اللهُ أكبرُ كبِيرًا، والحمدُ لِلهِ كثِيرًا، وسُبحان اللهِ بُكرةً وأصِيلًا؛
اللّهُمّ يا من عظُم سُلطانُه، وتعالى جدُّه، ولا إِله غيرُه؛ نُكبّرُك عدد ما أحاط به عِلمُك، ونُعظِّمُك مِلء ما وسِعهُ كِتابُك، سُبحانك ما أعظم شأنكَ، وأعزّ مكانكَ، إنّا نستغفِرُك استِغفار مُعترِفٍ بِذنبه.
إذا سألتكِ معلمتُك: اقرأِي من قول الله تعالى بداية آية
(والذين آمنوا وعملوا الصالحات)
فليس هناك داعٍ لأن تتوتري وتشعري أنكِ نسيتِ القرآن كله.
إذا قالت بعدها (أولئك) فهي في البقرة.
وإن بدأت بحرف (س) ففي النساء مرتين (سندخلهم).
وإن نفت بعدها بـ (لا) ففي الأعراف (لا نُكلِّف).
(وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده).
لعل من أسرار الأمر بالتسبيح بعد التوكل أن التسبيح في أصله تنزيه، والعبد عندما يتوكل على ربه فإنه يعلم أن من استند إليه منزه عن كل نقص؛ فالمخلوق قد يعجز، أو ينسى، أو يغفل، أما الله عز وجل فهو المنزه عن ذلك كله، والوكيل سبحانه كامل في ذاته وصفاته، فالركون لمن هذا وصفه سكونٌ للنفس وطمأنينةٌ للقلب.
وفي قوله: (الحي الذي لا يموت) تنبيه وتذكير ببقاء هذا الوكيل وكمال حياته، فالمخلوق الذي تعتمد عليه قد يغيب عند اشتداد فاقتك، أو يموت فيموت معه أملُك، والله حي لا يموت، وكمال حياته يقتضي ثبوت كل صفات الكمال التي يفتقر إليها المتوكل فيمن يعتمد عليه؛ من علم وقدرة ورحمة ولطف وحفظ وتدبير ورزق ...، ومن كان هذا وصفه كان مستحقًا للتسبيح بحمده، فالتسبيح نفي للنقائص، والحمد إثبات للمحامد.
وقوله: (الذي لا يموت) تعريضٌ بكل ما يُعبد أو يُعتمد عليه من دون الله، وتنبيه للأذهان أن تنصرف لأي حي سواه -ولو للحظة- مهما كان، فكمال الحياة يستلزم كمال الاعتماد، فالله حيٌّ حياةً ذاتية، أزلية، لا يعتريها نقص، ولا يلحقها فناء.
ولعل تعقيب هذه الصفة بقوله: (وسبح بحمده)، يورث القلب رهبة وإجلالًا للحي الذي لا يموت، فأنت لا تسبح إلـٰهًا حيًّا فحسب، بل تُسبح من قهر عباده بالموت وانفرد هو بالبقاء!
ثم إن التوكل تفويض لله، وهذا التفويض قد يتبعه انتظار وترقب للنتائج، والتسبيح يشغل اللسان والقلب بذكر كمال الله، فيمنع النفس من القلق، أو ظنون السوء، أو الاعتراض على القدر؛ بل ويشرح الصدر، وكأن المعنى: توكل عليه، واشغل نفسك بتنزيهه، والثناء عليه، وسيكفيك ما أهمك، فانشغل بما أُمرت به، واترك لربك ما تكفل به.
ولعل في اقتران الحمد بالتسبيح (وسبّح بحمده) إشارة إلى أن توفيق العبد للتوكل نعمة تستوجب الثناء؛ فالتعلق بالحي الذي لا يموت نعمة لا يتفيأ ظلالها من تعلق قلبه بالأسباب الفانية.
والتوكل لا يعني ترك الأخذ بالأسباب، بل هو أخذ بها ولكن بالقدر المأمور به، فمن اعتمد عليها وركن إليها من دون الله خُذل، ومن تعلّق شيئًا وُكل إليه، ومن وُكل إلى غير الله باء بالصفقة الخاسرة، ويروى أن بِشرًا سُئل عن التوكُّل، فقال: (اضطرابٌ بلا سكون، وسكون بلا اضطراب)، فقال السائل: فسِّره لنا حتى نفقه؟! قال بشر: (اضطراب بلا سكون؛ رجل يضطربُ بجوارحه، وقلبُه ساكن إلى الله لا إلى عمله، وسكون بلا اضطراب فرجل ساكنٌ إلى الله بلا حركة)، قال ابن القيم: (يريد: حركة ذاته في الأسباب بالظاهر والباطن، وسكونًا إلى المُسبب، وركونا إليه)، فحقيقة التوكل ليست مجرد سكون، بل هي حركة قلبية نحو الخالق، مقرونة بذكره والثناء عليه، مع الأخذ بالأسباب، ثم اعتمادٌ عليه وسكونٌ إلى تدبيره.
والتعلق إنما يكون بالمُسبب دون الأسباب، وهذا يثمر سكون القلب وعدم اضطرابه عند انخرام الأسباب أو ضعفها، لأن القلب مُلتفت إلى مُسبب الأسباب الذي لا يموت ولا يغيب، فمهما سُدّت الأبواب فتح ﷲ سواها ما هو خير منها وأحسن عُقبى!
لا تيأسنَّ لبابٍ سُد في طلبٍ
فالله يفتح بعد الباب أبوابًا..
وإذا جمعت هذه الآية: (وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده)، مع قوله تعالى: (فاعبده وتوكل عليه)، وقوله جل في علاه: (وتوكل على العزيز الرحيم * الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين) أدركت أن أعمال القلوب تغذّيها كثرة العبادة، فكيف للسالك أن يطلب مقامًا عليًّا في تلك المنازل ورصيده خاوٍ من العبادة؟!
ثم إذا تأملت هذا الحديث: (إنّ نبيّ الله نوحًا لما حضرته الوفاة قال لابنه: آمرك بسبحان الله وبحمده؛ فإنها صلاةُ كل شيء، وبها يُرزق الخلق)، علمت أن أسرار التسبيح لا يحيط بها علم ولا إطالة تأمّل، فالرزق -الذي هو غاية التوكل عند كثير من الناس- ليس مقيدًا بحركة الجوارح وسعيها في الأسباب الظاهرة، بل هو معلق بفيض التسبيح وما يحدثه في القلب من أسباب باطنة، فالسعي طَرقٌ للأبواب، والتسبيح مفتاحٌ تفتح به المخلوقات مغاليق أقدارها.
لك الحمد لا أذكر منك إلا الجميل ولا أرى منك إلا
التّفضيل خيرك لي شامل وصنعك لي كامل ولطفك بي كافل ونعمك عندي متّصلة وفضلك علي متواتر، فلك الحمد حمدًا متواليًا يدوم بدوامك لا يبيد
لا إله إلا الله عدد ما خلق، ولا إله إلا الله ملء ما خلق، ولا إله إلا الله عدد مافي السماوات ومافي الارض، ولا إله إلا الله عدد ما أحصى كتابه، ولا إله إلا الله ملء ماَ أحصى كتابه، ولا إله إلا الله عدد كل شيء، ولا إله إلا الله ملء كل شيء.
الله من يبعث الأنس لروحك، الله من يسكب السكينة بقلبك، الله من يلملم ركام روحك، الله من ينتشلك من قاع البلاء، الله من يضيء لك ما أظلم من دهرك، الله من ينهض بك إذا خذلتك الأرواح، الله معك وإن توشحت بالوحدة، وهو خير سند إذا عزّ السند، فمتى ما استقمت لله؛ استقام كل شيء بميادين حياتك.
العلاقة مع الله مدهشة للغاية! علاقة آمنة ومطمئنة، لا يمكن أن تواجه فيها خذلان ولا وجع ولا كسر، وكلما اقتربت من الله كلما زادك حفظًا وحرسًا وأمنًا، وأنار لك البصيرة وجنّبك السوء وأهله .. العبد الصالح غالٍ عند الله!