ما بال الولادة من المنتصف يا عزيزي؟
فثمة نسخٌ منا .. لا تصلح لها الولادة الأولى.
لعل أكثر ما رحمتنا به الحياة .. أنها خبأت لكل واحدٍ منا يومًا واحدًا، لا يحتاج فيه إلى أي مبرر ليكون سعيدًا.
في ذلك اليوم .. لا يثير دهشة أحد أنك تحمل الورد كما لو أنك تحمل قلبك، ولا لأن أصابعك ما زالت دافئة من شمعةٍ أطفأتها قبل قليل، ولا لأن ابتسامتك تبدو أكبر من سببها.
فلا تدين لأحدٍ بأسبابك في ذلك اليوم .. يكفي أنك وُجدت.
لهذا السبب،
أشتهي أن أستيقظ ذات صباح، وكأن التقويم أخطأ بحساب الأيام .. أن يخبرني أحدهم، ولو على سبيل الخطأ، أن اليوم هو عيد ميلادي!
لا لأن عامًا جديدًا مر، ولا لأن العمر يستحق الاحتفال أكثر من الأمس .. فقط لأنني أحتاج هذا الشعور.
أن أرتدي فستانًا بلون التوليب الأبيض المختلط بالزهر، ذلك اللون الذي يشبه ولادة كل شيء لأول مرة.
أن أشتري كعكة صغيرة، وأشعل شمعة، ثم أطفئها ببطء .. لأترك للصمت أن يتمنى عني.
أن أحمل باقة ورد وأضمها إلى صدري، كما لو أنني أضم الحياة نفسها .. وأرقص.
ثم أذهب حيث تستطيع الأرض أن تحملني، إلى البحر، أو صحراء بعيدة، أو حتى إلى جبلٍ لا يعرف اسمي .. وأستلقي على الأرض طويلًا.
أن أترك الشمس تمر فوق وجهي ببطء، كأنها تعدّني من جديد.
أن أشعر بامتداد الحياة وهي تمر من خلالي .. لا من حولي، وهي تملأ صدري، وتنساب إلى أطراف أصابعي، وتترك في روحي سكينة .. وامتلاء.
أن أصحو ومشاعر البهجة هي أول ما يلامس روحي .. قبل الرسائل، قبل الأفكار، وقبل كل ما ينتظرني من هذا العالم، وأفكر…
كم مرة احتجنا هذا الإذن في منتصف الطريق؟
كم مرة استيقظنا، لا ينقصنا شيء يمكن إصلاحه، ولا يؤلمنا شيء يمكن وصفه .. ومع ذلك، متعطشون لأن نشعر بالحياة تربّت على أرواحنا؛ لتمنحنا الحق ليوم واحد، ألا نبحث عن سببٍ للفرح .. فلا حاجة لأن نفسر شيئًا، ولا أن ننجو، ولا أن نصبح أفضل.
لذا يا عزيزي،
أقدس يوم الميلاد عن كل الاحتفالات، لا لأنه يضيف عامًا إلى أعمارنا .. بل لأنه يرفع عن أرواحنا عبء تبرير الفرح.
أن نمنح أرواحنا يومًا .. لا نُولد فيه من أرحام أمهاتنا
بل من قلوبنا.
أن نحمل جسدًا ما زال ينتمي لكل شيء،
وعقلًا لا يكف عن الوقوف خارجه.
ربما هذه أغرب المسافات التي يسكنها الإنسان، أن يكون جزءًا من القصيدة وقارئها في آنٍ واحد.
فثمة شيء فينا لم يتعلم الانفصال بعد .. شيء يميل قبل أن يعرف اسم الريح، ينجذب قبل أن يسأل عن السبب، ويشعر قبل أن يبحث عن المعنى.
لهذا أنمو مع الأشجار وأتمايل معها،
أمد جذوري في الأرض كأن بيني وبينها وعدًا قديمًا، أغرق بين الأمواج، أستيقظ بين الجبال، أركض خلف الطيور، وألعب الغميضة مع النجوم.
وكأن العالم يفتح لي أبوابه دائمًا .. رغم أنني أقف خارجه.
أنا شمس يا عزيزي،
لكنني لا أنتمي للطبيعة.
لا أنتمي إليها انتماء الغيم لاتساع السماء، ولا كانتماء الضوء لوجه الصباح .. أنا أنتمي إليها بطريقة أكثر تعقيدًا، بطريقة الكائن الوحيد الذي يسكن المعجزة ويحاول فهمها.
فالطبيعة لا تحتاج أن ترى نفسها حتى تكون .. الغابة لا تبحث عن صدى وجودها، والبحر لا يقيس عمقه، والسماء لا تعرف كم مرة أنقذت شخصًا رفع عينيه إليها .. لكننا نحن نفعل.
نحمل الأشياء مرتين .. مرة حين نعيشها، ومرة حين ندرك أننا عشناها. وهنا يولد ذلك البعد الغريب بيننا وبين العالم.
وربما لهذا يصل الجسد قبل الفكرة..
لأننا لا ندخل الحياة من باب الفهم، بل هناك شيء فينا يلامس العالم أولًا .. قبل أن يحاول الوعي ترتيب ما حدث.
فالروح لا تنتظر موافقة الوعي كي تميل، والجسد لا يقف على حافة اللحظة محاولًا الإمساك بها من خلف جدار المعنى.
إنه يغرق فيها .. يسمح لها أن تمر خلاله، أن تترك أثرها، أن تغيّر شيئًا فيه قبل أن يدرك ما الذي تغيّر.
وكأن الحياة تحدث فينا قبل أن ننتبه أننا نعيشها، فكل فكرة كانت يومًا إحساسًا صامتًا، وكل معنى كان ارتجافة صغيرة لم تعرف طريقها للكلمات بعد.
نحن لا نخلق المعنى لنشعر بالحياة .. نحن نشعر بالحياة، ثم نحاول أن نمنح هذا الشعور شكلًا.
فالروح تشير .. والجسد يستجيب، ثم يأتي العقل لاحقًا حاملًا مصباحه الصغير .. لا ليخلق الطريق، بل ليضيء الطريق الذي عبرناه بالفعل.
أما الطبيعة؟ لم تبعدنا يومًا عن أعتابها، لكننا نحن من ابتعدنا قليلًا .. كي نرى اتساعها، كي نقف أمامها بدهشة، كي نحبها.
فربما لم تكن المسافة عكس الانتماء يومًا، فها هي الشمس تبقى بعيدة بما يكفي لتهب ضوءها، وحاضرة بما يكفي ليحمل كل شيء أثرها.
وأنا شمس يا عزيزي..
أحمل العالم في داخلي، حتى حين أقف خارجه.
أما أنا،
أميل إلى تصديق الشهود وحاملي النسخة الأولى .. فلا يهجرني فضول، ولا تفارقني الرهبة كلما وجدت أرشيفًا قديمًا، كأنني في كل مرة أستعد لألتقي بشاهدٍ لم يخن روايته، شاهدٍ رأى كل شيء ثم التزم الصمت.
ثمة شيء يثير الريبة في مصير الأشياء بعد أن تسكننا..
فكيف نأتمن ذاكرة لا تكف عن إعادة كتابة ما عاشته على حراسة أفراحنا؟
أحيانًا أتخيل الذاكرة كغرفة قديمة نزورها كلما مرّنا شيء من الحنين، وفي كل زيارة نحرّك كرسيًا من مكانه، نترك أثرًا على الطاولة، نمرر أصابعنا على الجدران، نفتح نافذة مغلقة ونعيد ترتيب الرفوف ثم نغادر .. وكأن كل شيء ما زال كما كان.
ثم نعود إليها بعد سنوات، فلا نجد من الغرفة التي دخلناها أول مرة .. إلا ما نجا من كثرة العودة.
ولهذا يبدو لي أن الإنسان لا يتذكر الأشياء كما حدثت، بل كما استطاع حملها معه عبر الزمن. فنحن لا نستعيد الماضي، نحن نعيد تأليفه .. مرة بعد مرة ببطء لا يكفي لملاحظته، لكنه يكفي لتغيير كل شيء.
نضيف إليه ما عرفناه لاحقًا، ونحذف منه ما لم يعد ينسجم مع الرواية، ونصبغ لحظاته بالألم الذي لم يكن موجودًا حينها أو بالجمال الذي لم ننتبه إليه إلا بعد فوات الأوان.
والذكريات لا تنجو من تأويلنا لها..
بل لعل أكثر ما يهددها هو حاجتها الدائمة لأن تُفهم، فنحن لا نترك الأشياء كما هي، بل نصرّ على منحها معنى، ثم معنى آخر .. ثم معنى جديدًا كلما تغيرنا.
وكأن اللحظة الواحدة تعيش أعمارًا متعددة داخلنا، بينما لم تعش في الواقع إلا مرة واحدة.
هنا تحديدًا تكمن الخسارة، فالزمن لا يسرق تفاصيل حياتنا كما نعتقد. بل نحن من نفعل .. نحن من نبدّل ملامح اللحظات كلما حدقنا فيها طويلًا، من نعيد ترتيب الضوء في المشهد، ونمنح الكلمات نبرات جديدة، ونضع على الوجوه مشاعر لم تكن هناك أصلًا.
ولهذا أخشى على اللحظات السعيدة من التذكر أكثر مما أخشى عليها من النسيان ..
فالنسيان على قسوته فعلٌ صريح، أما الذاكرة فتمارس خساراتها برفق. تأخذ من الذكرى شيئًا صغيرًا في كل زيارة، ضحكةً في الخلفية، نبرة صوت، تفصيلًا عابرًا لم نكن نعرف أنه يحمل نصف روح المشهد، أو الفاصل الزمني القصير بين كلمة وأخرى.
كل تلك الأشياء التي لا ننتبه لها إلا حين تختفي.
إلى أن يأتي يوم لا نفقد فيه الذكرى نفسها، بل نفقد يقيننا بحقيقتها فعلًا، وحينها فقط .. يبدو الرهان على الذاكرة خاسرًا منذ البداية.
فما عجزنا نحن عن الاحتفاظ به كما كان، بقي هناك في مكان لم تمتد إليه أيدينا بعد.
الكاميرا؛ ذلك الشيء الجامد، الفاقد للروح والحياة..
لا يغيّرها الحنين ولا يعيد تشكيلها الأسف، لا تتلاعب بها الوحدة في منتصف الليل ولا تستيقظ يومًا وهي تحاول فهم ما حدث .. فقط تكتفي بالاحتفاظ باللحظة كما مرّت.
ولهذا تبدو لي شرائط الأفلام أقل شبهًا بالأرشيف، وأكثر شبهًا بملاجئ صغيرة للزمن، أماكن احتمت فيها اللحظات من متاهات الانسان، من حاجته المستمرة إلى تفسير كل شيء، من قلبه الذي لا يتوقف عن تغيير رأيه .. ومن ذاكرته التي لا تكف عن إعادة كتابة العالم.
لذلك،
أعود إلى أرشيف اللحظة.
إنّ أكثر ما يُربك الخطوة أحيانًا،
ليس الشك، بل التناقض بين ما نُظهره وما نشعر به، كما لو أنك حاضرًا بالكامل .. بينما جزءٌ منك لا يزال يبحث عن مكانه فيك.
متى فقدنا خفة الخطوة .. وحملنا العالم فوق جفوننا؟
متى ضاقت الأرض على خطواتنا، ولم نعد نعرف إن كنا نمشي، أم نُساق؟
كأننا في غفلةٍ ما، عقدنا انطلاقنا بشروط البقاء، وربطنا الأمل حول دائرة الاحتمالات، وقيدنا التوق بالعقل .. صرنا لا نسير نحو الحياة، بل نتحاشى سقوطها فينا.
نتثاقل مع كل قرار، نقيس الخطوة بالمخاطر .. حتى منحنا الوقت مساحة زائدة لتذكيرنا بكل المرات التي فشلنا فيها.
نحن الذين كنا نركض خلف المجهول وكأننا نعرفه .. متى توقّفنا عن المجازفة؟
متى فقدنا حقّ الرهان على خسارة العالم بجنون اللامبالاة وبعنفوان الرغبة؟ متى صرنا نرتب أيامنا كأنها نشرات إنذار، ندوّن المهام بدل الأحلام، ونحوّل النبضات إلى رفاهية مؤجلة حتى إشعار آخر؟
متى بحق الحنين، فقدنا تلك الخفة التي كانت تمنحنا طيرانًا لا يحتاج أجنحة؟
متى صدّقنا أن الأرض ليست لنا، وأن القلب عليه أن يتقشف، وأن البهجة بسعة نورها سُلب منها حق الحضور؟ فكففنا سعينا نحوها، بصمت لا يُشبهنا.
ما أخفقنا في إدراكه حقًا، هو أن لا أحد سيخبرنا أن ما يلقبونه بالنضج المغلف بالاتزان الزائد قد يُفقِدنا المعنى .. وأن السلام البارد ليس سوى سكون بلا نبض، وأننا حين نفقد خفة الخطوة، نُفقد قلوبنا حكايات ما كانت لتُكتب إلا إن تعثرنا بها.
عزيزي الباحث عن النضج ..
لسنا بحاجة إلى خارطة طريق، في الحقيقة ما نتوق إليه نحن كبشر ما هو إلا انحناءة روح تجاه الحياة .. إلى لحظة صدق مع الطفل الذي كنا عليه، إلى جرأة أن نُخطئ ونحب ونسقط حتى تتهذب أرواحنا بلطف، فتهوى النهوض .. إلى أن نعود نحمل أنفسنا بخفة، لا بثقل التاريخ.
أن نترك مساحة في جيوبنا للحلم، لا للمفاتيح فقط .. أن نُمسك بالأشياء بعين الدهشة، لا بعين الحذر.
وربما، فقط ربما .. حين نسمح لخطوتنا أن تخف من جديد، نسمع نغماتها تعزف سيمفونية التحرر في دواخلنا، فتعيدنا إلينا.
أرجوك ابحث عن الحياة .. لا النضج فيها
أرفع راسك أنت سعودي
طيبك جاوز كل حدودي
مالك مثيلٍ بالدنيا
غيرك ينقص وأنت تزودي
فارس وأجدادك فوارس
وأصبحت لبيت الله حارس
مغروس بالمجد وغارس
في ميدان العز شهودي
كيف سأصفُني لغريبٍ لم يرني؟
لم يجلس بجانبي في لحظة سكون، ولم يلمح كيف أضم أصابعي حين أفكر، ولا كيف أغير طريقي فجأة لأن شيئًا خفيًا داخلي خاف من التكرار.
غريب لم يشهد شرودي وأنا أحدّق في الأشياء أكثر مما أراها، وأنا أعيد ترتيب أفكاري بصمت، وأكتب سطورًا تمسني حد الإنكشاف ثم أمسحها، لأنها تشبهني أكثر مما أحتمل! .. فبأي لغة أُترجم قلبًا لا يزال في طور الترجمة؟ ومن أين ابدأ صياغة تعريف لم يتفق مع نفسه بعد؟
أفكر أحيانًا .. هل نولد ونحن نعرف أنفسنا، أم أننا نلتقي بها لاحقًا كمن يصادف ملامحه في مرايا غريبة؟
وإن كنت أنا لا أزال أتعرف إليّ في كل مرحلة، فأي نسخة أقدمها لذلك الغريب؟ التي كنتها؟ أم التي أنهكني السعي لأكونها؟ أم تلك التي لا تزال تُكتب على مهل، سطرًا بعد سطر، دون عنوان، دون نهاية، وربما دون بداية واضحة؟
لو سألني من أنتِ؟ سأصمت، لا عن خجل .. بل لأنني لم أمسك بي بعد.
فقد لا أكون مجرد إجابة .. بل سؤال ممتد، أو قد أكون الهامش الذي يسبق الاعتراف، الفراغ الذي يحتضن المعنى، والفاصل بين فصلين متناقضين، أو ربما أتمثل في الصمت الذي لا يُقرأ، وتفاصيل الضوء الذي لا ينجو ليظهر بسطوعه في كل الصور.
نحن نجيد الكتابة عن من نُحب، نزينهم بالاستعارات ونرسمهم بالأمل، نمنحهم حضورًا من نور يتجاوز الغياب.
لكن حين نكتب عن أنفسنا .. نخجل من الضوء، نخشى الاختزال، كأننا نعرفنا بعمقٍ لا يُشرح، نعرفنا كما تتغنى الروح بالقصيدة عندما تُسمع لأول مرة، لا كما تُحلل في الصفحات .. لكن لا وجود لمن يعيد بث روعة صداها مرة أخرى، كما كتبت.
نحن البشر نتقن لعب الأدوار بمهارة، ننجو من الآخرين بأقنعة نُجيد خياطتها، نُبهرهم بنسخ مشذبة منا، لكننا حين نحاول أن نكون نحن .. نرتبك، ونتوه في وصف أنفسنا، نخاف الصدق، ونخون المعنى.
مرة أخرى ..
لو أصرّ الغريب أن أشرح له من أكون؟ لن أحكي له عن بطولاتي الرائعة ولن أجاهد في إثبات صلابتي بشدة .. بل سأحاول أن أحدثه عن الطرق التي مشيتها وأنا أجر ظلي، عن الليالي التي أطفأت فيها النور لأسمع صوت أفكاري وحده، عن لحظات شعرت فيها أنني أتنفس من عيني، لا من صدري.
سأحدثه عن أبي .. الذي ظل يمسك بطرف الحكاية كي لا أتوه، وكأنه يعرف أنني في كل مرة أبدأ من جديد، أحتاج لمن يذكرني أنني ما زلت أنا، حتى لو تغير النص.
سأخبره أنني كتبت كثيرًا، وصمت كثيرًا، ورغبت كثيرًا في كتابة شيء عني، يشبهني بصدق .. لكن اللغة خذلتني، كما تفعل دائمًا أمام ما نحبه، أمام ما نخشاه، أمام ما لا نستطيع الإمساك به.
فربما أنا شيء لا يُقال .. وربما ما لا يُقال، وهذا هو أدق تعريف يمكن أن يُمنح لإنسان.
وإن ألحّ في السؤال للمرة السابعة عشر قبل النهاية .. أيضًا لن أعده بإجابة
أو ربما سأكتفي بأن أتركه يتأملني كما يتأمل نصًا ناقصًا، فاكتمالي ليس من شأنه .. فأنا من اعتادت ان تكتب نفسها في الظل، وتترك فراغًا مقصودًا في كل فصل، أنا التي تفتش عن ملامحها في انعكاسات الآخرين، ولا زالت تسأل نفسها في الخفاء، إن كنا لا نعرف أنفسنا كما ينبغي .. فكيف نجرؤ على أن نطلب من غريب أن يحبنا على حقيقتنا؟
عزيزي الغريب، ما أدركته مؤخرًا هو أننا في النهاية مجرد احتمال غير محسوم، نسير في الحياة كأن المعنى ينتظرنا عند آخر صفحة، فنكتب أنفسنا بهدوء كما الأسرار، فقط لنُبقي أرواحنا حيّة في النص .. حتى لو لم نصل.
"القائد تحركه المسؤولية يا عبير .. أنا مش موظف"
هكذا قال لي أحمد - زميل في العمل، حين كنت أتهكم ضاحكة على فكرة أننا قادرون سويًا على إنجاز المشروع بكفاءة دون توجيه، في ظل غياب المحرك الإداري.
كنت أظنني أمازحه، لكنه لم يمازحني برده .. جعلني ألتفت إلى داخلي قبل أن ألتفت للواقع. فتلك الجملة لم تكن ذكية فقط، بل كانت مرآة رأيت فيها نفسي، وزملائي وكل من يعمل دون أن يُسأل، يتحرك دون أن يُوجه، ينجز دون أن يُراقب.
المسؤولية ليست سُلمًا وظيفيًا، بل شعور داخلي يشبه الضمير، ما لا يمنح لك بل تولد به .. أو ربما يجوز وصفها كحالة من الإدراك الهادئ أن هذا العمل يخصك في ذاته، ليس لأنك أُرغمت وجُررت إليه، بل لأنك اخترت أن تكون جزءًا منه.
تمامًا كما في عجلة تدور، هناك من يكون جزءًا فاعلًا من حركتها، يدفعها للأمام بثقله وروحه، وهناك من يعلق بها منتظرًا أن تحركه كما الدمية .. تلك اللحظة تكشف كل شيء، تكشف من فينا كيان مستقل يملك طاقة الدفع الذاتي، ومن يحتاج لمن يجرّه من الخارج حتى يُنجز.
أن تكون موظفًا هذا دورك .. لكن أن تكون قائدًا؟ هذه هوية تميزك.
والهوية لا تُمنح ابدًا، بل تُبنى في صمت المواقف، في التفاصيل الصغيرة التي لا تُذكر، في الأيام التي تنهض فيها متمسكًا بصلابتك، بصبرك، بعزيمتك ومسؤوليتك دون أن يسألك أحد.
نعود لأحمد مرة أخرى ..
في لحظتها شعرت أنه لم يرد علي فقط، بل أيقظ حس بداخلي .. ذكرني أن النجاح لا يحتاج إلى صوت مرتفع، بل إلى نية صافية، وأن القادة ليسوا من يعتلون المنصات، بل من يزرعون المعنى في الظل.
فلا حاجة لمن يخبرنا ماذا نفعل، حين نمتلك وعيًا يجعلنا ندرك ما يجب أن يكون، ونمضي إليه بجرأة ونية خالصة دائمًا .. لا لأننا سنحاسب عليه في نهاية المطاف.
عزيزي القارئ .. كل بيئة عمل هي اختبارًا خفيًا، اختبار لنا إذا ما كنا نحمل الدافع في جيوبنا الداخلية أم ننتظره على طاولة الاجتماعات؟
ولعل أصعب المفارقات التي لا تتواجد في معايير التقييمات المهنية، ولا نجدها مدرجة ضمن القائمة الطويلة من الأسئلة التعجيزية الخاصة بمسؤولي التوظيف، هي: هل كنت أنت العجلة؟ أم كنت الراكب؟
فهناك من يدفع العمل إلى الأمام كأنه امتداد لروحه، وهناك من يلتفت فقط حين يُطلب منه .. ثم يعود للسكون.
وفي هذه المساحات الرمادية بين الحافز الخارجي والحس الداخلي، يولد الفرق بين الإنجاز العابر، والإنجاز الذي يصنع أثرًا.
لذلك لا تبحث عن اللقب .. ولا تنتظر المنصب
ابحث عن الأثر، عن تلك البصمة التي تُترك، وعن الإنجاز الذي لا يرفع صوته مفاخرًا بوجوده، لكن حين يُفتش عنه في السجلات، يثبت أنه كان فارقًا في معناه .. فبعض القادة يضيئون الطريق وهم في آخر الصف.
هولاء .. وإن لم تُمنح لهم الألقاب، فإن أثرهم هو التعريف الوحيد الذي يحتاجونه، وهويتهم الحقة لا تُعلّق على الصدر.
سأجني أول مليون ريال خلال سنة من تاريخ اليوم بإذن الله
هي حسبة بسيطة:
1 مليون ريال / 12 شهر = 83,334 ريال
83,334 ألف ريال / 30 يوم = 2778 ريال
≈ 350 ريال في الساعة × 8 ساعات عمل
هذي التغريدة توثيقية، ولعلها تكون بداية خير وإلهام لي ولك يا عزيزي🤍