أنا لا أكتب لأملأ فراغًا، بل لأفرغني. لا أبحث عن جمهورٍ يصفّق، بل عن ركنٍ في اللغة يحتملني كما أنا: ممتلئًا بالتناقض، مثقلًا بالأمل الخائف، ومطعونًا بدقّةٍ لا تُرى.
فالكتابة ليست مهربًا… إنها المرآة الوحيدة التي لا تكذب.
أما سألتَ نفسك يومًا: لِمَ لم أمنعكَ؟ لِمَ فتحتُ لكَ الطريقَ حتى حسبتَه فتحًا؟ لأنّني لم أكن أحرسُ البابَ الذي دخلتَ منه أصلًا. كنتُ أراقبُكَ كما تُراقَبُ فراشةٌ تُلقي بنفسها في اللهب، وهي تظنُّ أنّ الضوءَ يحتفي بها، بينما كان يلتهمُها بصمت.
ما أثقلَ الإنسانَ حين يتنازلُ عن سؤالِه، وما أخفَّه حين يُسلِّمُ مفاتيحَ وعيهِ لغيره. فالذلُّ لا يبدأُ بالسلاسل، بل يبدأُ عندما يتوقّفُ العقلُ عن أن يكونَ سيّدَ نفسه.
الكتابةُ هي متنفّسي الوحيد من هذا الاكتظاظ؛ لأنّ الأفكارَ التي لا تُروى تتحوّلُ إلى صدأٍ ينخرُ في الروح، ولأنّ الانهيارَ لا يأتي دفعةً واحدة، بل هو تراكمٌ بطيءٌ لكلِّ ما لم نقلْه.
في النهاية، الإنسان مبدأ، بعضهم اعتاد الفعل حتَّى تبناه مبدأً، فأنت لن تغيّره لمجرد أنك تراه خطأ، وهو لن يتغيّر لمجرد أن حضرتك تراه صحّ. فلا تجاري بفعلك من تعيب عليه فعله وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
لا أعرف إن كانت هذه طمأنينة أم خداعًا أن أعتقدَ أن كل ما فات لا يزال في متناول القلب، أن الرسائل التي لم أرسلها لا تزال تنتظر، أن الوجوه التي اختفت في الزحام يمكن أن تعود فجأةً عند مفترق ضوء. أعيشُ كأن الحياة تمنحني نسخًا غير نهائية من المحاولة، كأنها تؤمن بي أكثر مما أفعل أنا.
وفي غمرة هذا الصمت، بدأت أرى في المكان الذي أقف فيه وجوهًا مكرّرة. جموعًا من البشر، تتصرّف وكأنّها تكتشف الدنيا لتوّها: أصواتٌ عالية، ضحكاتٌ صاخبة، خطواتٌ متردّدة تختبر حدودها. كانوا يصرّون على تكرار تصرفاتٍ مراهقة، وكأنّهم لم يتجاوزوا سن الطيش أبدًا.
وماذا تفعل أنتَ في مساءٍ كهذا؟
لا شيء سوى أن تظلَّ وحيداً وسط صخبٍ اختُلق ليخنق الشعر،
ودع العشّاق يهرعون بوجوهٍ بلا ملامح، كأقنعةٍ تتساقط عن وجوههم في غياب الليل.
أما أنت فلتكن وحدتك هذه طقساً مقدساً،
تحتسي فيه القليل من الفناء.
كمن يرى نفسه في فيلمٍ قديم، ويحاول أن يتذكّر متى صُوّر. غريبٌ هذا الشعور… أشبه بالهدوء الذي يلي العاصفة، حيث لا شيء يُكسَر، لكن لا شيء يعود إلى مكانه تمامًا.