"لا عليك، ففلان - وهو على تلك المقامة العالية من الأدب والفن واللغة - أتى على ذلك شاكيًا”؛ هذا ما يقوله لساني كلما انبرى لي شأنٌ عويصٌ من شؤون القراءة والأدب. فإنّي أتمثّل بقول جهبذٍ من جهابذة الأدب، وأمضي في شأني، متلمّسًا طريقي، متأبّطًا بهذا القول أو ذاك؛ أواسي نفسي تارةً، أو أقرّعها ما إن تتخاتل عن القصد والوجهة.
وأبو فهر في هذا النص يقرع بابًا قلّما طرقته أيدي أساطين الأدب وروّاده؛ وهو قلّة الحيلة أمام الفكرة، التي تجدها في صدرك واضحةً بيّنة، حتى إذا تهيّأت لكتابتها، تحوّلت إلى صورةٍ أخرى، أو شكلٍ يشابه بعض ما في النفس من شذرات المعاني والأفكار.
وقد يقول قائل: إن هذا شأنٌ متداول، وقد تطرّقت إليه ثلّةٌ كريمة من الأدباء والمفوّهين؛ فأقول: بلى، ولكنهم تطرّقوا إليه مجتزأً عن أصله، في سيرةٍ أو مقالة. أمّا أبو فهر، فقد لمسه في لحظة وقوعه، وكأنه يقول لك: اقرأ مقالتي هذه، واسعد بها واستفد، فإني جانبتُ المقصد، وما زال في صدري شيءٌ سأفرغه، انتصارًا للقلم وأمانةً له.
فلله درّه -رحمه الله - كم أطربني وسلّاني وواساني!
هنالك لذّتان، هما أسمى ما يتذوقه المرء ويحسّه؛ هما لذّة الألفة، ولذّة الإكتشاف. تغذّي الأولى مشاعر الإنتماء، والثانية مشاعر الإندهاش، وكلاهما يبدعان أثرًا في الإنسان…فما أجملهما، وما أجمل الإنسان.
أظن أن من سمات عاشقي الحياة، أو بالأحرى أولئك الأدباء الذين صرفوا جهدهم في التنقيب عن جماليات الحياة والتفلسف عنها؛ هي مسحة الخوف التي تحسّ بها في أقوالهم، الخوف من الملل أو تغير الحياة، أو انقلابها على غير مظنّاتهم، ولذلك تجدهم يقبلونها بما فيها، من حللٍ ومِلل وصورٍ وأشكال وأصوات، قبيحةً كانت أم بديعة. ولعلّ ذلك مما صيّرهم إلى الكآبة والضيق، لأنهم يتغنون بما هو مصدر جلّ أحزانهم ومآسيهم، وهي الحياة، دون التفكر بما وراءها، أو بما يعتملُ في النفس من تناقضاتٍ من تقديسها وتبجيلها….ربما.
ما طلعت شمسٌ ولا غربت، إلا وغشِيَ المرءَ من الله فيضٌ من الرحمات المرسلات، تحوطه بما يشابه إحاطةَ جزئياتِ الهواءِ المبهماتِ بمن لا يملكون عنها نزعًا ولا انفكاكًا، وكأنها — بل إنها — تنطوي على سرّ الوجود وطرائقه.
غير أن حمد المرء الله عليها على ضربين، كلاهما خير، وهما: عند البشارة والملمّة؛ إلا أن الأخيَّر منهما مما لا تطاله النفس إلا بالدربة والتعوّد، وهو الحمد في أحواله العادية، التي تقارب أن تكون جلَّ حياته ودقائقه.
وفي الصدر حاجاتٌ على النفس وعتاب، على ما فرّطت به في ذلك الشأن، فكلّنا ذاك المرء. والحمد لله على كل حالٍ وفي كل مآل؛ ما غرّد طيرٌ وتمايلت أشجار، ودانت ظلالٌ وتبدّلت أقمار، الحمد لله كما يحب ربنا ويرضى، دائمًا وأبدًا.
الليلةُ ليلةُ هدنة، أَراني فيها على وفاقٍ مع النفس، على غير العادة؛ فما عُدتُ أُشاكسها، وما عادت تُشاكسني، بل أراها صديقةً أليفةً طيّعة، تبتسم لي اعتذارًا عن كل ما لاقيتُ منها، وخجلًا على كل ما جنيتُ بها، ومكرًا… ربما — وذلك من الحذر — فيالها من نفسٍ، ويا لي من امرئٍ يهتمّ لشأنها… ويا لها من ليلة.
ليلةٌ ولا كل الليالي، وساعةٌ ولا كل الساعات، عجبي أن يتسع قلبي لهذه الفرحة الفيّاضة، وتلك المشاعر الجيّاشة، عجبي أن يضحك القلب قبل ضحك الفاهِ مستقبلًا تلك السعادة، التي تفيض من القلب وإلى القلب، معلنةً أن سنوات الترقّب الممرضة، وساعات الآلام المبرحة، وأوقات الجزع المجهدة، كل هذا، كان أولى مسببات الفرح؛ وأولى درجاته. فالفرح الذي نتج عن تلكم اللحظات -التي تلوّح لنا وكأنها عدوٌ قديم، كان من الشرف الخفيّ أشبهَ بصديقٍ يخفي خلف أقنعته الغليظة، وداعةً وألفة، تشبه هطل المطر بعد دوّي الرعد- هو ختام القصة، ونهاية الحكاية، فالحمدلله الذي جمعني بمن أحب، وألهمني الصبر عند كل ملمّة، حتى أشكر له نعمته، بقلبٍ يُدرك ما بها من عظيمِ فضلٍ ورزق…الحمدلله🤍
سبحان من أودع في هذا الكوب عصارة قرائح العظماء، وبدائع أنفسهم في كلِّ فنٍ ولون. أما والله إنها لتعدُّ الضرب الأجلّ من ضروب الروقان والاستكنان، والفرع الأظلَّ من أفرع الجنان، التي صورها الله في دنيا عباده ترغيبًا في أصل جنّاته. بيد أنها بخيلةٌ على روّادها بجلّها، كريمةٌ ببعضها، وهي كما يقول أبو الفضل :
"هِيَ الشَمسُ مَسكَنُها في السَماءِ
فَعَزِّ الفُؤادَ عَزاءً جَميلا
فَلَن تَستَطيعَ إِلَيها الصُعودَ
وَلَن تَستَطيعَ إِلَيكَ النُزولا"
لا ترسل غير شذراتٍ من نورها، ونفحاتٍ من عليلها؛ إلا أن ذلك ليس لقصورٍ فيها، بل لقصورٍ في ذات الإنسان، وطبيعته العصيّة عن بلوغ أقاصي الجمال. طبيعةٌ حكّمتها نواميس الجسد، فكان كل ما تلتذّ به؛ ترجمانه ذات الجسد، وما أودعه الله عز وجل فيه من مكامن الإحساس والتذوق….والحمدلله على كل حال، فإن كانت هذه لذّة من لذّات الدنيا، فكيف بنا والآخرة!
لعلّ من أحرّ الظنون على قلب المحبِّ؛ ظنّه الملل سببًا في جفاءِ حبيبهِ له، ففي الحزن والعتاب والتمنّع الراغب؛ أدلةٌ على دوام جذوةِ الحب وحرارة العشق، وذانك يقودان -بالضرورة- إلى حركةٍ وجلبة لحفظ الوصال، يبديانهِ الطرفان سرًّا أو علانية؛ ما إن تؤول الأمور إلى القطيعة والابتعاد.
أما الملل فهو مقتلُ كل اتحادٍ ونهايةُ كل جمع، فلا جذوةٌ تشتعلُ ولا حرارة تُفتعل، بردٌ وزمهرير، يدبُّ في القلبِ دبيب النمل حتّى يُفرغهُ من أسمى معاني الوصل وذكرياته. ويعجبني في ذلك قول زيجمونت باومن، -أنقله بتصرف -من ناقلٍ بتصرف، متأملًا أن لا يتشوه المعنى من فرط التصرف- وهو:(تعاسة المرء سببها الملل، الذي يفقدك الإثارة، ويجهلك الغاية التي تسعى وتقاتل من أجلها)، فالملل شعورٌ قاسٍ باعثٌ على الأسى، يخشاه المحبُّ على نفسه فما بالك بنفسِ من شَغُفَ به! فلا علاج له! ولا حيلة! (فصدُّ الملولِ خلافُ صدِّ العاتبِ) كما قال شاعرنا الرقيق.
ما حال المزاج إذ نحن جرّدناه من الوقت؟ وكيف لأحدهم أن يعلم -حقًّا -ما للمشاركة الوجدانية -التي يتخيلها- من أثر بهيجٍ؛ ما إن يوافق مزاجه مزاج من بعدت بينهم الأجساد، وقربت بينهم الأرواح، ممن يشاركونه ذات الوقت، سواءً كان الليل الشجيّ بالعواطف بطبيعته، أو الظهيرة الباعثة على الجد!
ست ساعات، هي بيني وبين الوطن، ظهيرةٌ هناك، وليلٌ هنا، وفي هذه الساحة الافتراضيّة، التي يبثُّ فيها كلُّ ملآنٍ بثّه، أتخيل -بسذاجةٍ- غياب تلك المشاركة الوجدانية، التي أشعر -بغرابةٍ- أنها موجودة! فالشعور الذي يطرحُ في ورقة، يمتدُّ ليصل إلى آخرين، يعلمون متى أنسب مزاجٍ لقراءته، لجبلّةٍ فيهم، علّمتهم ما بين المزاج والوقت والنص من صلة.
بينما تطوي الخوارزميات هنا كلَّ هذا، وتعيد تعريفه بصورةٍ مجرّدةٍ عنّا، تذوب، بين آلاف الواحدات والأصفار، فهي تنتصر للحظة، كيفما كان وقتها ومزاجها، ونعم، قد يكون في هذه التصورات بعضُ سذاجة.
ولكن، ما السذاجة؟ أليست إلا براءةٌ أفسدها الناس بأحكامهم، وما إن نخلّي بينها وبيننا، حتى تطفو معانٍ جديدةٍ -يخفيها الخجل- على السطح…ربما.
على رحلة طيرانٍ تمتدُّ إلى تسعِ ساعات؛ تجلس أمامي عائلة إسبانية، والدان وطفلتهما. الوالدانِ على طرفي الصف، بينما تتوسطهما الطفلة، وكأنها الجسر بينهما، وعلى شاشتيّهما رسوم كارتونيةٌ مختلفة، لعلّها توقف بكاء الطفلة وعويلها، أو حتى رفسها، بتلك الأقدام الشيطانيّة الصغيرة. إلا أن الطفلة لا ترعوي أو تتوب، بل تمعن في شيطنتها وكأنها الموج؛ لا تهدأ.
وهي على ذلك بريئةٌ فاتنة، ترسلُ البسمات للجميع في هدوئها، بينما تتلقفنا أعين والديها الفخورة بتلك (الكياتة). حتى تبكي فتتحاشى أعينهم أعيننا؛ وكأنهما مجرمان مثلا أمام القضاء، يخشون الإدانة، والخوف كل الخوف أن يكون الحكم قرصة، أو صفعة، تدنيان منهما إلى طفلتهما، إرضاءً للمحكمة الدولية الناعسة، من مختلف الجنسيات على هذه الطائرة.