لم يكن الفقد مجرد غيابها... كان شيئًا أكبر، كأن روحي خُلقت على هيئة نقص لا يكتمل. كنت أعيش الأيام بوعي مشوش، أحاول أن أبدو طبيعيًا أمام الجميع، لكن داخلي كان في حالة حرب لا تهدأ. كنت أقنع نفسي أن الوقت كفيل بالنسيان، أن الأيام ستُبعد ملامحها عن ذاكرتي، لكن ما حدث كان العكس... كلما مضى الوقت، كلما ازداد حضورها داخلي.
كنت أجلس في زوايا الأماكن التي جمعتني بها، أراقب الفراغ، كأنني أبحث عن أثرها بين الجدران، بين الطاولات، بين الأحاديث العابرة للناس من حولي. لم يكن الاشتياق وحده ما يثقل صدري, بل الأسئلة التي لم أجد لها إجابة... لماذا رحلت؟ لماذا تركت كل شيء وراءها وكأن ما كان بيننا لم يكن؟ لماذا جعلتني وحدي وسط هذا الحطام؟
كتبت عنها كثيرًا، في كل سطر كنت أبحث عن تفسير، عن مبرر، عن لحظة أفهم فيها ما حدث، لكن الكتابة لم تُشفِني كما ظننت. كانت مجرد طريقة أخرى لأعيش الألم من جديد، لأعيد تشكيله بالحروف وأتجرعه في كل قراءة.
أربع سنوات مرّت، ولم يكن الوقت كما يقولون. لم يُخفف شيئًا، لم يُبعد شيئًا، بل عمّق كل شيء. حضورها في داخلي صار أوضح من غيابها، والأسئلة التي تركتها صارت أثقل من أي جواب. أكتب عنها كي أشفى، فأكتشف أنني أعيش الألم من جديد بالحروف، أبحث عنها في الأماكن، في الوجوه، في كل تفصيل عابر. أربع سنوات مرّت، وما زلتُ أتعلم أن النقص الذي تركته ليس شيئًا يُرمّم، بل حياة كاملة أُعيد ترتيبها كل يوم كي أستطيع المضيّ فيها.
مريت مثل السهم مريت .. من لحمي وعظامي وفي لحظة التجريح .. اهتزت اقدامي وربي بغيت اطيح تدري احد جنبي .. يمشي مع الشارع صابه سهم مثلي .. واقبل علي ضايع ناداني من هذا ..؟
رديت ما ادري .. سهم جرح صدرك كله سكن صدري في لحمي وعظامي
يا سهمها الأجمل .. لو صبتني في مقتل روحي فدا عيونك قل لي تبين احلف .. اني بعدك انزف
واتلمس طعوني ما همني التجريح .. ولا المطر والريح يكفي بغيت اطيح .. واهتزت اقدامي
الفصل الأول: نداء القلب:
هناك لحظات لا تختار فيها أن تترك أحدًا، بل تختار أن تترك ما أصبحت عليه معه.”
لم أعتد أن أجبر أحدًا على البقاء، ولم أكن سأبدأ بذلك حينها. لكنني لم أخرج من هذه القصة كما دخلتها… خرجت منها كاتبًا.
كانت هي أول من كتبت عنها، لكنها لم تكن الأخيرة. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت الكتابة ملجئي، أصبحت الحروف رفيقتي، أصبحت أكتب… لأني لم أعد أستطيع فعل أي شيء آخر
مدري وش بيبقى من هالمدينة بعدك،
النهار نفسه صار غريب،
والورد ما عاد له معنى… حتى لونه باهت بدونك.
كنت أشوفك بعيونٍ مليانة حياة،
واليوم أدور هالعيون… وما ألقاها،
يمكن ما ضاعت،
يمكن سافرت معك… وتركتني هنا لحالي.
كل شيء كان واضح يوم كنت قريب،
واليوم حتى ملامحك صارت ذكرى،
كأنك مرّيت بحياتي مرور المسافر،
لا وداع حقيقي… ولا رجعة.
القطار ما تأخر…
أنا اللي تأخرت أفهم،
ولما فهمت…
كان كل شيء قد فات
تسألني: لِمَ لَمْ أُعاتِبهم هذه المرّة كعادتي؟
فأقول: لأنّي كنتُ أُعاتِب حين كان في داخلي شيءٌ يستحقّ البقاء،
أمّا الآن… فلا شيء يستحقّ حتى العتاب.
كنتُ أطرق الأبواب لأجلهم،
واليوم… أُغلقها من جهتي، دون ضجيج، وأمضي.
فالمرء لا يبرد فجأة،
بل يحترق مرارًا… حتى يتعلّم كيف لا يشعر.
العتاب يا صاحبي ليس ضعفًا،
بل محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه،
لكن ليست كل الأشياء تُنقذ،
وبعض العلاقات… لا تُشفى، بل تُستأصل.
ولهذا أنا لا أُصلح هذه المرّة،
أنا أُنهي.
أحمي ما تبقّى منّي،
ولو كلّفني ذلك أن أترك كلّ شيء خلفي.
لستُ ضدّ مراعاة المشاعر،
لكنّي أرفض أن تكون مشاعري هي الضحيّة كلّ مرّة،
ولستُ ضدّ جبر الخواطر،
لكن ليس على حساب كسر خاطري أنا.
قلتُها مرّة، وأعنيها:
إذا وضعتُموني في مقارنةٍ مع أحد…
فلا تختاروني.
أميلُ نحوكِ أغدو قابَ أنفاسِ كما يميلُ نُوَاسيٌّ على الكاسِ وألمحُ الحبَّ في عينيكِ يغمزُ لي فهل أُلامُ إذا استعجلتُ إحساسي؟ ملأتِني بكِ حتى مَسَّني خَجَلٌ من فرطِ ما غازلَتْني أَعْيُنُ الناسِ ما عاد يملأُ رأسي خمرُ دالِيَةٍ صُبِّي جمالَكِ حتى يمتلي راسي! كلُّ النساءِ أحاديثٌ بلا سَنَدٍ وأنتِ .. أنتِ .. حديثٌ لابنِ عبَّاسِ