النجاح لا يصنع الكراهية... الغرور هو الذي يفعل
من السهل أن يظن بعض الناس أن سبب نفور الآخرين منهم هو نجاحهم، لكن الحقيقة في كثير من الأحيان مختلفة تماما. فالناس بطبيعتهم تميل إلى احترام الإنسان المجتهد، وتقدر من وصل بعرقه، وتحترم من صنع مكانته بعمله وأخلاقه. أما الذي ينفر القلوب فليس النجاح، بل الشعور بالتعالي الذي يبتلع صاحبه حين يظن أن إنجازه يمنحه حق احتقار الآخرين.
النجاح الحقيقي يزيد صاحبه تواضعا، لأنه يعرف كم تعب حتى وصل، ويدرك أن ما بين يديه فضل من الله قبل أن يكون ثمرة جهده. لذلك تجده قريبا من الناس، سهلا في تعامله، كريما في حديثه، لا يستعرض ما عنده، ولا يشعر من حوله أنهم أقل منه.
أما النجاح المزيف، فهو أول ما يظهر في اللسان قبل العمل، وفي المظاهر قبل الإنجازات، وفي المطالبة بالتقدير قبل استحقاقه. وصاحبه لا يبحث عن أثر يتركه، بل عن تصفيق يسمعه، فإذا خفتت الأصوات ظن أن الناس تحاربه، مع أن المشكلة لم تكن في الناس، بل في صورته التي صنعها لنفسه.
ليس كل من امتلك منصبا أصبح كبيرا، ولا كل من اشتهر أصبح مؤثرا، ولا كل من كثر أتباعه أصبح ناجحا. فالمكانة الحقيقية لا يمنحها كرسي، ولا تصنعها الألقاب، وإنما تبنيها الأخلاق، ويثبتها الإخلاص، ويحفظها التواضع.
تأمل أصحاب الأثر الباقي، ستجد أن الناس أحبتهم قبل أن تعجب بإنجازاتهم، لأنهم كلما ارتفعوا ازدادوا قربا، وكلما اتسعت صلاحياتهم اتسعت صدورهم، وكلما كثرت إنجازاتهم قل حديثهم عن أنفسهم. كانوا يدعون أعمالهم تتكلم عنهم، ولم يجعلوا ألسنتهم تقوم مقام أعمالهم.
فإذا أردت أن تعرف حقيقة نجاحك، فلا تنظر إلى عدد المصفقين حولك، بل انظر إلى مقدار الاحترام الذي تحمله القلوب لك في حضورك وغيابك. فالنجاح الذي يحتاج إلى غرور ليحافظ على هيبته، نجاح هش. أما النجاح الذي تحرسه الأخلاق، فلا تهزه الأيام، ولا تنقصه المنافسة، ولا يطفئ بريقه تقدم الآخرين.
احرص أن يكون نجاحك سببا في رفع الناس لا في استصغارهم، وأن يكون تواضعك أكبر من إنجازك، فإن القمم الحقيقية لا يرتفع إليها المتكبرون، بل يسكنها من عرفوا أن كلما علت المنزلة، ازداد واجب التواضع، وأن أعظم الناجحين هم أولئك الذين يشعر الناس بقيمتهم، ولا يشعرون بثقلهم.
بعض الانكسارات... أعظم النعم المتخفية
ليس كل ما يؤلمك جاء ليهزمك، ولا كل ما يسقطك جاء لينهيك. ففي الحياة مواقف تبدو في لحظتها كأنها نهاية الطريق، ثم تكتشف بعد سنوات أنها كانت بداية الطريق الصحيح.
كم من باب أغلق فأنقذك من ضياع أكبر، وكم من خسارة أبكتك حتى ظننت أنها لا تعوض، ثم أدركت أنها نزعت من حياتك ما كان سيستنزف عمرك كله. وكم من إنسان رحل، أو منصب فات، أو مشروع تعثر، فظننته شرا محضا، ثم شكرت الله يوما لأنه لم يحقق لك ما تمنيت.
الشدائد لا تأتي دائما لتسلب الإنسان، بل كثيرا ما تأتي لتكشفه لنفسه. تكشف مقدار صبره، وقوة إيمانه، وحقيقة من حوله، وتعيد ترتيب أولوياته، وتنتزع من قلبه أوهاما كان يعيش عليها. إنها تهدم في داخلك ما لم يعد صالحا للبقاء، لتبني مكانه إنسانا أكثر وعيا، وأصلب عزيمة، وأعمق بصيرة.
ليس النضج ثمرة السنوات، بل ثمرة المواقف. فهناك من يعيش عمره كله كما هو، وهناك من تغيره محنة واحدة، فيخرج منها بعقل جديد، ونظرة مختلفة، وقلب أكثر رحمة، ونفس أقل تعلقا بما يفنى.
ولذلك لا تستعجل الحكم على ما يمر بك. فما تراه اليوم قاسيا قد يكون أعظم أسباب نجاتك، وما تعده تأخيرا قد يكون إعدادا، وما تحسبه كسرا قد يكون إعادة تشكيل، حتى تصبح أقدر على حمل ما ينتظرك.
إن الذهب لا يزداد صفاء إلا بعد أن تمسه النار، وكذلك النفوس الكريمة؛ لا تبلغ تمام قوتها إلا إذا عبرت امتحانات الحياة. فمن لم يعرف الألم، قد لا يعرف قيمة العافية، ومن لم يذق مرارة السقوط، قد لا يحسن الوقوف.
فإذا ضاقت بك الأيام، فلا تجعل عينك على ما فقدت، بل على ما يمكن أن تولد به من جديد. فقد تنكسر الأحلام، لكن الإنسان لا ينكسر ما دام قلبه معلقا بالله، وما دام يؤمن أن وراء كل قدر حكمة، ووراء كل محنة منحة، ووراء كل ليل طويل فجر لا يتخلف موعده.
وأجمل ما في المواقف الصعبة أنها لا تبقى، أما أثرها فيمن أحسن التعامل معها فيبقى مدى الحياة. فهي لا تصنع نهايتك، وإنما تصنع النسخة الأقوى منك.