مقال مهم وفي توقيته |
للأمير تركي الفيصل عن الحرب وموقف السعودية منها.
صحيفة الشرق الأوسط
- العنوان : هكذا نجح محمد بن سلمان
منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من شهر فبراير (شباط) الماضي، تتعالى أصوات إعلامية نشاز في منطقتنا وفي الإعلام الغربي تشكك في موقف المملكة العربية السعودية من هذه الحرب التي بذلت المملكة في البدء جهوداً كبيرة لتجنب وقوعها وجهوداً مكثفة أخرى لوقفها ولإيجاد الحلول الدبلوماسية لها من دون جعجعة واستعراضات ومزايدات وعنتريات، وإخراج المنطقة من هذا الصراع الدموي. إن هذا هو ديدن سياسة قيادة المملكة منذ أسس هذا الكيان المرحوم الملك عبد العزيز.
-لقد اعتمدت القيادة مبدأ أن العبرة بالفعل وليست بالقول. فبينما ذباب التواصل الاجتماعي يطنطن ويصرخ، كانت المملكة تتروى وتصبر وتعمل. وبينما المطبّلون يطبّلون، تسوس المملكة الأمور وتمحصها. والشواهد أمامنا.
فعندما حاولت إيران وغير إيران جرَّ المملكة إلى أتون الدمار، اختارت قيادتنا أن تتحمل جور الجار حمايةً لأرواح مواطنيها وممتلكاتهم.
ولو أرادت المملكة، وهي قادرة على ذلك، أن ترد بالمثل على إيران، ودمرت المنشآت والمصالح الإيرانية، فقد تكون النتيجة تدمير المنشآت النفطية ومحطات تحلية المياه السعودية على طول شاطئ الخليج العربي بل وفي عمق المملكة.
ولو نجحت الخطة الإسرائيلية في إشعال الحرب بيننا وإيران لتحولت المنطقة إلى حالة من الخراب والدمار وخسارة الآلاف من أرواح أبنائنا وبناتنا في معركة ما كان لنا فيها لا ناقة ولا جمل. ولنجحت إسرائيل في فرض إرادتها على المنطقة وبقيت الفاعل الوحيد في محيطنا.
لقد نجحت المملكة بحكمة وبُعد نظر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في تفادي ويلات الحرب وتداعياتها المدمرة، لا بل هي الآن مع باكستان تطفئ نار القتال وتسهم في منع التصعيد وتعطي الأمل لدعاة السلام في أن يطمئنوا على أرواح ذويهم وسلامة مصالحهم. وأما دعاة الحرب فيستمرون في عنجهيتهم ونعيقهم، وقد لا يفطنون إلى أن البساط سُحب من تحت أقدامهم. ولم يترك الأمير محمد بن سلمان لإيران أن تفرق بين أخوة دول الخليج، فعاضد وتضامن مع كل القيادات الخليجية وسخّر لهم ولشعوبهم مسارات التجارة والتمويل عبر طرق ومطارات وموانئ المملكة، بل أكد للجميع أن أمنهم هو أمن المملكة، وأن المملكة ستدعم كل ما يقومون به من خطوات لحفظ أمنهم واستقرارهم. وسوف تبقى المملكة على العهد دائماً مع أشقائها.
هكذا تُساس الأمور وهكذا تَعمل البصيرة. فعلى بركة الله تسير قافلتنا ولتنبح الكلاب بأعلى أصواتها وليعض أعداؤنا على أصابعهم من الغيظ. وكما قال المرحوم بدر بن عبد المحسن:
وإن حكى فيك حسادك ترى
ما درينا بهرج حسادك أبد.
ما يضيق به فكر الجماعة و يكشفه السلوك
في ظاهر الأمر، تبدو الجماعات داخل المؤسسات كياناتٍ عقلانية، تجتمع لتناقش متطلباتها ، وتختلف لتراجع أدائها ، و تفاضل بين الخيارات المطروحة لتنجز أهدافها. غير أن هذا الوصف، على دقته الإجرائية، لا ينفذ إلى الحقيقة كلها. فالجماعة لا تعمل بالمهمة وحدها، بل بما يعتمل في دواخل أفرادها أيضًا، بما تخشاه، و ما تنكره، و ما تعجز عن تسميته من مشاعر. ولهذا فإن كثيرًا مما يبدو تعثرًا تنظيميًا قد لا يكون في جوهره نقصًا في المهارة، بل فائضًا من القلق لم يجد طريقه إلى التفكير الهادئ.
المنظور السايكوديناميكي لا ينظر إلى الجماعة بوصفها مجموعة أفراد فحسب، بل بوصفها حراك نفسي مشترك يتشكل لحظة اجتماعهم حول مهمة عمل. و ما أن يتكون هذا الحراك حتى تبدأ الجماعة في إنتاج دفاعاتها الخاصة. فكل مهمة حقيقية تستدعي قدرًا من التوتر، تقبل الفشل، وانكشاف العجز، وتهديد المكانة، والاضطرار إلى الاعتماد على الآخرين. وهذه ليست تفاصيل هامشية، بل جوهر التجربة الجماعية نفسها. غير أن الجماعات لا تعبر عن هذا القلق صراحة وتسميه ، بل تمثله في سلوكها المكون من مجموع سلوك أفرادها.
بهذا المفهوم، تنشأ ظواهر سلوكية نراها كثيرًا في ديناميكيات المجموعات ونخطئ في قراءتها عادة. خلافات تبدو أكبر من موضوعها، و اجتماعات تنتهي بلا نتائج ، و انشغال بالتفاصيل هربا من مواجهة السؤال الأصعب، و حساسية مفرطة تجاه النقد، أو حاجة ضمنية إلى من يحمل عن الجميع عبء الغموض.
في مثل هذه الحالات، لا تكون الجماعة قد فقدت قدرتها على العمل فقط، بل تكون قد انسحبت، على نحو خفي، من المهمة إلى نفسها. و ما يظهر في السلوك ليس سوى الترجمة الممكنة لما في دواخل أفرادها.
نظرية ويلفريد بيون كانت من أكثر الإسهامات عمقًا في تفسير ما يجري داخل الجماعة حين تتعرض للضغط. فقد ميّز بين جماعةٍ تظل متصلةً بالمهمة، وقادرةً على التفكير والعمل في حدود الواقع، وبين جماعةٍ تنكفئ على نفسها تحت وطأة قلق افتراضات نفسية أولية تتحكم في مسارها من غير وعيٍ منها. فقد تميل إلى الاتكاء على سلطةٍ تراها فيها طوق نجاتها ، أو إلى تصور خصمٍ تُلقى عليه أسباب التوتر، أو إلى التعلق بوعدٍ مؤجل يُتوهم فيه أن الخلاص سيأتي من خلاله لاحقًا. و في جميع الأحوال لا تكف الجماعة عن الحركة، لكنها تفقد بوصلتها.
القيادة، في هذا السياق، ليست إدارة قرار فحسب، بل إدارة معنى. ليست وظيفتها أن تزيل القلق، فهذا مستحيل، بل أن تمنع تحوّله إلى سلوك أعمى. و من يشغل موقع القيادة لا يحتاج إلى الإسراع نحو الإجابات كلما ارتفع التوتر، بقدر ما يحتاج إلى تمكين الجماعة من البقاء مع السؤال الاساس لا الهروب منه. فليس المقصود تبديد القلق بوعود مطمئنة،، و لا دفنه بانضباطٍ شكلي، بل مساعدته على أن يتحول من عبءٍ يُمثَّل إلى مادةٍ قابلة للتحليل المنطقي.
هنا تتضح قيمة السؤال الذي ينبغي أن يسبق كثيرًا من أحكامنا على الفرق والمؤسسات، ما القلق الذي لم هربت الجماعة من أن تفكر فيه، فاضطرت إلى تفريغه في السلوك؟ فهذا السؤال لا يغيّر تفسير السلوك فحسب، بل يغيّر موقفنا منه. إذ ينقلنا من لوم الظاهر إلى فهم الباطن، ومن ملاحظة الأعراض إلى تشخيص الأسباب.
عبدالله بن محسن النمري
لفتني المرفق على لينكدان.. عن طبيعة الموظفين في الشركات:
الموظف السمكة 🐟
•يعمل بهدوء
•يركز على التنفيذ
•يقدّم قيمة حقيقية (مثل الكافيار)
•لا يسعى للفت الانتباه لأن النتائج تتحدث عنه
مقابل
الموظف الدجاجة 🐔
•يصدر ضجيج طوال اليوم
•يبالغ في الكلام
•كل هذا… لإنتاج بيضة واحدة
الخلاصة:
ليس الصوت هو الإنجاز… بل ما تُنجزه فعليًا
نحمد الله سبحانه وتعالى أن أكرمنا بإتمام صيام شهر رمضان المبارك وقيامه، ونسأل الله أن يديم علينا أمننا واستقرارنا، وأن يحفظ أبطالنا البواسل على الثغور والحدود في مختلف القطاعات العسكرية والمدنية.
وكل عام وأنتم بخير، وبلادنا في عز ورفعة.
المسافةُ الآمنةُ في العلاقات
كل علاقةٍ تحتاج إلى قدرٍ من المسافة النفسية، فالقرب المفرط يُذيب الحدود حتى تتداخل الأدوار وتختلط الأصوات، بينما البُعد المبالَغ فيه يُجمّد المشاعر ويُضعف التواصل فتفقد العلاقة معناها.
بين هذين الحدّين تتشكّل المسافة الآمنة ، تلك المنطقة النفسية التي تسمح بالحضور من دون التماهي، وبالانفتاح من دون الذوبان، هي وعيٌ داخليٌّ بحدود الذات يمثل التوازن بين الرغبة في الاندماج والحاجة إلى الاستقلال.
العلاقة الصحية تقوم على إدراك الحدود النفسية بين الأنا والآخر.حين تكون الحدود غير معيّنة ، نتماهى مع الآخر لدرجة حمْل مشاعره وكأنها مشاعرنا، و نخشى غضبه كما نخاف من فقدان جزءٍ من أنفسنا. وحين تكون الحدود معلومة ، نعيش عزلةً مغلّفةً بالبرود، نراقب المشاعر من دون أن نسمح لها بالتأثير علينا، فنبدو أقوياء من الخارج، لكننا من الداخل معزولون عن التواصل الإنساني الحقيقي.
تظهر أزمة المسافة الآمنة في بيئة العمل في صورٍ متعدّدة. فالقائد الذي يقترب أكثر مما ينبغي من فريقه، يخسر قدرته على حسم الأمور، لأن مشاعر الآخرين تتداخل مع قراراته. والقائد الذي يبتعد أكثر مما ينبغي، يفقد ثقة الفريق ويُصبح حضوره شكليًّا لا وجدانيًّا. الذكاء القيادي يكمن في تلك المنطقة الرمادية بين القرب و البُعد التي تمكّنه من أن يُمارس التعاطف من دون تماهٍ، ويحافظ على الحزم من دون قسوة.
في العلاقات الشخصية، تبدو المسافة الآمنة أكثر تعقيدًا. ففي لحظات القرب، تشتعل الرغبة في الامتزاج الكامل بأن نفهم الآخر قبل أن يتكلم، و نعيش معه كل تفاصيله، و بأن نكون مرآةً له. لكن هذا الاندماج العاطفي ، مهما بدا جميلًا، فهو يحمل في داخله بذور الملل . فكلما تلاشت الحدود، تلاشى الشعور بالذات، فيتحوّل الحب إلى عبءٍ متبادل. فالعلاقة الناضجة إذن : هي التي تترك مسافةً بسيطةً تذكّر الطرفين أنهما كائنان مختلفان، وأن اللقاء لا يكتمل إلا حين يبقى في داخل كلٍّ منهما مجالٌ للحرية.
المسافة الآمنة تُشبه الفضاء الذي يسمح للنور بالانتشار فيه، هي حضورٌ بوعيٍ و بمسافةٍ تُتيح الرؤية. حين نقترب أكثر مما ينبغي، تُعمينا التفاصيل عن المعنى. وحين نبتعد أكثر مما ينبغي، نفقد الدفء الذي يمنح العلاقة معناها. المسافة الآمنة تتيح النظر من الخارج من دون الانسحاب من الداخل، هي المسافة التأملية التي تُبقي الوعي حيًّا داخل العلاقة.
يمكن قياس نضج الثقافة التنظيمية في المؤسسات من حدود المسافة بين الأفراد. المنظمات التي تُبالغ في الرسميات تخلق مسافةً دفاعيةً تحمي السلطة لكنها تقتل التواصل. أما المؤسسات التي تُهمل الحدود كليًا تعيش فوضى عاطفيةً تُربك الأدوار وتُضعف الأداء. الثقافة التنظيميّة الفاعلة هي ما يوازن بين الاحترام والقرب، و بين المهنية والإنسانية، وتجعل المسافة أداة توازنٍ لا أداة فصل.
القائد الواعي يدرك أن المسافة ليست ثابتة، بل هي ديناميكيةٌ تتغيّر بحسب الموقف والسياق. ففي الأزمات، تحتاج الجماعة إلى قربٍ يُشعرها بالأمان. وفي فترات النموّ، تحتاج إلى مسافةٍ تمنحها الاستقلال. وهنا تظهر مهارة التنظيم العاطفي، التي هي القدرة على قراءة اللحظة وتحديد المسافة التي تحفظ الانسجام. القائد الذي يُتقن هذه المهارة يُشبه المايسترو، يرفع رِتم النغمات حينًا، و يخفضه حينًا آخر.
المسافة الآمنة ليست مسافةً حقيقية مقاسة ، بل هي احساسٌ واعٍ بالعلاقة .هي إدراكٌ للحدود من دون خوف، وحضورٌ في القرب من دون تلاش. هي الوعي بأن الحب، والقيادة، والصداقة، والعمل ، جميعها تحتاج إلى مسافةٍ تسمح للآخر أن يكون على ما هو عليه من دون تأثير، و تُبقينا في رادار مشاعره من دون اختفاء. فهْم هذه المسافة، يمنح علاقاتنا فرصة أن تزدهر من دون أن تستهلكنا، و يجعلنا نحبّ ونقود ونتواصل، بعمقٍ لا يخنق، وبقربٍ لا يُفقدنا وعينا.
عبدالله بن محسن النمري
رحم الله علم الطائف و وجيهه، طيب السيرة، نقي السريرة، الخلوق الشفوق، ندي الراحتين، و سيدُ أهله.
كان في القيادة رائدا ، وللعمل الخيري رافدا، هاش باش، كأن من يسأله يعطيه ما سأل.
ما زال صدى صوته في الهاتف اذا خابرته قائلا : " هلا ياولدي" " هلا يا حبيبي" في أذني لليوم! وكيف ينسى!
نعم المربي، و الموجه، كنت أزوره فيسأل عن حالي وأحوالي ، و ينصح و يوجه، ثم يدعو لي بالتوفيق.
سألت والدي يوما ،وهو من أصدقائه الخاصين، ما سر نجاح جدي فيصل، فقال لي : فيصل بار بأبيه! وهذا مفتاح نجاحه على ما حباه الله من فطنه ، و كرم، وقبول عند الناس.
رحم الله جدي فيصل و أسكنه فسيح جناته.
" رجال أوفياء من الطائف "
الأستاذ والوجيه والابن البار للطائف فيصل بن محمد حجري النمري
من مواليد ١٣٥٨ هجري الهدا بمحافظة الطائف .
تلقى تعليمه بالطائف وعين موظف بإدارة كهرباء الطائف وتدرج في الوظيفة حتى عين مدير لكهرباء الطائف عام ١٣٩٧ هجري وعمل بعدها فترة مدير لكهرباء مكة ومن ثم عاد للطائف حتى تقاعده في نهاية عام ١٤١٠ هجري وقد كان رحمه الله عضواً في عدة لجان مثل الاوقاف وتقدير العقارات المنزوعة في الطائف وساهم في العمل الخيري في مساعدة الكثير من الأسر في تسهيل إجراءات توصيل خدمات التيار الكهرباء وتسديد رسوم للخدمات، ويعد رحمه الله وجيهاً من وجهاء الطائف ، وقد شارك بشخصه وقيمته وقدره ووجاهته في الإصلاح بين القبائل والمشكلات الاجتماعية وساهم بشكل فعلي كبير في إنهاء الخلافات المستعصية كان رحمه الله لديه القدرة والتمكين من الله في إنهاء الكثير من القضايا الاجتماعية نهائياً.
وتوفاه الله بتاريخ 20/1/1443هـ بمحافظة الطائف رحمه الله رحمة واسعة وغفر الله له ولوالديه وللمسلمين أجمعين.
"اللهم اجعلنا ممن مروا ولا ضروا، وارزقنا الذكر الطيب في الحياة وبعد الممات"، فالأخيار الصالحون تبكي الأرض لفقدهم ، فيصل حجري علم ورمز للعطاء الوطني والخيري بمحافظة الطائف.
تم بحمد الله نشر أطروحتي لدرجة الماجستير التنفيذي في التغيير من إنسياد
بعنوان:
"فحص العوامل النفسية-الديناميكية المؤثرة في أداء قائد فعّال للتغيير في الوزارات الحكومية بالمملكة العربية السعودية: دراسة حالة معالي الدكتور توفيق الربيعة"
I’m pleased to share that my Executive Master in Change thesis from INSEAD:
“An Examination of the System Psychodynamic Factors Influencing the Performance of an Effective Leader of Change in Saudi Arabian Government Ministries: The Case of H.E. Dr. Tawfiq Al-Rabiah” , has been officially published..
https://t.co/w30ZudTalM
عبدالله بن محسن النمري
Abdullah Mohsen Alnimri
رحلة الوعي بالذات
يبدأ التغيير الحقيقي عندما يلتفت الإنسان إلى داخله بعد طول انشغالٍ بالعالم من حوله، فكل رحلة نضجٍ تمرّ بلحظة صمتٍ يواجه فيها الإنسان نفسه بلا أقنعة ، يدرك فيها أنّ ما كان يظنه يقينًا لم يكن سوى محاولةٍ لتجنّب السؤال الأصعب، من أنا حقًا؟ في تلك اللحظة، يكتشف أن معرفته بنفسه ناقصة ، وأنه عاش طويلًا داخل أدوارٍ كثيرةٍ أُجبر على أدائها حتى كادت تُخفي هويته الأصلية. و مع مرور الوقت، يذوب الخيط الفاصل بين ما يمثّله وما هو عليه فعلًا، فيبدأ في تصديق صورته الخارجية المكتسبة أكثر من واقعه الداخليّ الحقيقيّ.
الوعي بالذات لا يعني جَلد النفس أو الانغماس في تحليل كل شعورٍ نحسّه ، بل هو شجاعة النظر إلى الذات بصدقٍ وهدوء، وقبول ما نراه من دون تزييف. فالنضج لا يحدث بإقصاء الضعف، بل بفهْمه والقدرة على احتوائه. ومن رحم هذا الفهم تولد القيادة الواعية، إذ لا يستطيع القائد أن يوجّه الآخرين إن لم يفهم ما يحرّك نفسه.
تمثّل هذه المرحلة لحظة تواصلٍ بين الأنا واللّاوعي، حيث يتوقف الإنسان عن التماهي الكامل مع صورته الاجتماعية ويبدأ في اكتشاف دوافعه العميقة ومشاعره المكبوتة. هذا الوعي يمنحه حريةً جديدة، لأنه ما دام يجهل دوافعه، سيعيد تكرارها في كل علاقةٍ، وموقفٍ ، من دون وعيٍ منه. ولكنه حين يعيها، يصبح فعْله أكثر صفاءً وقراراته أكثر صدقًا واتزانًا.
الوعي بالذات غايةٌ و سيلتها الجرأة بأن ترى نفسك كما أنت من دون خوفٍ أو تزيين. عندها فقط يتبدّل الحضور الإنساني، فنصبح أقلّ انشغالًا بالدفاع عن الصورة التي كونّاها عن أنفسنا، وأكثر انفتاحًا على الفهم، والحوار، لأننا ببساطة لم نعد نخشى أن نُرى كما نحن عليه.
عبدالله بن محسن النمري
التكاملُ النفسيّ في الانسجام الجماعيّ
كل جماعةٍ بشرية، مهما كان حجمها أو هدفها، تحمل في داخلها ديناميكياتٍ خفيةً لا تراها العين لكن يكتشف الوعي النفسي أنماطها . الجماعة ليست مجرد مجموعةٍ من الأفراد يعملون معًا، بل هي كيانٌ عاطفيٌّ يتكوّن من شبكةٍ معقّدة من العلاقات ، والمشاعر، والتجارب السابقة. يدخل كل فردٍ إلى الفريق وهو يحمل معه تاريخهمن نجاحات سابقة ، أو جراحٍ قديمة، أو طموحٍ للترقّي، أو خوفٍ من التهميش أو الفشل. هذه العناصر تتقاطع لتشكّل نسيجًا نفسيًا جديدًا بالوعي الجمعيّ. هذا الوعي، بقدر ما يوجّه القرارات، فهو يحدّد أيضًا مستوى الانسجام، أو الصراع بين أفراد الجماعة.
الجماعة المتكاملة ليست تلك التي لا يختلف أفرادها، بل هي التي تعرف كيف تُدير اختلافها بوعي. فالانسجام لا يعني التطابقوالتماثل ، بل التوازن بين الفوارق المختلفة التي تشكّل المجموع. بعض الفِرق تعرف كيف تحوّل توترها إلى طاقةٍ خلاقةٍ تدفعها نحو النموّ، بينما تتوّقف أخرى عند أول خلافٍ فيتحوّل إلى انقسامٍ صامتٍ يطفئ الحماسة. الفارق بين الحالتين ليس في الكفاءة ولا في الذكاء، بل في درجة الوعي النفسي. فالجماعة التي تملك هذا الوعي تُدرك أن الخلاف لا يهددها، بل يكشف عمق ثرائها. أما التي تخاف منه، فتبقى عالقةً في محاولاتٍ دائمةٍ لإخفاء التوتر خلف واجهةٍ من الانضباط الشكليّ.
القائد الواعي لا يقيس نجاح الجماعة بغياب المشكلات بل بقدرتها على مواجهتها من دون قلقٍ يستتبع إنكارًا، و لا يسارع إلى الحلول السريعة عند ملاحظة مؤشرات التوتر الأولية، ، بل يُصغي إلى ما وراء الموقف، إلى ما الذي يحدث فعلًا؟ وما الذي لم يُقل؟ فغالبًا ما يكون الصراع الظاهر مجرد عرضٍ لتوترٍ أعمق ، أو خوفٍ من الإقصاء، أو شعورٍ بعدم الاعتراف، أو قلقٍ من فقدان السيطرة. تسمية هذه المشاعر هي الخطوة الأولى في استعادة التوازن. فما يُسمّى يُحتوى، وما يُحتوى يهدأ.
في إحدى المنظمات ، لاحظ القائد أن فريقه رغم خبرته وكفاءته يعيش حالةً من الانفصال الداخلي. الاجتماعات التي يديرها هادئة، لكن أداء الفريق بطيء،والقرارات لا تُنفذ. وحين أتاح للجميع الحديث بحرية، ظهرت الحقيقة الخافية، لم يعد أفراد الفريق يثقون ببعضهم البعض بعد سلسلةٍ من التغييرات التي توضح لهم بما فيه الكفاية. لم يكن الخلل في خطة التحول ، بل في الإحساس الجمعيّبعدم الأمان. حين اعترف القائد بذلك وبدأ بإعادة بناء الثقة عبر الشفافية، و إطْلاع أعضاء الفريق على كافة المعلومات في مختلف مراحل التحول . وبالمحصلة، خرجت الجماعة من عقال القلق المقيد .
التكامل النفسيّ في الجماعة يحدث عندما يدرك كل فردٍ أنه جزءٌ من الأوركسترا العازفة . حين يشعر الجميع أن لهم دورًا حقيقيًا، يصبح الحوار أكثر عمقًا، والقرارات أكثر واقعية. في هذه الحالة لا تُقمع المشاعر بل تُدار، ولا يُخشى النقد بل يُستثمر للبناء، لأن الثقة الجماعية تتيح لكل صوتٍ أن يُسمع من دون خوفٍ من الحكم أو التهميش. إنها المرحلة التي تتحول فيها القيادة من سلطةٍ مركزيةٍ إلى وعيٍ موزّعٍ بين الجميع.
القائد الفذّ هو من يهيّئ هذا المناخ من دون أن يتعجّل نتائجه. يعرف أن الجماعات تنمو كما ينمو الإنسان تبدأ بعفوية الطفولة، و تمر بمراهقةٍ مليئةٍ بالاختبار والاحتكاك، ثم تصل إلى رشد يُبنى فيه التفاهم والاحترام. لا يمكن اختصار هذه الرحلة، ولا يمكن فرْضها بالقرارات. دور القائد أن يرعاها، و أن يكون حضوره مصدر طمأنينةٍ وسط الفوضى، وصوت اتّزانٍ عندما ترتفع أصواتالاضطراب.
في بيئات العمل الصحية، لا يُنظر إلى الخطأ على أنه إخفاق، بل على أنه تجربةٌ تحتاج إلى فهمٍ أعمق. ولا يُخشى التوتر، لأنه يُرى كمرحلةٍ طبيعيةٍ في الحركة نحو النضج. كل جماعةٍ راشدةٍ تعرف أنها ليست مطالبةً بالثبات الدائم، بل بالمرونة التي تمكّنها من العودة إلى التوازن بعد كل اضطراب.
حين يتحقّق التكامل النفسيّ، يصبح الفريق كجسدٍ واحد ، و تتحول القيادة إلى حالةٍ من الانسجام الداخليّ تعكسها التفاصيل الصغيرة كنبرة الحديث، و طريقة اتخاذ القرار، وأسلوب التعامل في الأزمات. الهدوء هنا ليس سكونًا، بل حضورًا متماسكًا ينبع من الثقة المكتسبة.
الانسجام الجماعيّ ليس نتيجة اتفاقٍ موقّع، ولاهو نتيجةً لغياب الاختلاف، بل إنه ثمرة وعيٍ صادقٍ يُتيح للأفراد أن يروا بعضهمالبعض بتجرد ، وبلا أقنعةٍ ، أو دفاعٍ عن مواقفهم. وعندما تصل الجماعة إلى تلك المرحلة، تُصبح المنظمة كيانًا حيًا يتنفس الوعي، ويتجدّد ذاتيًّا كل يوم. في تلك اللحظة فقط ، تتحول القيادة من دورٍ يُمارس إلى طاقةٍ تُلهم، ويصبح الانسجام الجماعي مرآةً يرى فيها الجميع أنفسهم على حقيقتها.
عبدالله بن محسن النمري
الحمد لله على التمام!
وصلتني وثيقة التخرج في برنامج الماجستير التنفيذي للتغيير من #إنسياد .
كانت رحلة علمية ماتعة، وخطوة طالما آملت أن أخطوها. لم يكن الجانب العلمي هو الفائدة الوحيدة التي تحققت، بل عديد الدروس المستفادة، والخبرات التي تشكلت في عامين دراسيين.
البداية لم تكن عشوائية، ولم يكن تقدمي للبرنامج للمرة الاولى، فقد سبق أن قدمت على القبول فيه مرتين، لم أقبل في الأولى، ولم أكمل طلب الترشح له في الثانية. إلا أن الدافع للتقدم عليه في المرات الثلاث كان واحدا.
خلال مختلف وظائفي السابقة في القطاعين العام والخاص، عملت على عدد من الاستراتجيات المهمة. كن أعتقد أن إعداد استراتيجية شاملة تغطي المتعارف عليه في المحتوى، هو الجانب الأهم، و الأصعب . و مع الخبرة، وصلت إلى قناعة أن الجانب الإنساني في صياغة الاستراتيجيات، و تنفيذها لاحقا، هو درة تاج العمل الاستراتيجي، والمبادرات التحولية. تلك القناعة، جعلتني أبحث عن برنامج يهتم بالجانب النفسي والإنساني ، وأثره في بيئة العمل، و ما يفسره من ظواهر بين الموظفين وبعضهم، وبينهم ومراجعهم الادارية وبالعكس.
وجدت ضالتي في برنامج إنسياد، و وفقت بأن أقبل فيه، و من هناك بدأت رحلة علمية معرفية لي فيها مشاهدات كثيرة، كلها صالحة لأن تنشر وتناقش ليستفاد منها. لكن المقام هنا لا يتسع إلا لثلاثة أمور، ولعل الله ييسرنشر الباقي لاحقا.
أولها، هو معنى الصداقة الذي تجلى في هذه الرحلة، و أصبح حديث أساتذة البرنامج، و زملاء الدراسة. و هو تحديدا موقف الصديق الأعز محمد بن علي الوابل Mohammed Alwabel معي عندما بشرته بقبولي في البرنامج، وهو الذي يعلم عني ما لا يعلمه غيره، تبسم وبارك، ثم قال: هل سبق وزرت فونتينبلو ، الضاحية الباريسية التي فيها الكلية؟
قلت: لا. فأخبرني أنها مدينه صغيرة، وقد استوحش فيها خلال فترة دراستي، وهي ٨ مقررات على مدار عامين، أي زيارة لمدة أسبوع كل ٣ شهور تقريبا. قلت له: لا بد لي من الذهاب، والله المستعان. لكن أبو علي قال : لن تذهب وحدك، وبالفعل رافقني في كل زياراتي، و كان خير الرفيق، والمعين، و المؤنس. قصة موقف محمد علم بها زملاء الدراسة وأصبح موضوعا لنقاشات معنى الصداقة والأخوة، و حرص معظمهم على رؤيته والتعرف عليه.
ثاني المشاهد، كان إحساسي في أول محاضرة، كان المنهج غريبا علي ، و بعيدا عن تخصصي وعملي، وحتى قراءاتي، علم النفس، والديناميكيات النفسية، و الوعي واللاوعي الفردي و الجمعي، ونظريات فرويد ، و كارل يونغ، و وينيكوت ، وكيت ديفريس وغيرهم، كل ذلك بدا لي في الوهلة الأولى طلاسم لا أفهمها. شعرت بضغط الفارق المعرفي بيني وبين زملائي، وقليلا من الغيرة الحسنة، شابها قلق التفكير الملح للإجابة على التساؤل الأهم: هل أنا في المكان المناسب؟ وهل كان إختياري صحيحا؟
هذا الإحساس تلاشى مع الوقت، مع زيادة جرعة القراءة، و كثرة السؤال عما استغلق علي فهمه، و الحوارات المتعددة مع زملائي في أوقات الاستراحة بين المحاضرات، و على الغداء، و في المساء بعد يوم الدراسة الطويل.
ثالث المشاهد، هو أنني كنت أمني نفسي أن أجد موضوع لرسالة الماجستير يتقاطع مع رؤية السعودية ٢٠٣٠، و تحدثت عن ذلك مع زملائي و اساتذتي، ومشرف الرسالة. و من الله علي أن إخترت موضوعا غير مطروق وكان: دراسة العوامل النفسية الديناميكية النظامية المؤثرة في أداء القائد الفعّال للتغيير في الوزارات الحكومية السعودية: دراسة حالة معالي الدكتور توفيق الربيعة@tfrabiah
An Examination of the System Psychodynamic Factors Influencing the Performance of an Effective Leader of Change in Saudi Arabian Government Ministries:
The Case of H.E. Dr. Tawfig Al-
Rabiah
الذي أخصه بالشكر، و عظيم الامتنان على موافقته على موضوع الرسالة، و تخصيصه وقتا لي رغم انشغاله.
يتبع
مرايا و أعين
تتشكّل الذات في مرآة الآخرين، فنحن لا نعرف من نكون إلّا حين نرى انعكاسنا في عيون من نتعامل معهم. فالعلاقة بالآخر شرطٌ لتكوّن الهوية. فكما يحتاج الجسد إلى الهواء، تحتاج النفس إلى الاعتراف، إلى من يراها ويصغي إلى وجودها. غير أن هذه العلاقات، مهما كانت طبيعية، تحمل في داخلها تعقيدًا خفيًّا، إذ تثير فينا ما كُنّا نعتقد أننا تجاوزناه، وتُعيدنا إلى مناطق في الذاكرة لم تُشفَ بعد.
العلاقة في عمقها ليست تفاعلًا سطحيًا بين شخصين، بل هي لقاءٌ بين تاريخين نفسييْن، بين حاجاتٍ دفينةٍ تبحث عن الأمان في البُعد، والخوف من القرب في الوقت نفسه. ففي كل علاقةٍ نختبر جدلية القرب والحدود، الرغبة في الاندماج والخوف من الذوبان فيه. هذه المسافة بين القرب والبعد هي التي تحفظ للإنسان وعيه واستقلاله. فحين يضيع التوازن بينهما، تتحوّل العلاقة إلى صراعٍ صامتٍ، تُسقط فيها النفس ما لا تحتمله من مشاعر على الطرف الآخر من دون وعي.
تُعتبر العلاقات مرآة اللّاوعي. فنحن نحبّ أو نغضب أو نبتعد، ليس بمجرد ما يقوله الآخر لنا، أو يفعله بنا بل بسبب ما يتحرّك فينا على إثر ذلك. إن فهْم العلاقة لا يكتمل ما لم نُدرك الجزء الذي نُسقطه على الآخر. حين نعي ذلك، تتحوّل العلاقة بكل تناقضاتها إلى حواراتللفهْم والنموّ المتبادل.
القائد الواعي يعرف أن العلاقات هي أساس التعامل ، و أن الثقة لا تُبنى بالقدرة على الإصغاء لما وراءها. القيادة ليست فرضًا للنظام، بل هي تربيةٌ مستمرةٌ للعلاقات التي تقوم عليها المنظومة. حين يفهم القائد أن الصراع ليس مشكلًا في ذاته بل هو لغةٌ تحتاج إلى ترجمة لتُفهم، يتحول التوتر إلى وعيٍ، والاختلاف إلى مصدرٍ للتكامل.
علاقتنا بالآخر هي اختبارٌ لعلاقتنا بأنفسنا، فما لم نتصالح مع ما في داخلنا، سنبحث في الخارج عمّن يُكمّله أو يُنقذه أو يُرضيه. وحين نصبح أكثر وعيًا بذواتنا، لا نعود نرى الآخر مرآةً نُصلح من خلالها صورتنا، بل إنسانًا نلتقي معه في تجربةٍ واحدةٍ للبحث عن المعنى.
عبدالله بن محسن النمري
الاحتواء العاطفي
القيادة ليست في اتخاذ القرارات فقط، بل هي فنّ احتواء ما لا يُقال. ففي كل فريقٍ أو جماعةٍ إنسانية، تتراكم مشاعر القلق، والإحباط، و الغيرة، والخوف من الفشل، وتبحث عن مكانٍ آمنٍ لتُودَع فيها دون أن تفيض على الجميع. حين ينجح القائد في أن يكون ذلك المستودع، يتحوّل من مديرٍ للمهام إلى محتو للمشاعر، وهي الوظيفة التي يصفها التحليل النفسي بمفهوم الاحتواء العاطفي ، الذي صاغه الطبيب والمحلل النفسي البريطاني ويلفريد بَيون، و وصفه بقدرة الشخص على استقبال الانفعالات من الآخرين، ومعالجتها في نفسه، ثم إعادتها إليهم في صورة أكثر فهمًا وهدوءًا.
القائد المحتوي لا يهرب من توتر الفريق، بل يستقبله دون أن يغرقفيه. فهو يدرك أن الغضب، أو المقاومة ، أو الشكوى ليست تهديداتٍ لسلطته، بل محاولاتٍ من الجماعة للتنفيس عن قلقٍ لم تجد له لغةًتعبر به عنه . يسمع القائد ما وراء الكلمات، ويرى في الموقف ما هو أعمق من ظاهره. حين يقول أحدهم : لا نفهم سبب التغيير ، يدرك القائد أن المقصود ليس بالضروة نقصا في المعلومات بل على الأغلب و الخوف من المجهول. وحين يلاحظ برودًا في الاجتماعات، لا يُسارع إلى لوم الفريق على ضعف حماسهم، بل يسأل نفسه ما الذي لم نُعطِه لهم من وضوحٍ أو طمأنينة؟
في أحد البرامج القيادية، شارك مديرٌ تجربته مع فريقٍ كان يعيش ضغطًا كبيرًا أثناء تنفيذ مشروعٍ مهم. قال: كنت أرى القلق في وجوههم كل صباح، لكنني كنت أظن أن مهمتي أن أُبقيهم منشغلين بالعمل كي لا يتشتتون. لكن التوتر ازداد، والأخطاء تكررت، فبدأ يدرك أن المشكلة ليست في الأداء بل في العاطفة. قرر أن يخصص اجتماعًا بلا أرقام ولا مهام، بل للحديث عن شعور كل فردٍ تجاه المرحلة فقط. تحوّل الاجتماع إلى مجموعة دعم نفسيللتعبيرعن مشاعرهم، خرج منها الجميع أكثر هدوءًا، ولم يكن ما فعله صعبا أو مستحيلا، فقد مارس الاحتواء بمنحهم إذنًا بالتعبير عن ما في دواخلهم. الاحتواء العاطفي لا يعني التساهل أو الانغماس في العاطفة، بل القدرة على البقاء في وجه الانفعال دون دفاعٍ أو إنكار. هو القدرة على الإنتظارعلى القلق الساخن حتى يبرد.
القائد الذي يمارس الاحتواء يُشبَّه بالوعاء النفسي الذي يستقبل مدخلا مشاعر القلق والخوف ، فيعالجها عبر وعيه وخبرته، ثم يخرجها في قالب مشاعري ذي معنى يمكن للفريق أن يتعامل معه.هذه العملية تشبه ما يحدث بين الأم والطفل في أشهره الأولى، حين تلتقط الأم انفعالاته كالبكاء أو الفزع، وتعيد إليه الأمان عبر اللمس ، أو الصوت ، أو الابتسامة. القائد يمارس الدور ذاته على مستوىٍ رمزيٍّ ناضج، يحمل اضطراب الجماعة حتى يصبح قابلاً للفهم.
الاحتواء ليس مهمةً سهلة فهو يتطلب من القائد أن يعرف كيف يحتوي ذاته أولاً. القائد الذي لا يحتمل قلقه الشخصي سيجد صعوبةً في احتواء الآخرين. إذا شعر بالتهديد من مشاعر موظفيه، سيقابلها بالرفض، أو بالتبرير، أو بالعقاب. أما القائد الناضج، فيعترف ابتداء بقلقه ، و يتأمل حدوده، ويُدرك أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام.
في المنظمات التي تفتقر إلى ثقافة الاحتواء، تتحول الاجتماعات إلى قاعة محكمة جماعية. كلٌّ يحاول الدفاع عن صورته بدلا منأن يعترف بمخاوفه. ويبدأون في إدارة الانطباع عوضا عن إدارة الحقيقة. أما في المنظمات الناضجة، فالثقة لا تُبنى على الكمال بل على الصراحة. حين يخطئ القائد ويعترف بذلك علنًا، يُرسل رسالةً غير مباشرة إلى الفريق مفادها أنه يستطيع احتواء الخطأ، و أنه يتوقع منهم الصراحة والتعاون. و بذلك يبدأ التغيير الحقيقي في المناخ النفسي للمجموعة.
الاحتواء لا يحتاج إلى مجهود كبير من المحتوي بل إلى حضورٍ متزنٍ وصادق. القائد المحتوي يُشبه الصخرة في مجرى الماء التي لا تُوقف التيار، لكنها تمنحه شكلاً جديدًا، فوجوده وحده يمنح الآخرين شعورًا بأن العاصفة يمكن أن تهدأ. فتراه يُبقي نفسه متماسكًا حين يفقد الآخرون اتزانهم، ويصبح بوعيه عاكسا لمعاني الثبات خلال الاهتزازت المتكررة.
الاحتواء بحق، هو فنّ الثبات في الموقف الصعب دون فرار منه ، أو غرق فيه، وهو ما يجعل القائد مرجعًا نفسيًا قبل أن يكون مرجعًا إداريًا. وحين يتحقق هذا الوعي، يتحول القائد من صانع قراراتٍ إلى ناشر طمأنينة، ومن محفز للتوتر، إلى معالج للقلق الجماعي .
عبدالله بن محسن النمري
مصالح الأبدان والأنفس للبلخي، قراءة بين زمنين.
هناك كتبٌ لا تُقرأ مرة واحدة، بل تُرافق مقتنيها عبر الزمن، وتختلف التقاطاته منها كلما تغيّر وعيه، وازدادت معرفته. كتاب مصالح الأبدان والأنفس لأبي زيد البلخي كان بالنسبة لي واحدًا من تلك الكتب التي جاءت في لحظة من حياتي، فرافقتني عمرا، ثم عادت لي بقراءة جديدة، و بمعنى مختلف. أهداني الدكتور مصطفى عشوي، ستاذي ومرشدي الأكاديمي في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، تحقيقه لكتاب البلخي قبيل تخرجي من الجامعة، كنت أقرؤه وقتذاك بعدسة الشاب الذي يحتفي بإنجازات علماء المسلمين، ويبحث في تراثهم عن ما يؤكد اتساع العقل الإسلامي في عصورهالذهبية. كانت تلك القراءة الأولى مزيجًا من الامتنان للهدية، والاعتزاز بتاريخ علمي شعرت أنه يسند هويتي الفكرية وأنا علىأبواب التخرج.
أعدت قراءة الكتاب قبل أيام، ولكن بعدسة الممارس المهتم بالإدارة والتغيير والديناميكيات النفسية التي تتحرك في الظل خلف أي قرار قيادي. فاكتشفت أن النص الذي كنت أراه يومًا جزءًا من التراث الطبي النفسي في ملامح تشكله ألأولية، هو في حقيقته نصٌّ عن النفس: عن صراعاتها الداخلية، و عن قدرتها على التدبير ، وعن الثمن الخفي الذي يدفعه الشخص حين يقود أو يُقاد.
القراءة الأولى كانت قراءة طالب، والثانية كانت قراءة دارس وممارس للقيادة. وهنا تتبدل دلالة كل فقرة. فحديث البلخي عن الحزن لم يعد بالنسبة لي مجرد سرد طبي و أخلاقي، بل أصبح مقاربة دقيقة للحالات النفسية التي نراها في فرق العمل، كالحزن الصامت الذي يبطئ حركة المؤسسة دون أن يعلن نفسه. وكذلك لم يعد الكلام عن الوسواس والقلق مجرد توصيف لمزاج فردي، بل صورة مبكرة لما نسميه اليوم ديناميكيات المقاومة في التغيير، أو تلك المشاعر التي لا نراها مباشرة لكنها تعمل في لاوعينا ، وتحدد ما سيتحرك فينا، وما سيبقى راكدًا.
في القراءة الجديدة بدا البلخي كأنه يكتب عن القيادة دون أن يستخدم كلمة قيادة. حين يتحدث عن تدبير النفس، فإنه يضع أساسًا لما نعرفه اليوم بالاحتواء، أي قدرة القائد على التعامل مع مشاعره قبل أن يتعامل مع مشاعر الآخرين. وحين يحلل الغضب، فإنه يلمس أهم معضلة يواجهها أي مدير: كيف يضبط ردّ فعله اللحظي ليحافظ على الأثر البعيد؟ بل وحتى حين يعالج مسألة النوم والغذاء والحركة، فهو في الحقيقة يشير إلى أن الإنسان، في كل أدواره، لا يستطيع أن يقود ما لم يُحسن قيادة نفسه، ويهتم بها.
ما تغيّر بين الزمنين هو زاوية النظر إلى محتوى الكتاب، و معرفتي التي اكتسبتها منذ قرائتي الأولى له. البلخي لم يتغير، لكن عدسة قراءة ما كتب هي التي تغيّرت. قبيل التخرج، كنت أبحث في الكتاب عن إثبات، وعن صورة مشرقة للماضي. في زمن الخبرة والتجربة، صرت أبحث فيه عن فهم للإنسان وللنفس، وللتوترات التي ترافق كل مشروع تغيير. وهنا أدركت أن مصالح الأبدان والأنفس ليس كتابًا في الطب، بل كتابًا في الحكمة العملية، في إدارة الداخل قبل الخارج، وفي بناء علاقة متوازنة بين العقل والمزاج والجسد، وهي العلاقة التي تحدد في النهاية جودة القرار وجودة القيادة.
إن القراءة بين زمنين تكشف ما لا تكشفه القراءة الواحدة: كيف يتغيّر الإنسان، وكيف يعيد تشكيل النصوص التي مرّت عليه. ولعل أجمل ما في هذا الكتاب أنه يسمح بهذا التغيّر، فهو يقدّم نفسه للقارئ المبتدئ بصورة، وللقارئ المتمرس بصورة أخرى، ويبقى في الحالتين نصًا حيًا يرى الإنسان في كليته، لا في أجزائه المفصولة. وما يبقى بعد كل ذلك هو شعور بسيط وعميق، أن البلخي، في زمنه البعيد، كان يرى ما نراه اليوم عن النفس والتغيير، ولكن بلغة عصره، وبسردية لا تزال صالحة لقراءة الإنسان في كل زمن.
عبدالله بن محسن النمري
الظلّ عند الماوردي
ثمّة منطقة في الإنسان تتكدّس فيها مشاعر مؤجلة، ونزعات مكبوتة، وانفعالات لا يملك الشجاعة دائمًا للاعتراف بها. هذه المنطقة هي ما يسمّيه علم النفس الحديث بالظل ، لكن الماوردي، قبل قرون طويلة، كان يشير إليها بلغة مختلفة، لغة الأخلاق، والطباع، والهوى، ومجاهدة النفس. لم يكن يتحدث عن اللاوعي، لكنه كان يصفه بحسّ دقيق، وكأنه يرى حركة النفس وهي تتصارع مع ما تخفيه عن ذاتها.
قراءة أدب الدنيا والدين بهذا المنظار تجعل النص أكثر إدهاشاوعمقًا. فالماوردي لا يقدّم الأخلاق بوصفها قشرة خارجية للنفس ، بل يحاول فهم ما يختفي خلفها. حين يتحدث عن الهوى الذي يُعمي ويُصمّ ، فهو يصف قوة داخلية تسحب الإنسان نحو مناطق لا يريد أن يراها. وحين يشرح أثر الغضب وامتداداته، فإنه لا يناقش السلوك فقط، بل البنية التي تولّده كجرح قديم،أو إحساس بالنقص، أو خوف من فقدان السيطرة، أو رغبة في استعادة كرامة مجروحة. هذه ليست وعظًا؛ إنها قراءة للمساحات التي يعمل فيها الظل دون إذن مباشر من العقل.
وفي حديثه عن الحسد، يقترب الماوردي من نظرية متكاملة حول الألم النرجسي، فهو يرى أن الحاسد لا يتأذى من خير الآخرين بقدر ما يتأذى من صورة نفسه حين تُقارن بغيرها. هذه رؤية نفسية عميقة، تتجاوز الأخلاق إلى فهم دوافعها. أن الإنسان لا يحسد لأنه يريد زوال النعمة، بل لأنه يتعذّب حين يرى في الآخرين ما يفضح نقصه. هنا تظهر ديناميات الظل بوضوح، ذلك الجزء من الإنسان الذي يراقب ما ينقصه بصوتٍ لا يسمعه غيره.
ويتضح من الكتاب أن الماوردي لا يرى النفس ساحة متجانسة، بل مسرحًا تتصادم فيه قوى مختلفة : العقل، و الطبع، و العادة، او لرغبة، و الخوف، و الهوى. تلك ليست مفاهيم دينية فقط، بل مفاهيم سيكولوجية قبل أن تُسمّى كذلك. يتحدث عن تربية الضمير، وعن تدرّج تهذيب النفس، وعن دور البيئة والتجربة في صقل السلوك. وكل ذلك يشبه ما ستقوله النظريات الكبرى لاحقًا بأن الأخلاق ليست تعليمات تُلقَى، بل طبقات تُبنى داخل الإنسان عبر احتكاكه بالعالم وصراعه مع دواخله.
ومن الملفت أن الماوردي لا يكتفي بوصف الجانب المظلم، بل يضع منهجًا في التعامل معه، تنظيم لا قمع، تهذيب لا كبت، وعي لا إنكار. يشبه هذا تمامًا طريقة التحليل النفسي في تحويل المادة الخام للظلّ إلى سلوك ناضج. فالماوردي يحذّر من إنكار الهوى، لأن الإنكار يجعله أقسى، ويشير إلى أن الإنسان الذي يعرف ضعفه هو أقرب إلى العدل من إنسان يظن أنه لا يخطئ. وكأنه يهمس بأن مواجهة الظل شرطٌ أساسي لرتق عيوب القيادة وإصلاح مسارها.
ولأن الكتاب يخاطب القادة كما يخاطب عموم الناس، فإن مفهوم الظل يأخذ فيه بُعدًا إضافيًّا، فالقائد الذي لا يرى ظله يصبح خطرًا على نفسه وعلى من حوله. يتحدث الماوردي عن نزوع الإنسان إلى الاستبداد حين يغلبه هواه، وعن ميله إلى التبرير، وعن قدرة النفس على خداع صاحبها. وهذا في جوهره خطاب سيكوديناميكي: مركّب، واقعي، يضع الإنسان أمام مناطق لا يستطيع الاقتراب منها إلا بشجاعة الداخل.
ومع ذلك، لا يسقط الماوردي في مثالية زائفة، فهو لا ينتظر إنسانًا بلا رغبة ولا غضب ولا نقص. بل يرى أن الفضيلة ليست نقاءً، بل قدرة على إدارة التناقضات التي نحملها. الظل ليس شيئًا يجب أن نلغيه، بل شيئًا يجب أن نفهمه. النفس، عنده، ليست صفحة بيضاء، بل تاريخٌ من المحاولات، والانكسارات، والمراجعات، والصراع بين النور والعتمة. وهنا يلتقي مع أعمق ما في علم النفس المعاصر، أن النضج ليس انتصار العقل على الظل، بل اعتراف العقل بأن للظل مكانًا لا يمكن تجاهله.
بهذه القراءة، يتجاوز تصنيف أدب الدنيا والدين كتابًا في الأخلاقإلى كتاب في النفس وديناميكياتها باللغة المعاصرة. يبين فيه مؤلفه أن خطر الإنسان ليس في خطئه ، بل في قدرته على تبرير هذا الخطأ. وأن الطريق إلى صلاح الظاهر يبدأ من مصالحة الخافي، لا من محاسبة الآخرين.
في نهاية هذا التأمل، أجدني أما سؤال ملح : هل سبقالماوردي، وهو يكتب عن الهوى وطبائع النفوس ودوافعها الخفية، علماء النفس المعاصرين في التأسيس لمفهومالظل؟
عبدالله بن محسن النمري
إعادة تعريف النجاح
كل مرحلة من مراحل الوعي تفرض تعريفًا جديدًا للنجاح. فما كان يبدو إنجازًا في مرحلةٍ ما، قد يصبح عبئًا في مرحلةٍ أخرى. ومع كل تحوّلٍ داخلي أو جماعي، يُعاد طرح السؤال الأعمق: ما معنى أن ننجح؟ هذا السؤال البسيط ظاهريًا هو في جوهره سؤالٌ عن الهوية، و عن القيمة، و عن المعنى. فالنظام الذي يتغير دون أن يُراجع تعريفه للنجاح، يُعيد إنتاج ذاته القديمة في صورةٍ جديدة، أما الذي يجرؤ على مراجعة نجاحه ، فإنه يضمن الاستدامة الحقيقية للمنظمة.
في مراحل الوعي القيادي الأولي، يكون النجاح مرتبطًا بالنتائج القابلة للقياس مثل الأرقام، و الإنجازات، و المشاريع، والجوائزالمحققة . كلها مؤشراتٌ تمنح الإحساس بالسيطرة. لكن مع اتساع التجربة، يبدأ القائد يلاحظ أن شيئًا ما ناقص. فالنتائج تتحقق، لكن النفوس مرهقة، والأهداف تُنجز، لكن الشغف يتآكل.عند هذه النقطة، يُولد وعي جديد بأن النجاح ليس في ما نحققه،بل في جودة ما نعيشه أثناء تحقيقه.
النجاح الخارجي يمثل الأنا المثالية، الصورة التي نسعى إليها لنشعر بالكمال والاعتراف. لكن وراء هذه الصورة تقف الأنا الواقعية التي تسأل بهدوء هل هذا حقًا ما أريده؟ ، وحين يجرؤ القائد على الإصغاء لتلك الأنا الواقعية، يكتشف أن كثيرًا من إنجازاته كانت استجاباتٍ لتوقعات محيطه الخارجي ، لا تعبيرًا صادقًا عن ذاته. التحوّل يبدأ حين يتحرر النجاح من المقارنة، ويُعاد تعريفه كرحلةٍ داخليةٍ نحو الاتساق لا كسباقٍ نحو الكمال.
أحد القادة الذين خاضوا برامج تطويرٍ نفسيٍّ قال في تأملٍ شخصي: كنت أرى نفسي ناجحًا لأنني لا أتوقف عن العمل. لكن في إحدى الجلسات، سألني المدرب : متى تشعر بالراحة؟ أدركت أنني لا أعرف الإجابة. لقد بنى نجاحه على الحركة المستمرة، ولم يُدرك أنه يهرب من سكونٍ يخافه في أعماقه. حين بدأ يتصالح مع لحظات التوقف، تغيّر تعريفه للإنجاز فأصبح النجاح بالنسبة له أن يعمل بوعي، لا بلا انقطاع.
كثيرًا ما يُختزل نجاح المنظمات في المؤشرات الرقمية. لكن الأرقام لا تُخبرنا بالقصة كاملة. يمكن لمنظمة أن تحقق أهدافها التشغيلية بينما تخسر ثقافتها التنظيمية، أو أن تتوسع في أسواق أرحب وهي تفقد الثقة بين أفراده. التحوّل الحقيقي يحدث حين تُعاد صياغة معادلة النجاح لتشمل البُعد الإنساني، حين يُصبح السؤال كيف نحقق النتائج؟ لا كم حققنا؟ فالقيمة الأخلاقية والعاطفية لأسلوب العمل لا تقلّ أهميةً عن نتائجه.
القائد الذي يُعيد تعريف النجاح يتخلى عن فكرة البطل الأوحد، ويتبنى مفهوم الإنجاز المشترك في هذا الأنموذج، لا يُقيس النجاح بعدد الأوامر التي أصدرها، بل بالهمم التي شحذت بفضله. إنه القائد الذي لا يكتفي بأن يُنجز، بل يسعى لأن يُنمّي وعي الآخرين عبر الإنجاز. فالنجاح الذي لا يخلق نموًا هو انتصارٌ مؤقت، أما النجاح الذي يوقظ الوعي فهو إنجازٌ مستدام .
يرتبط مفهوم النجاح بالتحرر من صوت الأنا الأعلى الذي يفرض معايير صارمة من الكمال والإنجاز. وحين يتصالح القائد مع فكرته عن الكمال، يصبح أرحم بنفسه وبالآخرين. يتعلّم أن الخطأ ليس فشلًا بل جزءًا من العمل، وأن الإخفاق ليس سقوطًا بل استراحةٌ في طريقٍ طويل. هذا الوعي يحرّر الفريق من ثقافة الخوف، ويزرع فيهم الثقة بأن النجاح ليس دائمًا في الوصول، بل أحيانًا في الجرأة على البدء.
من التجارب الملهمة، قصة قائدٍ قرر أن يغيّر طريقة تقييم الأداء في مؤسسته. استبدل مقياس النتائج المحققة بمقياسٍ إضافيٍّ سماه مؤشر النموّ الشخصي . كان يسأل في المقابلات السنوية ما الذي تعلمته عن نفسك هذا العام؟ في البداية، بدا السؤال غريبًا، لكن مع الوقت، بدأ الموظفون يشاركون قصصهم الشخصية. تحوّل التقييم من رقمٍ إلى حوارٍ إنساني، ومن شعورٍ بالمحاسبة إلى شعورٍ بالاعتراف. هكذا أعاد القائد تعريف النجاح في مؤسسته من تحقيق الأهداف إلى تحفيز الوعي.
إعادة تعريف النجاح ليست رفضًا للمقاييس، بل توسيعٌ لها لتشمل ما لم يعتد قياسه . أن نحتفي بالقيم كما نحتفي بالأرقام، و أن نرى أن المنظمة الناجحة هي التي تدعم منسوبيها. حين يُعاد تعريف النجاح بهذه الروح، تتغيّر ثقافة العمل من سباق محموم بالقلق، إلى رحلة. رحلة استكشاف ممتعة.
النجاح الحقيقي ليس في ما يراه الناس من مظاهر له في محيطهم الخارجي ، بل ما يشعر به القائد حين ينظر إلى ذاته و فريقه. هو التوازن بين الإنجاز والمعنى، و بين الطموح والسكينة، و بين السعي والرضا. كل قائدٍ يعيد تعريف النجاح من الخارج إلى الداخل يخطو خطوةً نحو القيادة الواعية، التي لا تقيس قيمتها بما تحققه، بل بما تُلهمه من وعيٍ وطمأنينةٍ فيمن حولها.
عبدالله بن محسن النمري