أقسى ما قد يُبتلى به الإنسان الحنون، أن يُؤلَف عطاؤه حتى يُنسى فضله، وتُؤلَف تضحياته حتى تُحسب عليه واجبًا، ويُؤلَف صبره حتى يُظنّ به ألّا ينفد، ويُؤلَف وجوده حتى يتوهّم الآخرون أنّه باقٍ مهما أساؤوا.
ثم تأتيه لحظةٌ يستردّ فيها وعيه من فرط ما بذل، فيلتفت إلى نفسه بعد غيابٍ طويل، فيرى قلبًا أضناه العطاء، وروحًا استُنزفت في سبيل من لم يشعروا بثقل ما كانت تحمله.
وحين يستفيق الحنون، لا يثور، ولا يعاتب، ولا يستجدي اعتذارًا؛ فقد تجاوزت به الخيبة موضع العتاب. إنما يطوي يده عن العطاء، ويكفّ عن التماس الأعذار، ثم يمضي في هدوءٍ يليق بمن أنهكه البقاء.
فأشدّ ما في رحيله أنه لا يأتيك غاضبًا كي تسترضيه، ولا منكسرًا كي تشفق عليه؛ يأتيك هادئًا، مكتفيًا، وقد انطفأت في قلبه تلك الرغبة القديمة في أن يفهمه أحد..
”كلما زاد العمر، أيقنت أن هذه الحياة لا تستحق كل هذا الألم ترحل متاعب وتأتي غيرها، تموت ضحكات وتُولد أخرى، يذهب أناس ويأتي آخرون مجرد حياة“
— غازي القصيبي