أظن أن أكثر ما يُنهك الروح ليس الجفاء، بل أن تُمضي أعوامًا تحرس صورتك في عيون الآخرين.
أن تزيح عن كلماتك ما ليس فيها، وعن نواياك ما لم تحمله يومًا، وعن صمتك التهم التي وُلدت في خيال غيرك.
ومع كل محاولة، لا تخسرهم فقط، بل تخسر شيئًا منك.
ولهذا لا يصمت الإنسان دائمًا لأنه فرغ من الكلام، بل لأنه أدرك أن بعض الحقائق تزداد ابتذالًا كلما اضطرت إلى الدفاع عن نفسها، وأن بعض المعاني تفقد شيئًا من جلالها حين تُساق إلى ساحة التبرير مرةً بعد أخرى.
-وعـد-
أظن أن أقسى أنواع الفقد هو ذلك الذي يمنحك الوقت الكافي لتراه وهو يحدث أمامك، دون أن يمنحك القدرة على تغييره.
أن ترى من تحب يبتعد عن صورته التي اعتدتها، وأن تشاهد الأيام وهي تنتزع منه شيئًا فشيئًا، حتى يغدو الغياب حاضرًا قبل الرحيل.
فهناك أحزان لا تأتي دفعةً واحدة، بل تتسلل بهدوء، تاركةً أثرها في التفاصيل الصغيرة، والصمت الذي يطول، والكلمات التي تموت على عتبة البوح.
وربما لهذا السبب لا نخاف النهايات بقدر ما نخاف ذلك التآكل البطيء الذي يسبقها، حين ندرك أن بعض الأشياء لا تنكسر فجأة، بل تذوب أمام أعيننا على مهل، بينما لا نملك إلا أن نشهد رحيلها البطيء..
-وعـد-
ولأن بعض الكلمات كلما أُعيدت فقدت قدرتها على الوصول. عندها يجلس صامتًا، ويكتفي بالمراقبة من بعيد، محتفظًا بما يعرفه في داخله، تاركًا للأيام أن تكشف ما عجزت العبارات عن كشفه.
-وعد-
الهدوء ليس دائمًا ابن الطمأنينة. أحيانًا يكون ما يتبقّى من الإنسان بعد أن يستنزف كل ما لديه من تفسير واعتراض، وكل ما يملكه من أمل في أن يُفهم كما أراد. لا لأن الحقيقة تبدّلت، بل لأن تكرارها لم يعد يُجدي
يرهقني هذا الوعي المفرط، أن أرى التصدّعات الصغيرة في الناس، النبرة المختبئة خلف الكلام، والبرود الذي يسبق الرحيل،ثم أعجز، رغم كل هذا الفهم، عن إنقاذ نفسي من شيءٍ لا اسم له
-وعد-
أُفرط في العطاء، لا لأن قلبي لا يرهق،
بل لأنني أعرف جيدًا كيف يبدو الإنسان حين يمضي أيامه مثقلًا بشعور النقص،
وأعرف قسوة أن يبحث المرء عن الاحتواء فلا يجد سوى نفسه
-وعد-