فلان سبيكة
لعلّك سمعت، أو لم تسمع، قولهم: "فلانٌ سبيكة"، وتعني: "فلانٌ غبيّ، بليد، فاغر، فاهي"، وأنا وربّك لا أعلم أصلَ التسمية، لكنها تسمية دارجة تطلق على من يرتكب الحماقة غير آبهٍ عواقبَها، وهو مصطلحٌ يطلق على الذكر والأنثى، والجمع "سبايك"، وربّما أضفنا إليها طابع التدليل فنقول: "فلانٌ سبكبك"، وتسمية سبيكة تؤدّي إلى ذات معنى "فلانٌ نصّ لفّة"، وغيرها من الجمل البليغة في هذا المضمار الذي لا فائز فيه، وقد يتبادر إلى ذهنك الآن -عطفًا على ما سبق- إنسانٌ ينطبق عليه وصف السبيكة.
والسبيكةُ ليس بالضرورة أن يكون جاهلًا غيرَ متعلّم، فقد يكون أستاذًا جامعيًا، أو ذا منصبٍ كبير حسّاس، أو يكون أديبًا مثقّفًا، أو مشهورًا من المشاهير بحرفةٍ أو صناعة، والسبيكةُ إنسانٌ لا يحسنُ قراءة نتائج أفعاله أو أقواله، فقد يذكر قصّةً حميمية في مجلس عزاء، وربّما أراد مدحًا فأساء، وقد يكشف سرّك من باب مجاملة الجلساء، إنه إنسان يجعلك في حالتي توتّر وترقّب دائمتين، فأنت لا تدري متى يضرب مجددًا، فلربّما كنت معه في مجلسٍ والحديث عام، ثم يطرق موضوعًا معيبًا، أو ينطق اسمًا كان من الأولى دفنه، وينظر إليك بابتسامة المُجلّي، ابتسامة لا يمكنك مواجهتها إلا بأن تقول: "عنتا الله عليك".
والسبيكةُ تظهر عليه مسحة برود وبلادة، يحسبُها غير العارف براءةً وسماحة، وهذه مصيبته الكبرى، فهوَ لا يتعمّد الإساءة، لأنه لا يعرف معنى الإساءة أصلًا، كما لا يعرف المجنون رفع الحدث الأصغر، فكلّ فعلٍ وقولٍ عنده مباح، وإن كان للرزانة درجات، فإنّ للسباكة دركات، وأخطر أنواع السبايك هو الذي يظنّ نفسه ذكيًا، فالسبيكة البسيط يمكننا احتماله، أما السبيكة الداهية فنحتاج معه إلى حذرٍ من نوعٍ خاصّ، لأنه يخطّط لحماقته قبل ارتكابها، يقيس أبعادها، ويتخيّل أصداءها، ثم ينفذ باحترافية عالية.
وقد بُليت في حياتي بعددٍ لا بأس بهِ من السبايك، على مختلف مشاربهم، وأصنافهم، ومدى انغماسهم في هذه الحالة الغريبة المُذلّة، واكتشفتُ بأنّها حالة حقيقية لا مفتعلة ولا مصطنعة، فهيَ ترافقهم حتّى في حياتهم الافتراضيّة، فالسبيكة إنسانٌ يتميّز بالإصرار الصلب الذي لا يمكن كسره تحت أي ظرف، فإن كنت -أخي القارئ- فهمت مكتوبي هذا، فانفذ بجلدك من صحبة السبايك، وإن لم تفهم بعدُ..فأكيدٌ أنك ستفقد عددًا من الأصحاب قريبًا ههههه
كانوا يقولون أنت تكذب، ما فيه أحد يدخل عزاء وهو يصوّر، وأنا شايف واحد كمخة داخل للعزاء يسلّم بيمناه ويصوّر بيسراه، ولو لحق على الدفن كان نزل للقبر وسأل المتوفّى عن شعوره وطلبه يقدّم نصيحة أخيرة.
الجبانُ جبانٌ في عداوتهِ وصراحتهِ وعتابهِ، حتّى في حبّهِ يستترُ ويتردّد، فلا تصاحبه، ولا تمنحه صلاحية المرور من خلالك، فإنّ من لم يرزق شجاعة الوضوح، لا يستحق رحمة القرب، ومن يتردّد في إظهار ما يُضمر، لا تأمن خافيته.
الإنسان محامٍ بارع حينما يتعلق الأمر بنفسه، فهو يكتب سيرةً ذاتيةً لذاته يرتّب فيها دوافعه ويبررها، يجمّل أخطاءه، ويمنح نيّاته وزنا أكبر من نتائج أفعاله، ويعتقد أنه أكثر الخليقة عقلانية عندما يقعده الخوف، وأنه الأوفى وقتما يعجز عن الرحيل، وأنه متسامح كلّما فقد القدرة على المواجهة.
إنّ كلَّ محاولة إصلاح نبدأُ بها تعني خسارتنا جزءًا من أنفسِنا، فإن جعلنا هذه المحاولات مفتوحةً بلا توقّف، سنجد أننا استهلكنا الكثير منا في سبيل ما لا يستحق، وأحيانًا يكون الإصلاح هو الكسر بعينه! وأعقل قرارٍ نتخذه هو الكفّ قبل أن تتحول محاولة الإصلاح إلى خرابٍ آخر داخلنا.
صادفتُ يومًا رجلًا معروفًا بالالتزام، وكنت أحترم طرحه، وأميل قليلًا إلى قبساته الحياتية، فصدمني أنه يلبس إسوارةً جلديّة من طبقات 😂 ولا يهمني لو كان يلبس (كرسي جابر)، لكن كان منظرًا غريبًا لا يتناسب وأفكاره التي يطرحها، لذا؛ أحبّ فعلًا أن أدع مسافةً كبيرةً بيني وبين الذي يعجبني.
احترام خاصّ وكبير لكل إنسان يرى في نفسه الكفاءة ثم يترك الفرصة لغيره إيثارا وأدبا، وربّ الكعبة هذا الصنفُ من الناس يُعتمد عليه في كل حين، وعلى أية حال، وهم على ندرتهم؛ يشعرونك أنهم كلّ الناس.
ذاكرتي ضعيفة إلا باستذكارك، وخيالاتي قاصرة إلا باستحضارك، ومشاعري لا تتحرّك إلا نحوك، وفي كلّ صباح تزداد رغبتي في اقتلاعك منها جميعًا، حتّى إذا سكن الليل، عادت الأمور إلى حالها…وأكثر.
أجهزة الطيّ سينساها التاريخ، مثلها مثل أفكار عديدة غير عمليّة ظهرت واختفت، وما يحدث الآن هو استعراض تقنيّ، وحتّى أقرّب الصورة إليك؛ لن يرجع الناس -مثلًا- لاستخدام أجهزة هواتف بلوحة المفاتيح، فاشتر جهازًا لوحيًا لو احتجت، واترك الطيّ للملابس.
@CHIVOS3 ☻↜
"في زمنٍ ڪثُرَت فيه النصائح المعلَّبة، والآراء الساذجة، وقلَّ فيهِ القائلُ: "لا أعلم"…اسمع صوتڪ، واتبع طريقتڪ، واستفد من الدروس التي تتعرَّضُ إليها، د؏ عنڪ قال فلان، ومن تجربة علَّان، لسان فلان ليس لسانڪ، ويد علَّان ليست يدڪ..أخيرًا: هذه ليست نصيحة."