من خلال تجربتي ومتابعتي للشأن الديني في عمان، وبصفتي معدا ومقدما لبرنامج «سؤال أهل الذكر» على مدى ست وعشرين سنة -وأسأل الله الإخلاص والقبول- لم ألمس في الخطاب الديني العماني السائد توجها نحو التطرف أو دفع الشباب إلى مناطق الصراع، بل كان الذي وقفت عليه في الغالب هو العكس تماما: خطاب يتسم بالحذر الشديد في قضايا الدماء والصراعات، ويؤكد ضرورة الالتزام بالضوابط الشرعية وعدم الانجرار وراء الدعوات السياسية أو العاطفية التي تدفع الشباب إلى ساحات القتال. كما أن متابعتي للموقف الرسمي تشير إلى حرص الدولة على منع أبنائها من التوجه إلى بؤر الصراع، والتعامل مع من تأثر بتلك الأفكار باعتباره ابنا من أبناء المجتمع يحتاج إلى النصح والتوجيه وإعادة الاندماج، لا باعتباره حالة ينبغي إقصاؤها من المجتمع.
ولم أعرف، طوال هذه المتابعة، دعوة دينية معتبرة في عمان تحث الشباب على السفر إلى بؤر الصراع؛ لأن للجهاد شروطا وضوابط شرعية، ولا يحق لعالم يخشى الله تعالى أن يدفع الشباب إلى ساحات القتال استجابة لنداء سياسي أو تحقيقا لرغبة سياسية. وقد عرف علماء عمان بشدة الاحتياط في مسائل الدماء؛ حتى إنهم يتحرزون من الفتوى بالإعدام في كثير من القضايا التي قد يذهب غيرهم إلى القول به فيها، تعظيما لحرمة النفس وتحقيقا لحق الإنسان في الحياة.
ويعد برنامج «سؤال أهل الذكر» من أبرز البرامج الدينية التي تعمل على ربط الإنسان بدينه، وتعريفه بأحكامه وحكمه ومقاصده التشريعية. وهو يسعى إلى بناء الإنسان تدريجيا ليكون محبا للحياة والخير، مستعدا للآخرة، عاملا على عمارة الحياة وفق المنهج الإلهي. وقد استمر البرنامج ستا وعشرين سنة، وحقق منذ سنواته الأولى مراتب متقدمة في المتابعة بحسب الدراسات الإحصائية التي أجريت حول البرامج الإعلامية. ومع هذا الامتداد الطويل، لم يكن من منهجه ذم المسلمين أو الانتقاص منهم، أينما كانوا، ولم يدفع الناس إلى خوض معارك يرى العلماء أنها تفضي إلى الهلاك.
وحتى في قضية فلسطين، ومع ما تحمله من ألم إنساني وديني بالغ، تكررت الدعوة إلى الشباب بأن تكون نصرتهم من خلال الوسائل المشروعة والآمنة، وفي مقدمتها التبرع بالمال والدعاء، لا الاندفاع الفردي إلى ساحات القتال.
ومن هنا، فإن ما عرفته وتابعته عن النهج السياسي والديني العام في عمان يؤكد رفض التطرف والابتعاد عن الخطابات الداعية إليه، مع المحافظة على الأمن والسلم الاجتماعي وحرمة الدماء. وإذا وجدت حالات فردية من التطرف، فلا يصح تلقائيا اعتبارها تعبيرا عن البيئة العمانية أو مؤسساتها؛ إذ قد تكون هذه الأفكار وافدة من خارج الحدود العمانية، تلقاها بعض الشباب من مصادر وخطابات بعيدة عن البيئة الدينية والاجتماعية المحلية.
أما ما يتم تداوله في وسائل الإعلام بشأن الحادث الأخير، فلا تزال ملابساته بحاجة إلى التحقق، ولا تكفي المعلومات المتداولة حتى الآن لبناء حكم عام أو استخلاص نتيجة تتجاوز الواقعة نفسها. ومنهجيا، لا يصح أن يكون الخصم والحكم واحدا، كما لا يصح الانتقال من واقعة لم تستكمل تفاصيلها إلى حكم شامل على مجتمع أو دولة. ولذلك ينبغي انتظار اكتمال المعلومات والتحقيقات ومعرفة جميع الملابسات المحيطة بالحادث قبل القفز إلى النتائج والأحكام.
﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾
قد نحتاج في هذه الفترة إلى التركيز على طرق الإثبات واعتماد الصحيح مما تتداوله الشبكات، خاصة ما يتعلق بالتعايش والأمن.
في هذه الآية تنبيه معرفي مهم: الكثرة لا تعني الصواب. في عالم اليوم قد تتحول بعض الآراء، لكثرة تداولها في شبكات التواصل وكثرة الإعجابات والمشاركات، إلى ما يشبه الحقيقة المستقرة في أذهان الناس. غير أن شيوع الرأي قديما وحديثا لا يكفي دليلًا على صحته؛ فالقرآن الكريم يلفت إلى أن الحكم ينبغي أن يقوم على الأدلة المناسبة وسلامة الاستدلال وصحة النتائج. أما الكثرة في ذاتها فليست دليلا، وقد تقوم على الظن والتخمين وتكرار المعلومة دون تحقق. ومهما كثر تداول الظن فإنه لا يتحول إلى علم؛ لأن تكرار الدعوى لا يزيد قوة دليلها ما لم يُضف إليه دليل جديد.
وسأُنبّه إن شاء الله على موضوع مهم آخر، وهو الانتقال من الحالة الوصفية إلى الحكم المعياري، والاستعجال في المشاركة المعيارية دون عُدّة معرفية كافية.