@maalqarzae عظّم الله أجركم حبيبتي وجبر مصابكم، وغفر لفقيدتكم وثبتها وأعلى منازلها ..
نسأل الله أن يرحمها وأن يغفر لها ويسكنها فسيح جناته وأن يجعل ما أصابها تكفير وتمحيص لذنوبها ورفعة لدرجاتها وأن يلهمكم الصبر والسلوان..
اللهم أغفر لها وأرحمها وعافها واعف عنها واكرم نزلها ووسع مدخلها ..
تمضي زهرة شبابها، أو تضيع سنوات عمره، بجوار سرير أم مقعدة أو أب مريض.. يقضي ليله بين رائحة الأدوية ومواعيد المستشفيات، يمسح الأذى، ويكتم دمعة قهره حين يرى قطار الزواج والوظيفة يفوته..
وفي المقابل، ينظر إلى إخوته أو أقرانه الذين تخلوا عن هذه الأمانة، تراهم يسافرون، يبنون القصور، يعيشون حياتهم بالطول والعرض، ويحصدون (النجاح)، بل وربما يرمقونه بنظرة شفقة وكأنه الفاشل الذي ضيع عمره..!
فيا أيها البارّ المنسي في زوايا الغرف الصامتة.. إياك أن تظن أنك الخاسر وهم الرابحون!
هم يبنون مجداً من تراب سيفنى، وأنت تبني لنفسك عرشاً في الفردوس الأعلى لا يبلى..
أنت لا تضيع شبابك، بل (تودعه) في خزائن الله لتستردّه شباباً أبدياً لا يمسه هرم!
أتظن أن الله يغفل عن مسحتك الحانية على قدم أمك أو رأس أبيك؟
اقرأ هذا الحديث الذي سيجعلك تقبّل قدمي والديك باكياً من الفرح: قال ﷺ:
((رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ)).
هم فتحت لهم أبواب الدنيا، وأنت فُتح لك أوسط أبواب الجنة، فلا تلتفت لهم.
اللهم اجزِ كل بارٍ وبارّة بوالديهما خير ما جزيت عبادك الصالحين، واجبر كسر قلوبهم، وعوّضهم في الدنيا والآخرة أضعاف ما فقدوا.
#سياق_أوسع
وقودها الناس و الحجارة
يقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: 24]، و يتكرر الوصف في سورة التحريم: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6].
هل تساءلت مثلي كيف تكون الحجارة وقودًا؟
ذكر المفسرون أقوالًا، منها أنها حجارة مخصوصة كالكبريت، و منها اتصال المعنى بالأصنام الحجرية. غير أن جمع الآيات ذات الصلة يضعنا في #سياق_أوسع من مجرد طبيعة مادة الاحتراق.
فالقرآن يصف الإنسان نفسه بأنه وقود: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران: 10]،
و يصف القاسطين بالحطب: ﴿فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: 15]،
ثم يقول عن العابد و ما عبده من دون الله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98].
و الحطب ما تُؤجج به النار، و الحصب ما يُرمى و يُلقى فيها، و الوقود ما تُوقد و تُسعّر به. و كأن الآيات ترسم أجزاء مشهد مستمر:
▪️إيقاد
▪️و تسعير
▪️و إلقاء.
و بالعودة إلى السياق نجد في آل عمران انتفاء الاستغناء بالمال و الولد، و في الأنبياء سقوط المعبود مع العابد: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾. فما ظنه الإنسان في الدنيا مصدرًا للقوة أو النجاة ينكشف عجزه في الآخرة. و من هنا يمكن فهم الصلة التي رآها بعض المفسرين بين «الحجارة» و الأصنام، دون حصر معنى الآية في ذلك.
و بنظرة أوسع نجد اختلافًا في السياق أيضًا بين موضعي «الناس و الحجارة». ففي البقرة يأتي الإنذار بعد الريب و إقامة الحجة و التحدي: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾. أما في التحريم فالخطاب للمؤمنين، و منه يتحول المعنى إلى مسؤولية و وقاية: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾.
و عند جمع السياقات يتضح لنا مسارًا متصلًا يبدأ من الحجة ثم الاختيار فالمرجعية بعدها تأتي المسؤولية و من ثم المصير.
و لعل الأهم من السؤال: كيف تكون الحجارة وقودًا؟ أن ندرك أن نار الآخرة ليست كنار الدنيا من حيث الماهية، و الغاية، و الخصائص. فنحن نقيس بما نعرف، بينما يخبرنا القرآن عن نار من عالم آخر و لأغراض أخرى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾، و ﴿لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾؛ نار لا ينبغي أن تُختزل في قوانين الاحتراق التي نعرفها، و لا أن تُقاس بما ألفناه من نار الدنيا.
و إذا كان الإنسان يرى في دنياه حرارةً تذيب الصخور و تصهرها حتى تجري حممًا، فإن ذلك كله يظل من نار الدنيا التي نعرف حدودها و خصائصها؛ فكيف بنار وصفها خالقها بما يفوق مألوف الإنسان و تصوره؟
لذلك فإن من ينشغل بمحاولة فهم خصائص نار الآخرة و مقارنتها بنار الدنيا، فالأولى به أن ينشغل بالسؤال الذي الأهمّ؛
كيف يتقيها؟
فليست العبرة أن نعرف كيف تحترق الحجارة فيها، بقدر ما أن نعرف كيف لا نكون نحن وقودًا لنار جهنم.
وقانا الله و أهلينا و أحبتنا و المسلمين منها.
تخرج من أزمة لتدخل في أخرى، وتشعر أن الحياة ترهقك باختباراتها المتتالية، فتتساءل في لحظة تعب وضعف شديد: لماذا كل هذا العناء؟ ومتى سأرتاح؟
هذه الدنيا لم تخلق لتكون دار راحة أبدية لأحد، بل هي محطة عبور قصيرة..
توالي الابتلاءات عليك ليس دليلا على أن الله لا يحبك، بل هو تنقية لروحك لتنال مكانتك العالية.. فهو لا يبتليك ليهلكك، بل ليطهر قلبك ويرفع درجتك..
حين تدرك أن كل تعب، وكل هم، وكل شوكة تشاكها، تُكفر بها خطاياك، سيهون عليك شقاء الرحلة، وتنتظر العوض في دار لا حزن فيها..
حين يُقال :
{سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}.