حين تصلّي على النّبي صلى الله عليه وسلم وأنت تتذكر وجهه المبارك وجمال ابتسامته البهيّة ،وما بذله للناس في حياته، وما ورّثه للأمّة بعد موته ، ثم تتذكّر حين يسجد في الآخرة عند العرش طالباً الشفاعة لأمّته .. حينها سيكون للصلاة والسلام عليه معنى آخر
صلُّوا عليه وسَلِّموا تسليماً
﴿فما ظنكم برب العالمين﴾
هذا السؤال الذي يجب أن يطرق قلوبنا عند كل مفترقات الحياة ..ومعنى أن نظن بالله خيراً ؟! هو أن نتيقن الفرج بعد كل شدة، والمغفرة عند كل توبة، والإجابة لكل دعوة.
إنه أَبِي... سِيرَةُ رَجُلٍ صَنَعَتْهُ الشَّدَائِدُ وَحَفِظَتْهُ الْمَوَاقِفُ
الأب والمربي.
كان أبًا لخمسة أبناء وابنتين.
لم يكن يريد لنا أن نعيش على اسمه أو رتبته، بل كان يريد لكل واحد منا أن يصنع مكانه بنفسه.
ربانا منذ صغرنا على أن الاسم مسؤولية قبل أن يكون مصدر اعتزاز، وأن قيمة الإنسان لا يصنعها اسم أبيه ولا منصبه ولا ماله، وإنما أخلاقه وعمله ومواقفه.
علّمنا احترام الكبير، والرحمة بالصغير، وإكرام الضيف، وصلة الرحم، والوقوف مع المحتاج، وحفظ حقوق الآخرين، والوفاء لمن صنع معنا معروفًا. وغرس فينا الاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية. وعلّمنا أن الرجل يُعرف عند المواقف، وأن الكلمة حين تخرج تصبح مسؤولية، وأن المعروف لا يحتاج إلى إعلان. وعلّمنا أن الكرامة لا تعني التعالي، والتواضع لا يعني الضعف، والحزم لا يتعارض مع الرحمة.
لم يرد أن تكون رتبته طريقنا، ولعل تجربته مع اليُتم وبناء نفسه منذ الصغر جعلته أكثر حرصًا على أن نتعلم الاعتماد على أنفسنا.
لم يربنا على أن نقول: «والدنا العميد سعد بن مريف» لنفتح بذلك الأبواب.
بل كان يريد أن تفتح لنا أخلاقنا وعلمنا وعملنا وإنجازاتنا أبواب الحياة.
كما كان يريد منا أن نفهم أن الإنسان قد يرث اسمًا يعتز به، لكنه مسؤول عن المحافظة عليه وأن يضيف إليه بدل أن يكتفي به.
ومع تقدم العمر أدركت قيمة هذا الدرس أكثر؛ فالوالد يستطيع أن يفتح لأبنائه أبوابًا باسمه، لكن الأب الحكيم يعلم أبناءه كيف يفتحون الأبواب بأنفسهم.
وما علّمنا إياه… رأيناه يفعله، وهذا ربما أجمل ما بقي من تربيته.
لم تكن المبادئ عنده كلمات يقولها لنا ثم تنتهي. حين علّمنا الكرم، رأيناه يكرم من يعرف ومن لا يعرف. وحين علّمنا الوقوف مع الرجال، رأينا أثره فيمن عملوا معه ومن قصدوه. وحين علّمنا الوفاء للقبيلة، رأينا القبيلة ترد له الوفاء.
وحين علّمنا المسؤولية تجاه من يكونون تحت قيادتنا، كانت إصابته في ميدان التدريب شاهدًا على أنه عاش هذا المبدأ قبل أن يحدثنا عنه. وحين علّمنا أن الإنسان يصنع نفسه بعمله، كانت حياته كلها الدليل:
طفلٌ يتيم، وشابٌ صغير السن يدخل العسكرية جنديًا، ثم أكثر من أربعة عقود من الخدمة، ومشاركات عسكرية ومهام ميدانية، وإسهام في تأسيس مدرسة المظلات، حتى بلغ رتبة عميد.
ولهذا أستطيع أن أقول اليوم:
لم تكن تربيته لنا مجموعة وصايا؛ كانت حياته أمامنا هي الوصية.
خمسة أبناء وابنتان… وما هو أبقى من الميراث
نحن أبناؤه الخمسة وابنتاه لم يكن مطلوبًا منا أن نكون نسخًا منه.
لكل منا طريقه وحياته واختياراته. لكن ما أراد أن يجمعنا عليه كان أهم من تشابه الطرق:
المبدأ.
أن نحفظ ديننا ووطننا وأهلنا، وأن نصون كرامتنا دون تكبر، وأن نعمل دون اتكال، وأن نرد المعروف، ونصل الرحم، ونكرم الناس، ونقف مع المحتاج، ونتحمل مسؤولية اختياراتنا.
ومع مرور السنوات اكتشفنا معنى ربما لم ندركه ونحن صغارًا:
الإرث الحقيقي للأب ليس فقط ما يتركه لأبنائه… بل ما يتركه في أبنائه.
وهذا، في نظري، أعظم ما تركه لنا.
ليلة السابع والعشرين
بعد رحلة طويلة من الحياة والعمل، جاءت الخاتمة التي بقيت محفورة في ذاكرتنا.
انتقل والدي إلى جوار ربه في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك عام 1419هـ، وكان صائمًا.
رحل بعد حياة بدأت باليُتم، ثم الكفاح، ثم رحلة عسكرية امتدت لأكثر من أربعة عقود؛ وبين البداية والنهاية كانت هناك حياة كاملة من العمل والميدان والقيادة والشجاعة والكرم والوفاء وتربية الأبناء.
ولا نزكي على الله أحدًا، وإنما نسأل الله أن تكون خاتمته في تلك الليلة المباركة وهو صائم من بشائر الخير، وأن يتقبل منه صالح عمله، ويغفر له ويرحمه، ويجزيه عن وطنه وأهله وكل من أحسن إليهم خير الجزاء.
أبي… ما زال بيننا
مرت سنوات طويلة على رحيله، لكن بعض الآباء لا تحدد حضورهم المسافة بين الحياة والموت.
فهو حاضر فينا نحن أبناءه؛ في بعض قراراتنا، وفي طريقة تعاملنا مع الناس، وفي احترامنا للعمل، وفي وقوفنا مع من يحتاج إلينا، وفي مبادئ لم ندرك قيمتها كاملة ونحن صغارًا، ثم عرفنا مع الحياة لماذا كان حريصًا عليها.
وأنا اليوم أعتز بمسيرته العسكرية، وأعتز بأنه بدأ جنديًا وبلغ رتبة عميد، وأعتز بأنه كان من مؤسسي مدرسة المظلات، وبمشاركاته العسكرية وخدمته الطويلة، وبموقفه حين قدّم سلامة رجاله على سلامته، وبكرمه ووقوفه مع الناس، وبما قدمه لقبيلته حتى رفعت له الراية البيضاء مرتين.
لكنني، بصفتي ابنه، أعتز بشيء ربما يفوق ذلك كله:
أنه كان أبًا ترك في أبنائه مبادئه.
ولم يترك لهم اسمه فحسب؛ بل ترك لهم قيمًا ومبادئ ومنهجًا في الحياة.
هذه بالنسبة لي ليست مجرد سيرة عسكرية.
إنها سيرة أبي.
هُنَاكَ رِجَالٌ تُحْفَظُ رُتَبُهُمْ فِي السِّجِلَّاتِ، وَرِجَالٌ تَحْفَظُ مَوَاقِفَهُمْ ذَاكِرَةُ النَّاسِ؛ وأسعد الرجال من حفظ الوطن خدمته، وحفظ الرجال مواقفه، وحفظ المجتمع معروفه، وحفظ الأبناء مبادئه.
ذلكم والدي، سعد بن مريف آل زيدان الشهري (رحمه الله).
رحمك الله يا أبي رحمة واسعة، وغفر لك، وجزاك عن وطنك وأهلك ورجالك ومن أحسنت إليهم خير الجزاء، وجعل ما قدمته في ميزان حسناتك، وأسكنك الفردوس الأعلى من الجنة.
غبت عن أعيننا، ولكنك بقيت فينا؛ فالآباء الذين يزرعون المبادئ في أبنائهم لا تنتهي سيرتهم برحيلهم، بل يمتد عمرهم في القيم التي تركوها، وفي الرجال الذين أحسنوا إليهم، وفي الأبناء الذين يحملون أثرهم من بعدهم.