛ صنعتني الحاجة، وربّاني العمل، وعلّمتني التجارة، وأوجعتني الخسارة، ووسّعتني الأسفار، ونضجتُ بالمسؤولية، وكلما ظننتُ أنني بدأتُ من الصفر اكتشفتُ أنني لم أبدأ من الصفر قط؛ فقد كنتُ أبدأ كل مرةٍ وأنا أحمل معي عمرًا كاملًا من الخبرة.
مجموعة إنسان...
لم أعشِ الحياة من بابٍ واحد، ولم أعرفها من جهةٍ واحدة؛ فمنذ أن كنتُ في السابعة من عمري بدأتُ أتعرف إلى وجهها الحقيقي، حين وجدتُ نفسي أبيع المياه للمارة عند إشارات المرور.
وما زلت إلى اليوم أتمسك بذلك الحلم الذي بدأ في مدينة يورك، وأسعى إليه بخطوات هادئة وثابتة، راجيًا من الله أن يجعل تلك البداية بابًا لمستقبلٍ يليق بالطموح الذي أحمله في قلبي، وأن تكون النهاية جميلة كما كانت البداية ملهمة.
ومع مرور الوقت، تعلمت أن أعظم ما قد يملكه المرء هو الثقة بالله، ثم الثقة بنفسه مهما اشتدت الظروف وتعقدت الطرق. فلا يهم كم تأخر الوصول، المهم ألا ينطفئ الشغف، وألا يفقد الإنسان يقينه بأن لكل صبرٍ نهاية جميلة، ولكل مجتهد نصيبًا، ولكل حلمٍ صادق طريقًا سيصل إليه يومًا ما بإذن الله.
لا مانع من سقوطٍ كان اختبارًا؛
فبعض التعثر يعلّمك كيف تثبت واقفًا.
في عزِّ سقوطي، سقطتُ واقفًا، وسرعان ما اختفى أولئك الذين كانوا يحتفلون معي زمنَ النجاح. حين كانت الأضواء مسلّطة، كانت الوجوه كثيرة، والكلمات منمّقة، والوعود تُقال بثقةٍ لا يشوبها تردّد.
لقد علّمتني الحياة أن النجاح يجذب الجموع، أمّا الشدائد فتنتقي الصادقين بعناية. وأن الذين يبقون معك في لحظة الضعف، هم وحدهم الذين يستحقون مكانًا حقيقيًا في قلبك. أما البقية، فما كانوا سوى عابرين استظلّوا بنجاحك حين كان الطقس مشمسًا، ثم رحلوا مع أول غيمة.
وإذا كان العالم يحتفي بمن يظهر في الصورة، فإنني أجد متعتي في أن أكون ذلك الشخص الذي صنعها، لأن صانع المشهد يبقى أثره أطول من لحظة الظهور، وأعمق من بريق الأضواء العابرة.
لم أختر الظهور!
بل اخترت صناعة المشهد ..
لستُ من أولئك الذين يحرصون على الظهور في كل صورة، ولا ممن يبحثون عن مكانٍ في واجهة المشهد. وربما يظن البعض أن ذلك انطواءٌ أو عزوفٌ عن الأضواء، غير أن الحقيقة مختلفة تمامًا.
وسأظل ألاحق أحلامي كما ألاحق اللقطة النادرة؛ بصبرٍ طويل، ونظرةٍ بعيدة، وإيمانٍ لا يتزعزع بأن كل صورةٍ عظيمة تبدأ من شخصٍ آمن برؤيته قبل أن يراها الآخرون.