67 عاماً..
رأى بها العراق نهر الدم الجاري المتدفق حتى اليوم، لا لشئ، سوى لأن رثاً خائناً قذراً لا يؤتمن قرر أن يملأ عقدة الدونية التي في نفسه بقتل حفيد مؤسس الدولة العراقية وإبادة عائلة كاملة من الرجال والنساء العُزل..
لا لشئ سوى لأنه أراد أن يكون مكان الله على الأرض بسنه الفضي البائس وخلفيته الجائعة المزدراة المتعطشة لكل ما هو رث..
لقد قرر أن يسرق كل شئ، العرش، السلطة، المنجزات، الخطط المستقبلية للإعمار، ثم ارتد على علاقات الدولة العراقية الخارجية المتميزة ليهدمها بهدمه لحلف بغداد ويضع قوة العراق الدولية تحت سرفات الدبابات التي اشتراها الملك بقوت الشعب ليحمي بها مملكته الشابة، فخان الجربوع مليكهُ وأدار تلك الدبابات صوب قصر الرحاب..
حين كان الانكليزي يجثم في العراق، كان استقلال البلاد يؤرق مؤسس الدولة جلالة فيصل الأول، حتى انتزع الاستقلال منه بالقوة والسياسة، ليصبح العراق أول دولةٍ عربية تنال الاستقلال على أرضٍ لازال يحسدهُ عليها القاصي والداني، فضم الموصل، وطوق بلاده بخارطةٍ هي خير ما حصلت عليه بلادٌ عربية من تحت أقلام سايكس بيكو..
قاتَل جلالة فيصل الأول لتستقل بلاده، ولتدخل عصبة الأمم كأي أمة أخرى ذات سيادة، واستقل بالعملة الوطنية عن الباوند والروبية، فصنع واحداً من أقوى العملات في العالم أسماه الدينار، تيمناً بدينارِ بني العباس، ولازال إلى اليوم..
العراق الذي تركه العثمانيون ومن بعدهم الحرب العالمية الأولى عبارةً عن بقعة تائهة متخلفة تعيش عليها قطعان من البشر لم يرُق لجلالة المؤسس والملكين من بعده، فأدخل الطرق والجسور وأنشأ المستشفيات وصنع الموانئ وأنشأ محطات الكهرباء والسدود والمطارات وأدخل السيارات، أسس الجيش والشرطة والقوة الجوية والخطوط الجوية، يذكر المؤرخون، إنه في عام 1925 لم يكن في العراق سوى 88 مدرسة، في كل العراق، لكنه في عام 1941 أصبح لدى البلاد 5423 منها في كل المحافظات!
استوردت الأسلحة الحديثة للقوات المسلحة، ورغم العلاقة المتميزة بين بغداد ولندن، إلا أن المملكة قررت أن تدخل حرب فلسطين 1948، وحاربت هناك بكل بسالة، لأن الدم العربي في عروق ملوكها هو الأصل والاساس، وبذلك ألجموا ألسنةً عفنة وأفواهاً متقيحة تقولت عليهم أنهم عبيدٌ للانكليز، فيما لم يقم ذو السن البائس بأيِّ دورٍ ضد مصالح بريطانيا واسرائيل في المنطقة العربية..
حين جاء فيصل الثاني بعمر 18 سنة، كان يحملُ حماس الشباب لرؤية بلاده تناطح السماء، استورد المصانع، افتتح المشاريع الستراتيجية، رفع الإنتاج الزراعي، أنشأ الخزانات، طور المدارس، علق الجسور، ووضع تحت يده قائمةً طويلة بالمشاريع الملكية، سيساعده العالم في حلمه، فهو صديق الجميع، صديقُ الغرب والشرق والعرب، وفوق كل ذلك كان شاباً ذواقاً بكل ماللكلمة من معنى، فأراد لبلاده أن تكون أنيقة بتعليمها ولغتها وشوارعها ومنشآتها واسلوب حياتها، كان مولعاً بالتقدم، فأطلق أول تلفزيون عربي عام 1952، وباشر يخاطب شعبه من شاشته..
كان ألفُ حسابٍ يُحسب لبغداد، تترجاها الأردن بأن تكون مدمجة بها، ويلتمس أمير الكويت موافقة ملكها لكي يصطاف في شمال العراق، ويصدر شاه إيران طابعاً تذكارياً يخلد لقاءه بملكها، ويلتقط مؤسس الجمهورية التركية أتاتورك الصور مع مؤسس دولتها كتذكاراتٍ لاتنسى، وتنتظرُ ملكة بريطانيا العظمى ملوكها في محطة قطار لندن لتستقبلهم بحفاوة..
كنا نسيرُ إلى مستقبلٍ عظيم بالبناء والتطور السريع للغاية، فيما لازالت بلاد العرب رمالاً وجِمال، كانت النسوة في بغداد يقدن السيارات الفارهة، ويعملن في التعليم ويصبحن وزيرات ويشتركن بمسابقات ملكات الجمال، كانت هناك مسارحٌ وأغنيات، ألحانٌ وفنون، متاحفٌ ومكتبات...
حتى جاء ذلك الرث، ليعيد البلاد قرناً إلى الوراء، إلى أيام التكالب على الكرسي والتآمر عليه، إلى أيام سمل العيون وملء السجون وسفح الدم، فأصدر قائمةً بأسماء الشوارع والمنشآت ليغيرها على هواه، وقائمة أخرى لألقابه التي تجاوزت الخمسين، كان مسعوراً لذاته، حتى أنه طلب من النحات جواد سليم وضع صورته في نصب الحرية، ورفضها الأخير..!
هذا هو الدوني حين يكون في السلطة، يملأ البلاد بزهوه بنفسه، غير مصدقٍ بأنه صار هنا، فهو يعلم في قرارة ذاته بأنه ليس سوى صعلوك من الصعاليك لايستحق حتى أن يمسح حذاء من قام بقتله، فيتفرعن، يُجن، ثم يهوي بنيرانِ من فتح الباب لرعونتهم..
لم يأتِ القوميون لولا فعلة قاسم اللعين، ولم يأتِ البعثيون لولاها، ولا الإسلاميون، ولا من سيليهم، هذا من عُلقت دماء العراقيين برقبته، بدءاً من دم ملكهم إلى يوم يبعثون..
رحم الله جلالة الملك، وأسكنه داراً خيراً من داره، ولعن الله قاسماً ومن تبعه ووالاه، ولعنه اللاعنون..
#رسلي_المالكي