…
هذا قبر فتاة جزائرية اسمها «سمية»، توفيت عن عمر 30 سنة.ولا تعرف شيئًا عن أسرتها.
كانت إذا سألها أحد عن حالها تجيب دائمًا: «لاباس عليا»، حتى اشتهرت بين الناس باسم «سمية لاباس عليا».
عاشت سنوات طويلة في دار الرحمة للمسنين، تخدم كبار السن والعجزة وتساعدهم. لم تطلب من أحد شيئًا، ولم تمدّ يدها لأحد، ولم ترجُ من الناس مقابلًا… عاشت حياتها تفعل الخير وتساعد المساكين والعجزة في صمت.
وحين توفاها الله، تكفّل أهل الخير بجنازتها، وشيّعها سكان المدينة في جنازة مهيبة.
فلا تحتقروا أحدًا، ولا تتعالوا على أحد. فقد يكون ذلك الإنسان الذي تنظر إليه باحتقار، أو تتحدث عنه بسوء، أو تراه أقل منك شأنًا، خيرًا منك عند الله وأرفع منك مقامًا.
فالناس يرون الظاهر، أما قدر الإنسان الحقيقي فلا يعلمه إلا الله.
رحم الله سمية، وجعل كل يدٍ أعانتها وكل مسنٍّ خدمته وكل خيرٍ فعلته في ميزان حسناتها.🤲🏼#الجزائر
@L1111L2222 أنا استخدم بيجمانورم يخليها قزازة تلمع بس انتبهي أي غلط استخدام يتهيج ويسمر المكان إذا بتجربينه ابحثي عن طريقته وجربي على منطقة صغيرة لو ناسبك كملي
قراءة في مقال أمل الهزاني @Alhazzani_Amal عن جامعة الملك سعود
يحدث أحياناً أن يكون بعض الكتّاب مَلَكيين أكثر من الملك، فيُدبّجون مقالاتٍ دفاعية عن قرارٍ بثقةٍ تفوق ثقة صانع القرار نفسه. خطر لي هذا وأنا أقرأ مقال الزميلة أمل الهزاني عن إلغاء جامعة الملك سعود لتخصصات اللغة العربية والترجمة والعلوم الاجتماعية. المقال يُقدّم نفسه قراءةً عقلانية لقرارٍ إداري، وهو في حقيقته دفاعٌ مكتوبٌ بثقةٍ عن خيارٍ لم يُكشف منطقه.
لن أُنكر على الكاتبة ما أصابت فيه. ملاحظتها على الجامعات الناشئة في محافظاتٍ صغيرة، وهي تتسابق على افتتاح كليات للطب دون مستشفياتٍ تدريبية ومختبراتٍ لائقة، ملاحظةٌ في موضعها، تَعكس وعياً بإشكاليةٍ أكبر هي التضخم العشوائي للجامعات السعودية. كذلك فكرتها عن التخصص الجغرافي للجامعات: علوم البحار على الساحل الغربي، التعدين في الشمال، الزراعة في القصيم وجازان وبيشة، فكرةٌ سليمة تستحق التطوير لا الجدل.
غير أنّ هذه النقاط تَتحوّل في النص إلى غطاءٍ لقفزةٍ منطقية كبيرة، هي القفزة من «نحتاج تخصصاتٍ حديثة تواكب التحولات» إلى «إذن نُلغي اللغة العربية والترجمة والعلوم الاجتماعية في أعرق جامعةٍ في المملكة». الإضافة شيء، والإلغاء شيءٌ آخر، والخلط بينهما خللٌ في صلب المسألة لا تفصيلٌ هامشي. هارفارد التي استشهدت بها الكاتبة لم تُضف علوم الحاسب على حساب قسم الأدب الإنجليزي، وستانفورد لم تَفتح كليات الذكاء الاصطناعي بإغلاق كلية اللغات الكلاسيكية. الجامعات العريقة في العالم تتوسع، لا تُقايض.
أمّا البقعة العمياء الكبرى في المقال، فهي التغافل التام عن الدلالة الرمزية للقرار. أن تُلغى أقسام اللغة العربية والترجمة والعلوم الاجتماعية في جامعة العاصمة وأكبر جامعةٍ سعودية، في بلدٍ يضع الهوية والتراث ركيزتين معلَنتين في رؤية ٢٠٣٠، قرارٌ لا يمكن قراءته قراراً إدارياً محايداً. أقسام العلوم الاجتماعية تُنتج التفكير النقدي في المجتمع والثقافة والتاريخ، وحين تختفي من هذه الجامعة بالذات، فالأمر يَستدعي سؤالاً أعمق من سؤال الميزانية. لكنّ المقال يَمرّ على هذا الجانب مرور الكرام.
الحجة المالية نفسها، حجة التمويل والاستقلال الذاتي، تُستخدم في النص انتقائياً. صحيحٌ أنّ وقف هارفارد يَتجاوز ٥٦ مليار دولار، وأنّ أصول جامعة الملك سعود لا تَتجاوز ٢٫٥ مليار. لكنّ الجامعة لا تعمل في فراغٍ مالي. هي في دولةٍ فيها صندوق استثماراتٍ عام بمئات المليارات، وتُنفق مبالغ ضخمة على نيوم والقدية ومشاريع البحر الأحمر. القول إنّ الجامعة «لا تستطيع» تمويل كليات الإنسانيات قولٌ ينقصه الحصافة؛ والأدق أنّها لا تُمنح هذا التمويل، وهذا اختيارٌ في الأولويات لا قَدَرٌ مالي صلب.
ثم إنّ النموذج الأمريكي للجامعات الخاصة ليس النموذج الوحيد المتاح للمقارنة. الجامعات العامة في فرنسا وألمانيا وهولندا كلها ممولةٌ من الدولة، وكلها تُحافظ على إنسانياتها. القياس على هارفارد وييل وستانفورد دون غيرها يُمرِّر فرضيةً ضمنية لم تُناقش، هي أنّ خصخصة الجامعة قَدَر. وهذه الفرضية ليست بريئة. هي قرارٌ في كيفية تَخيُّل الجامعة العامة، يُختصر فيه نموذجٌ واحد وكأنّه قانون طبيعة.
ثم يقع المقال في تناقضٍ داخلي. تقول الكاتبة إنّ القرار «لا يعني أنّ الجامعة تتطلع فقط للتخصصات التي لها حظوة في سوق العمل»، ثم تَذكر بعد أسطر أنّ وزارة التعليم لديها دراساتٌ حول ترشيد الأقسام «التي يَرفع خريجوها نسبة البطالة». فأيّهما الصحيح؟ إن كان السبب البطالة، فهذا اعترافٌ بأنّ منطق السوق هو الحاكم فعلاً، ويُناقض النفي السابق. لا يمكن للحجّة أن تَنفي الشيء وتُثبته في صفحةٍ واحدة.
ومن المغالطات المنطقية الواضحة في المقال ما يُعرف منطقياً بمغالطة «أنتَ أيضاً» (Tu Quoque)، حين قالت الكاتبة إنّ المعترضين لن يَنصحوا أبناءهم بدراسة هذه التخصصات. صحة الدفاع عن قيمة التخصص لا تتوقف على ما يَنصح به المرء أبناءه. الأب قد لا يَنصح ابنه بأن يصبح شاعراً، وهذا لا يَنفي حاجة المجتمع إلى الشعراء. الانزلاق إلى هذا النوع من الجدل يُضعف الحجة ولا يَخدمها.
وسؤالٌ آخر يَتجنّبه النص: التناقض بين هذا القرار ومسار انفتاح المملكة على العالم. الدولة اليوم تستضيف القمم وتُوقّع الصفقات وتَدخل في تعاونٍ ثقافي وإعلامي عالمي، ثم تُلغي قسم الترجمة في أبرز جامعاتها. مَن سيُترجم خطاب الدولة وأدبها وفكرها إلى لغات العالم؟ السوق الخاصة وحدها؟ الترجمة الجادة لا تَخرج من المكاتب التجارية، بل من تقاليد أكاديميةٍ مستقرة. كذلك إلغاء قسم اللغة العربية في بلدٍ لغته الرسمية العربية وقرآنه عربي، يَستدعي تساؤلاً لا تَطرحه الكاتبة ولا تُلمح إليه. ثم إنّ نماذج اللغة الكبرى التي تُعيد اليوم تشكيل إنتاج المعرفة تُغذَّى بمحتوىً رقمي، والمحتوى العربي الأكاديمي الجاد فيها شحيح. كان يُفترض أن تكون أقسام الترجمة والمعجمية الحاسوبية رافداً لبناء ذكاءٍ اصطناعي عربي، لا أن تُلغى في اللحظة التي يَحتاج فيها هذا المسار أكثر من أيّ وقتٍ مضى.
تَبقى فكرة «الاكتفاء الذاتي» للجامعة العامة، وهي فكرةٌ تَستحق نقاشاً مستقلاً لا تَمريراً عابراً. الجامعات العامة في العالم تُموَّل لأنها صالحٌ عام، وقياس نجاحها بقدرتها على تمويل ذاتها قياسٌ مستوردٌ من منطق الشركات. وتقديم هذا التحول كأمرٍ واقعٍ مفروغٍ منه، دون تساؤلٍ عن جذره ولوازمه، من أبرز ما يَجعل مقال الزميلة أقرب إلى التبرير منه إلى التحليل.
ختمت أمل الهزاني مقالها بقولها إنّ «إغلاق النافذة لن يُوقف هبوب رياح التغيير». كلامٌ صحيح. لكنّ السؤال الذي تَجنّبه المقال أهمّ من سؤال إغلاق النوافذ: في أيّ اتجاهٍ تَهبّ هذه الرياح؟ ومَن يُمسك بدفّتها حين تَهبّ؟
يَنسى، أو يغفل، أو يتناسى من يطالبون بإغلاق الأقسام الإنسانية، وفي مقدمتها قسم اللغة العربية، أنهم لولا هذه العلوم لما أحسنوا طرح رأي، ولا مناقشة فكر، ولا فهم تجارب سابقة، ولا قراءة واقع اجتماعي راهن. فالعلوم كلها محمودة، ونسأل الله أن يزيدنا علمًا ونفعًا، وإنما المعيار الحقيقي: كيف نُفعّلها، وكيف نحسن الإفادة منها.