هل نبالغ أحيانًا في قيمة الوعي؟
كثير من الناس يصلون إلى درجة عالية من الوعي بمخاوفهم ودفاعاتهم وأنماطهم النفسية، ثم يكتشفون أن معاناتهم لم تتغير بالقدر الذي توقعوه.
والسبب أن هناك فرق بين الوعي وما يمكن تسميته بالاستبصار المُجسَّد/المُعاش (Embodied Insight). فالوعي هو أن تعرف وتفهم وتفسر تجربتك، أما الاستبصار المُجسَّد هو أن تحول هذه المعرفة إلى خبرات نفسية جديدة تعيد تشكيل علاقتك مع نفسك ومع العالم من حولك.
قد يفهم الإنسان جذور خوفه من الرفض، أو يدرك أن سعيه للكمال مرتبط بالشعور بالنقص والعار، ومع ذلك تبقى مشاعره وتصرفاته كما هي. ولهذا قد يصبح الوعي عبء ثقيل إذا لم يُدمج في تجربة الانسان مع نفسه ومع الآخرين. الشخص الواعي يرى المشكلة بوضوح ويفهمها، وربما يستطيع شرحها للآخرين، لكنه لا يزال عالق في معاناته.
المعرفة وحدها نادرًا ما تكفي لإحداث التغيير. بعض التصورات التي نحملها عن أنفسنا وعن الآخرين لا تتغير بالفهم أو التحليل، بل بخبرات جديدة تعيد تشكيلها.
قد يعرف الإنسان أن القرب لا يعني بالضرورة الأذى، وأن طلب الدعم لا يعني الضعف، وأن الانكشاف لا يؤدي دائمًا إلى الرفض. ومع ذلك تبقى مشاعره وتوقعاته القديمة حاضرة. لكن عندما يختار أن يخوض خبرات متكررة تناقض هذه التوقعات، يبدأ تدريجيًا بتصديق ما كان يعرفه مسبقًا عن نفسه وعن الآخرين.
أخيرًا، التجربة الإنسانية أعقد من أن تُختزل في مثال أو مسار واحد للتغيير. ما يعيشه الإنسان يتأثر بشخصيته، تاريخه، علاقاته، ظروفه الحالية، وعوامل أخرى متداخلة. لذلك المثال المذكور أعلاه ليس وصفًا لكيفية حدوث التغيير عند الجميع، بل مجرد محاولة لتبسيط الفكرة.
حديث د.محمد هنا مقتضب جدًا لكنه حقيقي للغاية منابت الخوف لها اصولها الجينالوجية، ففي مسيرتنا التاريخية كبشر، كان الخوف آلية دفاعية وغريزة حيوية لضمان البقاء وحمايتنا من الأخطار المحدقة، إلا أن هذه المشاعر البدائية عندما تُحفز بشكل مفرط وتفقد بوصلتها لتستمر في غياب الخطر الحقيقي، فإنها تتحول إلى بؤرة خصبة تتوالد منها المعاناة. مقولته بأن "كثير من الاضطرابات النفسية تنبثق من الخوف" تكثف ببراعة كيف أن أمراضًا مثل القلق العام، والرهاب بأنواعه، ونوبات الهلع، واضطراب ما بعد الصدمة، وحتى الوسواس القهري، ليست في جوهرها سوى تجليات مختلفة وتشوهات لـ "خوف" غير معالج تمدد وتضخم ليشل قدرة الإنسان على التكيف مع واقعه.
#مباحث_فينومينولوجية_في_الخوف