ربما لا نحتاج إلى مزيد من الوقت بقدر حاجتنا إلى مزيد من الحضور؛ أن نصغي حين يجلس أحبّتنا معنا، وأن نقول ما في القلب قبل أن يصبح الكلام رسالةً متأخرة إلى غائب. فنحن لا نندم على قِصر اللحظات بقدر ندمنا على أننا عشناها شاردين.
لا يأخذ العمر منا الأشياء دفعة واحدة؛ يفعل ذلك بهدوء يجعلنا لا ننتبه إلى الخسارة إلا بعد اكتمالها. نخرج من بيت طفولتنا للمرة الأخيرة دون أن نعرف، ونجلس مع صديق جلسة أخيرة ثم نؤجل حديثًا ظنًا أن اللقاء سيتكرر، ونحمل طفلًا بين أيدينا قبل أن يأتي يوم يصبح فيه أكبر من ذراعينا. ليست قسوة الزمن في أنه يمضي، بل في أنه لا يضع علامة على اللحظات الأخيرة. لذلك نعيش كثيرًا من الوداعات كأنها أيام عادية، ثم نعود إليها في الذاكرة ونمنحها ما بخلنا به ساعة حدوثها من انتباه ومحبة. ربما لهذا تبدو التفاصيل الصغيرة ثمينة متأخرة؛ لأنها كانت أبوابًا تُغلق ببطء، بينما كنا نظن أنها ستظل مفتوحة كلما أردنا العودة.