لعلَّ أزمةَ بعضِ المفكرين أنهم زعموا الخروجَ عن السياجِ الفكريِّ للمألوف، لكنهم قضوا أعمارهم يثبتون للمألوفِ أنهم خرجوا عنه؛ ومن جعل خصمه مرجعًا، بقي أسيرَه وإنْ ظنَّ نفسه حرًّا!
حين تغيبين، تأخذين الشمسَ معك، ولا يبقى لي من أثرِ الضوء إلا ظلّي.
ثم لماذا، حين تغيبين، يغيب اسمي؟
منذ ذلك الغياب، وأنا أقفُ على غصنِ انتظارك؛ فلا الريحُ تهزُّني، ولا الوصولُ يحدث!
سنةٌ من الوجوهِ لا من الأيام!
هذه السنةُ لم تكن عددًا من الأيام، ولا تاريخًا يُعلَّق على جدار ِالذاكرة، كانت موكبًا من الوجوهِ عبروا حياتي؛ وجوه لمحتها كبرقٍ عابر فأنارت شيئًا في داخلي، وأخرى أثقلت الروحَ بظلِّها ثم مضت، بعضها ترك في القلبِ نافذةً على اتّساعها، وبعضها انسحب بهدوءٍ وخلَّف أثرًا لا يُرى لكنه يُحَس.
لم تمشِ الأيام في خطٍّ مستقيم، بل تكاثرت كمرايا متقابلة، في كلِّ مرآةٍ كنت أواجه نسخةً لا تشبه سابقتها؛ مرّةً أكتشف قوّةً لم أراهن عليها، ومرّةً أتصالح مع هشاشةٍ طال إنكارها، ومرّةً أقف كعابرٍ يتعلّم للمرّةِ الأولى كيف يحمل نفسه دون أنْ يتفتَّت.
ومع الوقت، فهمتُ أنَّ البشر ليسوا رفقةً دائمة، بل محطّات في رحلةٍ أطول من أسمائنا؛ منهم من نبلغ عنده دهشةَ البداية، ومنهم من يعلِّقنا طويلًا في انتظارٍ يدرّب الصبر، ومنهم من نمرُّ به مصادفةً فيبدِّل مسارَ الرحلةِ كلّه. وقلّةٌ نادرة تشبه محطةً هادئة بعد تعبٍ طويل، لا تمنحنا طريقًا جديدًا، بل تمنحنا عينين أوسع لرؤيةِ المسافةِ التي قطعناها، والإنسان الذي تشكّل فينا على مهل.
هذه السنةُ لم تمضِ، كانت نهرًا خفيًّا مرّ بي دون ضجيج، جرّدني من أثقالٍ حسبتُها جلدًا لا يُنزع، وعلّمني أنَّ القربَ من الذاتِ لا يحتاج مرايا بقدر ما يحتاج إلى شجاعة. أخذت مني صورًا كنتُ أظنها أنا، وأعادتني إليّ خفيفَ الهوية، أقلَّ ادّعاءً، وأكثرَ صدقًا مع ما بقي.
وحين ألتفتُ الآن، لا أعدُّ ما خسرته، إنما أتأمّل ما تغيّر فيَّ، فالعمر لا يُقاس بما ينقضي من السنين، إنما يُقاس بما يتركه العابرون فينا من أثر، وبالنسخةِ التي نُغادر بها كلَّ وداع، أقلّ امتلاءً وأعمق حضورًا!
الفلسفةُ كفعلٍ وجودي!
كأنني أعيش حياةً لم تكن يومًا من اختياري؛ حياة فُرضت عليّ بزمانها ومكانها واسمها وهويتها. حتى التقديس الذي توارثناه لم يكن خيارًا حرًّا، بل انسياقًا جماعيًّا خلف القطيع. ومع ذلك، لم يكن لي إلا أن أقاوم خيبتي بالكتابة، فهي المبرّر الوحيد للاستمرار. ولعلّ في اسمي نصيبًا من قدري؛ جواد يجود بمعناه، أو جواد يعلو بصهيله في وجه الصليل.
أدركتُ أنَّ كثيرًا من دارسي الفلسفة لم ينالوا منها سوى وهمِ المعرفة، يردّدون أقوالَ الفلاسفة كما تُتلى النصوصُ المقدّسة دون أنْ تمسَّ جوهرهم. الفلسفةُ ليست في القولِ بل في الرؤية؛ في أنْ نتعلّمَ كيف نُفكّر، لا بماذا نُفكّر، وأنْ نبني جسرًا بين الفكرِ النقدي والحياة اليومية.
عقولنا بطبيعتها جبانة، تحتمي بالأوهام من صدمةِ الحقيقة، غير أنَّ الفلسفةَ الحقّة لا تُقاس بما تحفظه الذاكرة، بل بما تُحدثه من تحوّلٍ في الذات، في أسلوبِ العيش، في نظرتنا إلى الإنسان ككائنٍ بسيطٍ ومعقّدٍ في آن. فهي لا تمنحنا إجاباتٍ نهائية، بل جرأة السؤالِ وطمأنينة الشكِّ واتساع الأفقِ الذي يرى في كلِّ يقينٍ احتمالًا جديدًا.
لسنا بحاجة إلى فلسفةٍ تُغرقنا في المفاهيم بقدرِ ما نحتاج إلى فلسفةٍ تُعيدنا إلى أنفسنا، تُعلّمنا الإصغاء إلى ما نُهمله في صخبِ الحياة، إلى صوتِ الوجودِ الخافتِ في أعماقنا. فالفكرُ الذي لا ينبض بالحياةِ يتحوّلُ إلى طقسٍ ذهنيٍّ بارد، والمفكر الذي لا يعيش أفكاره يصبحُ أسيرًا لها.
أنْ تفكرَ يعني أنْ تتحرر، وأنْ تتحررَ يعني أنْ تواجهَ وحدتك دون خوف، وأنْ تنظرَ في هشاشتك دون أنْ تهربَ منها إلى قلاع الوهم. الفيلسوفُ الحقيقي ليس من يحفظ أقوالَ الحكماء، بل من يحيا سؤاله حتى آخر رمق، يجعلُ من تفكيره مرآةً لحياته، ومن حياته مختبرًا لأفكاره.
غايةُ الفكرِ ليست التفوقَ على الآخرين، بل التعمّق في الذاتِ حتى نصبح أبسطَ وأكثرَ صدقًا. فكلما ازداد الفهم اتسعت الرحمة، واتضحت بساطةُ الحياةِ كما لو كانت دعوةً للسكينة لا للصراع.
في النهاية، ليست الفلسفةُ ترفًا عقليًّا، بل فعل مقاومةٍ ضدَّ القبحِ والابتذال، محاولة لاستعادةِ معنى الإنسان في عالمٍ غدا آليًّا ومنفصلًا عن جوهره؛ أنْ نحيا بفكرٍ حرّ، وأنْ نكتبَ بوعيٍ مفتوح، تلك هي أبسطُ صورِ النجاةِ وأصدقها!
ما يجعل أيامنا ثقيلة هو أننا نحملُ أثقال ما مَضى وما يأتي على كاهل كتف اليوم، واضعين الخيبات على كتف وَالمخاوف على الكتف الآخر منحنين عابرين الحياة بظهورٍ مائلة !
عن سيهات؛ مدينتي التي كبرنا على أمواجِها، وترعرعنا بين ملوحةِ هوائِها وحكاياتِ بحرها، ورضعنا من ملوحتِها معنى الصبرِ والجَلَد. هي دانةُ المملكةِ على الساحلِ الشرقي، مدينةٌ تحملُ هويةَ الموجِ وصوتَ اليامال، وتغدو في الذاكرةِ ميناءً للطفولةِ وموطنًا للأحلامِ والبداياتِ الأولى.
على شواطئها تعلَّمنا أنْ نُصغيَ للبحرِ كأنَّه معلِّمُنا الأول، وفي أزقّتِها تعلَّمنا أنْ نخطو خطواتنا الأولى ونركض خلفَ الفرح. نلاحقُ السرابَ كأنَّه كنزٌ دفين في صدرِ البحر، ونجري وراءَ أحلامِنا كما يجري الأطفالُ خلفَ الطائراتِ الورقيّةِ في مواسم الرياح.
لا يمكن أنْ يُذكرَ اسمُ المنطقةِ الشرقيّةِ دون أنْ يمرَّ العابرُ بسيهات، فهي المحطةُ التي لا تغيبُ عن الذاكرة، والندى الذي يبلِّلُ الحنين. كلّما ابتعدنا، حَمَلَنا الشوقُ إليها كهدهدٍ لا يكلُّ من العودةِ برسائل البحرِ ورائحةِ الملح.
وأنا كلما استعدتُ صورَ طفولتي، رأيتُ وجهَ جدي؛ "النوخذه" الذي حملَ البحرَ في صوته، وقادَ سُفُنَهُ بشموخِ الموج. منه ورثنا شجاعةَ الإبحار، ومن البحرِ ورثنا عشقَ المدى واتِّساعَ الأفق.
سيهات ليستْ مُجرّدَ مدينة، بل حكاية هوية؛ حكاية مُتجذّرة يكتبها المدُّ والجزر، ويرويها الجدُّ للآباء ثم للأبناء، لتبقى حيةً ما دامَ البحرُ حيًّا!
وهنا أسترجعُ ما قاله الشاعرُ الأديب جاسم الصحيح عنها:
سيهاتُ وانكشفتْ مجرّةُ لهفتي .. فإذا المجرّةُ كلها سيهاتُ
فلسفةُ الحياةِ تُخبرنا أنَّ معاناتنا لا تكمنُ في ماهيَّتها، بل في فرطِ التفكيرِ بما لم يحنْ أوانُه بعد؛ فنُسرع الخُطى نحو لحظاتٍ لم تُزهر، ونشيّد فوق أوهامنا جسورًا معلّقةً بين ضفافِ الرجاءِ ومهاوي الخذلان.
نسيرُ عليها بقلوبٍ مرتجفةٍ وعقولٍ مثقلة، نتوجّسُ ما قد يُخبّئهُ الغد، غير مدركين أنّ للغدِ أسرارهُ التي لا تُفصح عنها الرغباتُ ولا المخاوف، وأنّ للحياةِ إيقاعًا لا ينصاع لاستعجالنا!
أنت المقصود ❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️
﴿ إنَّ الله علىٰ کُلِ شيء قدير ﴾
اليقين هو ان تدعو الله بشيء وكل الاسباب حولك توحي بعدم تحقيقه و لكن بداخلك إيمان و يقين تام بأن الله سيستجيب أكتب يا رب 🤲