حين يرى الله وجع انتظارك ونيّتك تفيض بالخير لغيرك، يطوي لأجلك مسافات الفرج، ويسكب جميل الأقدار والقلوب في دربك لتضمّدك دون أن تنطق، ويذيب خفيّ غصاتك بيقين ينسيك مرارة السنين؛ فسلامة صدرك هي بوابتك لدهشة لا تنتهي، وهو وعدٌ من الله إذ يقول: "إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا"
اللهم لا اعتراض على كل ألم، فكم جبرتَنا، وكم سترتَنا، وكم أعطيتَنا فوق ما نستحق.
نؤمن أن في كل تأخيرٍ حكمة، وفي كل منعٍ عطاءً خفيًّا، وفي كل أمرٍ كتبتَه خيرًا وإن خفي علينا وجهه.
فالحمد لله على ما أعطى، والحمد لله على ما منع، والحمد لله حتى يطمئن القلب إلى حسن تدبيره.
ما بين أمنيةٍ لم تكتمل، وبابٍ لم يُفتح، وموعدٍ لم يحن بعد؛ يبقى اليقين بالله أجمل ما نملك.
فاللهم ارزقنا رضًا يسبق العطاء، وطمأنينةً لا تهزّها الأقدار، ويقينًا بأن ما اخترت لنا هو الخير كله.
فأدركتُ تمامًا أن ذاك الألم الكامن، الذي يزن الجبال في الصدور، له موعدٌ مع انشراحٍ إلهي لا يبقي غصة، فاليقين الذي استقر في الوجدان أن العسر مهما تعاظم، يظل محاصراً بـ يسرين.. وعدٌ لا يخلف، وربٌ لا يترك قلباً لجأ إليه."
ثمة تراتيل تتجاوز الآذان لتستقر في عمق الندوب، تماماً كما وقعت في قلبي اليوم سورة الضحى.
تجسدت مواطن الضعف البشري في ثنايا الآيات، وكأنها تلامس كل حيرة، ووحشة، وضيق كتمته النفس.
ولكن، ما إن تلتها سورة الشرح، حتى انجلت كثافة الألم؛ فالله الذي أقسم بالضحى والليل إذا سجى ليطمئن نبيه ﷺ، هو ذاته الذي تكفل بـ شرح الصدر الذي لا يعلم ضيقه سواه.
إنه الانتقال الرباني من احتواء الضعف إلى فيض اللطف.
بين شموخ الساعة وهيبة الكعبة؛ يدرك اللبيب أن الزمن وعاء لا يكتسب قيمته إلا بما يوضع فيه. فما قيمة ساعة تمر دون سجدة تمنح الروح استقرارها، أو فكرٍ يمنح العقل رشادَه؟
هنا في مكة، الساعة تخبرك كم مضى، والكعبة تخبرك أين الوجهة؛ فلا ضياع لوقت عمره عبادة، ولا قيمة لعمرٍ بوصلته تائهة.
نحنُ لا نُحبُّ لنشقى، بل لنكتمل؛ فإذا استحالَ الحِصنُ ثقباً يمرُّ منه الأذى، صارَ الهدمُ واجباً والرحيلُ حياة.
لا تستند إلى سياجٍ يُبددُ طمأنينتك؛ فالفضاءُ الواسعُ رغم وحشته، أرحمُ من مأوًى يضيقُ بساكنيه.
في خلوة المسير، تزدحم من حولك آلاف الشواهد؛ أشجارٌ، وجبالٌ، وحصىً.. كلها أوعيةٌ تَدخرُ أثرك.
فلا يكن خلوُّ المكان دافعاً لغفلة الرُّوح، واجعل من صمتِ العبور ضجيجاً بالذكر؛ لتكون "بقاعُ الأرض" غداً هي مُحاميك لا خصمك.
الأرضُ تحفظُ أسرارَ عابريها.. فأيُّ أثرٍ ستتركه في ذمةِ المكان؟
ذروة المكابدة؛ أن تدعو باقتلاع ما استوطن الحنايا، فإذا بدت بوادر الإجابة غشيك ذهول بين غبطة النجاة ولوعة الفقد.
فلا يدري القلب: أيُزف الخلاص أم يرثي الألفة؟
لكنه اللطيف.. يسلُّك مما تهوى ليجبرك بما تستحق، وإن تأخر الجبر ففي غيب الله وعد آت، يتوج سعيك برضىً يسكن أركان الروح.
أعظمُ النِّعم قلبٌ يحتويك، وكتفٌ يسندك، ويدٌ تشدُّ أزرك؛
غيرَ أنَّ كمالَها أن تُوقن أن الذي يؤويك حين ينقطع بك السبيل،
ويجبرك حين يَثْقُل المسير ويُكسَرُ الخاطر،
هو الله.
فكلُّ استنادٍ على غيره ميل،
وكلُّ احتواءٍ دون عنايته عَرَضٌ زائل.
هو الذي يزرع لك في قلوب عباده رحمةً
هي في أصلها فيضٌ من رحمته،
ويُسخِّر لك السند لتعلم أنك بعينه التي لا تنام،
وبركنه الذي لا يُضام.
وكما يأفل كل حضور كثيف، و كل لمعانٍ مبهج، يأفل كل ما اعتبرناهُ حقيقي، وأبديّ، يهذبنا تبدل الأحوال، وغياب الجمال في ما ألفناه، لكنك تسعى، أن لا يأفل قلبك.
كل الذين يعجزون عن البوح، ولايبادرون بمشاركة خصوصياتهم!
مدينون لأولئك الذين يحفّون مخاوفهم بالسؤال، ويحتضنون اهتماماتهم بسعادة، ويتلمسون احتياجاتهم بسخاء، ويسعدون بإنجازاتهم كما لو كانت أهم مافي الدنيا.
جزاهم الله خير الجزاء فوالله لا جزاء يوفيّهم، ولا كلمات تبلغ حقّهم 🌱♥️
"فلرُب خدمة يسيرة يقدمها المرء بإخلااص وتجرّد
يكون لها من الوقع والتأثير ما لا يمكن أن يصفه لسان بليغ! أو قلم أديب!😢
قد لا يُذكر اسمك، لكن الله لا ينسى الأثر!"
"وآمن روعاتي لأن مخاوفي كثيرة، واحفظني من الخسارات لأن قلبي لا يحتمل الخسارة، واحلل عقدة من لساني لأن الكتمان يقف في حنجرتي، ولا تذقني مرارة الفقد لأنني لا أقوى عليه، واجعلني ممن احببتهم في الأرض وفي السماء يا رب."