عن مسألة اقتباس العلم من الجن
هذه النظرية حاججتُ عنها جزئيا في كتابي "مستقبل الخوف" المطبوع في 2020، ولم تلق اعتراضًا معتبرًا، لكن نطقي بعبارة عابرة عنها في حلقة قبل يومين كان فرصة لا تعوّض لتوظيفها في الهجوم المسعور لاغتيال شخصيتي، والذي أطلقته عصابة من الأطباء بعدما ذكرتُ أن هلوسات الفصام والذهان هي أعراض المس الشيطاني المنصوص عليها في الإسلام والمعترف بها في كل ثقافات وأديان العالم قبل طغيان المنهج المادي. ومع أن هذه النظرية ليست في صلب اهتماماتي البحثية ولا في صلب معركة الأطباء معي شخصيا فلا بد من هذا البيان الموجز:
1- النظرية ليست نظرية دينية، ولا تمس عقائد الناس، وليست من مسائل الولاء والبراء، وثبوتها أو بطلانها لا يؤثر في شيء مما يتعلق بالمس الشيطاني والاستحواذ والسحر.
2- لم أطرح النظرية على أنها حقيقة، ولم أقل إن رؤيتي لها مكتملة، وما طرحته عنها ليس إلا جزءًا مما توصلتُ إليه، وما زالت شواهدها تتراكم لدي مما يتطلب تفرغًا للنظر والترتيب.
3- النظرية لها مقدمات شرحتُها باستفاضة في حلقات مفصلة، وأهم المقدمات أن الجن ليسوا كائنات دينية، وأن ما جاء في النصوص الدينية عنهم هو المتعلق بالشياطين الذين يشكلون جزءًا من جنس الجن، وأن التواصل بين جنس الإنس وجنس الجن -الواسع وغير المقتصر على الشياطين- لا يقتصر على الوسوسة، وأن الجن (بما فيهم الشياطين) ليسوا عالة على الإنس وأن حياتهم ليست مقتصرة على السعي لتضليل الإنس بهدف منعهم من دخول الجنة، وأن الجن كائنات مكلَّفة سابقة في الوجود ولها مزايا شُرحت في حلقة مفصلة ومنها قدرة الاطلاع على جوانب تخفى عن جنس الإنس، وأن الكون له أبعاد متعددة وله جانب روحي غير مرئي ولا محسوس لجنس الإنس، وأن للجن شعوب وطبقات وحضارات وعلوم ومعارف، وأن لعالمهم قوانين روحية لا تنطبق على عالمنا.
4- النظرية تستشهد باستعانة سليمان عليه السلام بالبنائين والغواصين من مردة وعفاريت الجن، وتحاول فك بعض ألغاز الحضارات القديمة التي لم تُخفِ تداخل علومها الهندسية والطبية مع العلوم الباطنية السحرية. وهذا باب واسع جدا من البحث الذي يُصنّف مسبقا في المنهج العلمي المادي على أنه خرافة، وما زال موثقا في أدبيات الطوائف السرية والغامضة Occults مما كُشف ونُشر للباحثين في العصر الحديث، ولا شك في أنها تتضمن أساطير خرافية ينقضها الوحي والعقل، لكن الكثير منها هو علم له حقيقة وليس وهمًا، وهو مما أدرجه ابن خلدون في العلوم المحرّمة شرعًا وإن كان بعضها محل خلاف ليس هذا مقامه ولا أقول فيه برأيي. وقد كانت العلوم الروحية والمادية سابقا متداخلة فلا تميز الفلسفة (الحكمة) بينهما، لكنها تُخفي الجزء الأهم من أسرارها عن العامة وتُستخدم غالبا في الشر والسيطرة.
5- النظرية لا تستهدف كشف شيء من أسرار العلوم المحرمة للعوام، بما فيهم حملة الشهادات العليا من أطباء وغيرهم ممن لا باع لهم في كل ما سبق، بل تهدف في شق منها إلى بيان خطر توسيع قاعدة المعتقدات والممارسات الباطنية.
6- النظرية تتعرض فقط للجانب المادي من التبادل المعرفي بين جنسَي الإنس والجن.
7- إن ثبتت النظرية فهذا لا يعني أن المنهج المادي خرافي أو سحري، لأنها تنطلق أساسا من نفي حصر الوجود بجوهرية المادة.
8- إن ثبتت النظرية فهي لا تنزع شيئا من حقول العلم التجريبي من يد المشتغلين بالمنهج المادي ولا تضعه في خانة الدين، لأن منطلقات النظرية لا تزعم أن الجن كائنات دينية بل هم جنس مماثل للبشر وقادر على البحث والتعلم ويعيش في بُعد غير مرئي.
9- إن ثبتت النظرية فهي لا تغيّر شيئًا من صحة مخرجات العلم التجريبي، ولا تنقله من خانة العلم إلى الخرافة، ولا تقول إنه باطل أو محرّم شرعا.
10- النظرية تبحث في هوية بعض المكتشفين وواضعي النظريات العلمية وفلسفة العلم والمناهج فقط، وليس في صحتها أو بطلانها، ولا تناقش أي بُعد أخلاقي.
11- إن ثبتت النظرية فكل ما سينتج عنها هو الاعتقاد بأن جزءًا من النظريات العلمية والفلسفات نُقلت إلى أفراد من جنس الإنس عن أفراد من جنس الجن، وهذا لا يختلف في شيء عن الاعتقاد بأن فكرة الوثنية (عبادة الأصنام) وُجدت لأول مرة في جنس الإنس على يد شياطين من الجن كما جاء في الحديث الصحيح. الجزء الأول متعلق بنظريات علمية وفلسفات فكرية والجزء الثاني متعلق بعقيدة دينية. العنصر المشترك في الجزئين هو نقل أفكار ومعلومات من جنس لآخر ولا علاقة له بالصواب والخطأ والحق والباطل والتوحيد والشرك.
12- النظر في احتمال صحة النظرية يستلزم النظر في المقدمات السابقة التي سبق تفصيلها في مكان آخر.
13- مدار النظرية كله قائم على تصوّر عنصرين في غاية البساطة: إمكانية وجود عالِم أو مفكر من جنس الجن، وإمكانية تواصله مع نظير له من عالم الإنس. العقلية التي تفزع من طرح هذه النظرية هي إما تؤمن مسبقا بأن الجن كائنات دينية لا تشبه الإنس، أو تنفي وجود الجن أصلا، أو ترى العلم مجالا مقدّسا ينبغي تنزيهه فقط عن أي مصدرية أخرى. وهذه العقلية لا تجد غضاضة أبدًا في الإقرار بإمكانية صحة النظرية كلها لو استُبدل عنصر الفضائيين بالجن فقط، فلا يمانع الكثير من كبار العلماء اللادينيين الغربيين في ترجيح وجود كائنات عاقلة في مكان ما من الكون، ولا يرفضون مسبقا احتمال وجود تبادل معرفي سابق أو حالي أو مستقبلي. المشكلة الوحيدة هي ربط الجن بالدين.
14- إن لم يقتنع شخص ما بالمقدمات السابقة فعلى الأرجح لن يقتنع بالنظرية، وعدم اقتناعه بشيء مما سبق لا يؤثر في عقيدته ولن يمس شيئا من حياته اليومية.
15- لستُ متفرغًا حاليا لإعادة ترتيب كل ما لدي من شواهد لهذه النظرية، وليست لدي خطة حاليا لعرضها كاملة في كتاب أو حلقات، وهي ليست من الأولويات.
16- منذ بدء طرحي للمسائل المتعلقة بعالم الجن قلتُ إني باحث متواضع أسعى للمعرفة بما يتيسر لي، وإني أدعو كل الباحثين المهتمين والمتخصصين لإفادتي بما يتوفر لهم لتتكامل المعارف وتنضج الأفكار، وما زال بعضهم يستجيب مشكورًا لدعوتي وما زلت أتعلم منهم. عصابة الطب النفسي وسدنة العلموية لم يهتموا بشيء من طرحي فهم غير معنيّين به، هم فقط استنفروا عندما فتحتُ ملف تداخل الأمراض الروحية مع مجال عملهم فأعلنوا الحرب بعنجهية وبدون أدنى معرفة بموضوع البحث. هم أعلنوا الحرب ولم يطلبوا النقاش وحكموا عليّ بالجهل في مجال تخصصي لاعتقادهم الجازم بأنه تخصص مادي بحت وأن أي زعم آخر هو خرافة تستوجب الحرب.
17- لم ولا ولن أطالب أحدًا بالاعتقاد بصحة النظرية، سواء كان علمويًا أو لا. النظرية أطرحها على منابري الخاصة ولا أرسلها في رسائل ملغومة إلى عناوين أي معبد طبي أو علموي.
18- لم أرفع هذه النظرية لتكون سلاحًا أحارب به عصابة الطب النفسي وسدنة العلموية. وإن ثبت لي بعد استكمال البحث أنها غير صحيحة جزئيا أو كليا فلن يغير هذا شيئا من حقيقة المس والاستحواذ الشيطاني ومن خطأ قصر الأمراض الروحية على الجوهر المادي للإنسان المكون من روح وجسد. النظرية ليست جزءًا من هذه المعركة.
19- المعركة التي أعلنتها عصابة الطب النفسي ضدي تتعلق أساسًا بالمنهج المعرفي وفلسفة العلم ومسألة هل للإنسان والكون جوهر واحد أم جوهران، وهذا النقاش إما تتهرب منه العصابة أو تتظاهر بخوضه مع قدر هائل من العجرفة والاستعلاء والمغالطات التي لا تمت للنقاش العلمي بصلة.
20- العصابة التي تشن الهجوم المسعور لم تطّلع على المقدمات السابقة بسبب عقدة الاستعلاء والتصنيف المسبق لكل ما يتعارض مع مسلّمات العلموية على أنه خرافة، وإن قررتْ العصابة الاطلاع عليها فلن تطّلع إلا بهدف البحث عما يمكن توظيفه في المعركة التي قررت خوضها مسبقًا، إما للدفاع عن مصدر رزقها في الطب المادي أو تعصبًا للعلموية سواء كانت علمانية أو متأسلمة.
21- العصابة لم توفر وسيلة قذرة لتشويه سمعتي واغتيال شخصيتي، واستغلالُ عبارة عابرة نطقتُ بها عن هذه النظرية لم يكن سوى فرصة استغلّتها في سياق المعركة لتهييج السفهاء ضدي، وهذا البيان لن يغيّر شيئًا في العقليات المتعصبة ولن يدفع العدوان، والصراع بين الحق والباطل مستمر حتى نلتقي عند الميزان للحساب النهائي الذي خُلقنا له.