مضيت كالمسحور. اختفى من ناظري كل أفراد الأسرة، وبقيت وحدي معه. الغرفة تمور، والضوء يتلاشى.
لم أدرك ما حدث بعدها. فتحت عيني ووالدي يمسك بي. عرفت أنني في مستشفى من الستائر البيضاء ورائحة الأدوية.
قلت: «أين أنا؟»
لم يكن جدي يهتم بالوصايا كثيراً. كان لا مبالياً، وتستطيع القول إن ذاكرته ضعفت في أخريات حياته.
عندما كان يحتضر، نهض فجأة من سريره الذي لم يغادره منذ سنة. استبشر والدي وعماتي، وهبط على المنزل فرح مفاجئ. اقترب منه والدي وقال:
«يا أبي، منّ الله عليك بالعافية وأسبغ على جسدك القوة».
#قصة . أمس كتبتا قصة الشايب الكفيف والربع اللي سروا والورع بحوض الموتر وظهر ناس يشككون بالقصة وحنّا ( نحن - أنا ) إذا الإنسان شكك بالقصة مافيه أي مشكلة لأن الشك أصل التيقن ، الذي لا نقبله هو التطاول والسيء من الألفاظ كأن يتهجم ويسب ويشتم هذا لا نقبله البتة . اليوم جايبلكم سالفة سولفها لنا واحد من أهل الطايف قبل ماينتهي المشوار . يقول : وعيت على شايب عمره بالتسعين ولكن كان لديه حدة بصر عجيبة فكان يرى من مسافة بعيدة ويشوف لوحات السيارات اللي نازلة من طريق الهدا ، ويذ��ل الناس وحتى كان يعرف أو يرى مواقع الماء فيأتيه أهل المزارع ليعين لهم أماكن حفر الآبار .
عاد هذا صاحبنا سمع هذا الشايب يحكي قصته وكيف أصبح بقوة البصر الخارقة هذه فيقول : في زمن الأشراف وقبل الحكم السعودي الميمون في حدود عام ١٩١٣ م . كنت شابا في سن العشرين وعندي قطعة غنيمات وأسرح في شعاب الطائف ( تسمحون لي أطلع عن الموضوع ، أهل الشمال يقول لك فلان عنده غنيمة تصغير غنم وهو يمتلك ٧٦٠٠ راس وثلاث ويّت و١٥ راعي و٧ خيام و٥ لواري بس للتنقل - هذا وهي غنيمة وشلون لو هي غنم 😂) المهم يقول كان عندي غنيمات أرقى بها الجبال وأرجع لبيتنا اللي به أمي وأبوي وهكذا ، بعد نهاية حج هاك ا��عام وأنا أسرح بالغنيمات شفت حاجين مغربيين نزلوا بقربي ونحن في الطايف والبدو يخافون الحجاج المغاربة لاعتقادهم أنهم يمتلكون قوى خارقة أو معهم جن ، يقول : قلت هؤلاء يرتاحون يوم والاّ يومين ويواصلون رحلتهم لبلادهم . لكنهم جلسوا يومهم ولم يغادروا ورجعت بالغنم وقلت لبوي : والله نزل حولي مغاربة . فرد والدي : إياك ثم إيّاك تقربهم والاّ تاكل من طعامهم . سرحت اليوم الثاني وإلا هم في نفس مكانهم وأنا اتحاشهم وأبعد عنهم وشفتهم يرقون للجبال ومعهم عصي ولا أعرف عن ماذا يبحثون ؟ . اليوم الثالث يوم انتصف النهار جاء واحد ناحيتي وقمت فزع وخايف يسحرني والا ياخذ من الغنم وتهيأت وأخذت عصا معي واقترب مني الحاج وقال : السلام عليكم ، فرددت السلام . فسألني : أنت من هذي المنطقة ؟ فأجبت : ن��م . فقال : أنا أريد كتخدمني خدمة وأهب لك ١٠ جنيهات ذهب . عشرة جنيهات ذهب تعادل قيمة غنمي كلها . اطمأنيت لكلامه وأجلسته وحلبت له وأعطيته ونادى على صاحبه وجاء وجلسوا ��قال الآخر وكان يبدو أكبر من صاحبه وقال : أنا الحاج ميمون وهذا صاحبي شمس الدين ونحن تأخرنا عن الحملة كندير حاجة خاصة . يقول : قلت بنفسي والله إن بهم بلاء جعلهم يتأخرون ، بذهني يدورون كنز أو شيء ما . قال الحاج ميمون : تعرف الصل الأسود أو لمحته في هاذ المكان ؟ - أنا شفته مرة في ناحية وهربت من جهته وأبعدت عن مكانه لأنه كان ضخم وهاش علي . فقلت لهم : أنا لمحته مرة واحدة فقط . فاستبشروا وأخرج الجنيهات ووضعها بيدي وقال : أين رأيته ؟ فقلت : بعيد من هنا ! فقال شمس الدين : تذهب معنا وتشير لمكانه فقط . قلت : والله اليوم مانقدر ، أنا غدا آجي بدون الغنم وأروح معكم .
اتفقت معهم وأخذت الجني��ات ورجعت بالغنم وأخبرت والدي وأمي قالت : رجع لهم جنيهاتهم ولاتخاطر بروحك ، وأيضا أبي كان خائفا عليّ ولكن بريق الذهب مغري وأخيرا وافقوا وحرصوا علي وحذروني .
باليوم التالي تركت الغنم وجئت للمغاربة وهم من شافوني ارتسمت على وجوههم الفرحة ومشينا على الم��ان الذي رأيت الصل ووقفت وأشرت لمكان عال وقلت : شوف ياحاج هو في راس الجبل وهو سريع وكبير وانتبهوا ترى قرصته يمكن تقدر تنطق الشهادة ويمكن ما يمديك . قالوا : ما تنقل هم وصعدوا وأنا انظر لهم بعصيهم ونحن بمنتصف النهار وهم يتوقفون ويقرون ويمشون وهكذا حتى رأيته بلونه الأسود يلمع تحت أشعة الشمس وانتصب على طوله وهذا هم يراوغونه وهو يتفلت وحاصروه وتمكن ميمون من الامساك بفمه والآخر ساعده ونزلوا من الجبل وهم يتمتمون وربطوا فمه وصابتني روعة وخوف من مرآه وأخذوه ونزلوا وأمسكوا به وذبحوه كما لو كان خروف وسلخوه وأخرجوا السم ونظفوه واشعلوا ناراً وشووه كاملا وصاروا يأكلون منه ، عاد ما أعرف السر في ذلك وعزموا علي بقطعة فرفضت فقام شمس الدين ومسح على عيني من دهنه ورجعت للبيت ونمت وصحيت عيوني متورمة وأمي تبكي وأبوي خاف علي أني تسممت وثلاث أيام خف الورم وصرت أشوف الشيء البعيد ��الماء ولازال نظري حاد وأنا في التسعين . قال الراوي : كيف لو أكلت منه ؟! انتهت والله العالم أن المغاربة يعرفون سراً لانعرفه .
في الكويت أمسيت -
مرحلة الشاعر خلف بن هذال في تغربه للكويت ، كتب عدة قصائد وغنى كثير من تراثه الفني .
يوم كان في مسقط راسه بساجر ووالده متوفي وعمره في حدود السابعة وكانت الغربة حافز لكسب المراجل في ذلك الوقت فقد رأوا اثنين من أهل ساجر وهم يسافرون للكويت ويعودون لأهلهم بالخير الوفير ، فقد كان الراتب ٥٠٠ ربيّة هذا يعني أن خلف حاول الذهاب للكويت قبل عام ١٩٦١ م لأن الروبية أُستبدلت في ذلك العام . طبعا هو صغير سن بذلك الوقت إذا كان مرجح ولادته عام ١٩٤٤ م فيكون بحدود ١٧ سنة وهذا سن مبكر ليكون الشاب مؤهلا للمراجل والتحدي و إنما في زمنهم ليس صغيرا فقد يعتمد عليه من ١٢ سنة ويشب عن الطوق ( تدري ليه يقولون شب عن الطوق ) يالله ماله داعي - أصلا أنا يوم أكتب اتذكر وجودنا بالكويت واللي طرّاه إن القصيدة التي غناها خلف فالكويت أمسيت قلبي من الفرقا صخيف صخف قرطاس المعلم لياناش القلم ، تذكرني حين وصلنا الكويت وجابهنا الفقر والجوع حتى دمينا وكابدنا الفوارق حتى بلينا وشرب��ا الكدر والطينا حتى مللنا لذا الإنسان ماهو ماهو ؟ هو عبارة عن مواقف وأحداث رسخت في ذاكرته من ماضيه من حاضره من تلك الأيام الخوالي ، مرحلة العشيش بالكويت ياهي غزيرة بالقصص ولكن الكويتيين السادة المتربعين على الوسائد لايقدمون لنا إلا خالتي قماشة بينما في العشيش قصص تضاهي مسلسل درب الزلق . نعود لخلف هذال ( اقفز وانزل من ماضوع لماضوع لقد تعديت مرحلة استرضاء القارئ ، أريد أرضي نفسي ) تحين خلف ورفيقان له سيارة لوري ( القرعاوي ) حتى يركبا بها ويصلان للكويت إما جهلاً منهم أو يأسا ، جاء خلف ولم يجد رفيقيه ووجد أثر السيارة قد غادرت فهم أن صاحبيه قد سبقاه فقرر أن يمشي على أ��ر السيارة معه مطّارة ( الهدلق ) ومشعاب ( عصا ) وخنجر ( معيدية ) وسرى رجلي ( على قدميه ) وصل شقرا وهو يسمع عواء الذئاب وقبل صلاة الفجر وجد مسجداً طينيا فجلس وهناك ثلاث ��ن الشيبان ويوم صلى عزمه واحد منهم على تمر ووصف له سيارة توصل للرياض ، كل هالتفاصيل والصورة في قصة خلف التالية والتي ذكر جزءاً منها الأعرابي في رواية الزقرتي التي هي محجوبة الا بـ ١٢ ريال إلا سبعين هللة لأن وجدت كثيرا يضعون اشتراك ٣٠٠ و٨٠٠ ريال وهم ماعندهم ماعند جدتي ولن أبخس جهودي لأنني وضعتها بهذا المبلغ الطائل المكلف فهناك من يدفع للتوك توك ومادام بخل فالله لايرده .
بسم الله وبه نستعين :
الشكر والحمد لله على توفيقه ومن ثم الشكر لأصحابي وإخوتي ( في هذه المنصة الذين أضفوا عليّ جميلهم بالدعم والتشجيع والاشتراك لهم في عنقي دين لا أنساه ماحييت ) .
هذه الرواية تتناول قصص التهريب وحياة الزقرتي الذي نشأ يتيما في مدينة الرس ثم تنتقل حياته من الرتابة والملل إلى الاثارة والحب والمغامرات والخطر ، تتناول الفترة من عام ١٩٦٩ م الى عام ١٩٧٣ م . لا استطيع أن أحكم على عملي لكن القرّاء أصرّوا علي أن أكمل وأن يكون هناك جزء ثان وحاولت في دور نشر فوجدت إمكانياتي المادية لا تقوى على التكاليف وبالأخير وضعتها برابط اشتراك رمزي ١١ ريال و ٣٠ هللة وهي دعم بسيط لي فإن حصل فهذا خير من الله وتشجيع للاستمرار وإن لم يحصل فلا عتب على الناس .