كيف يتحقق الامتلاء بين الزوجين؟
الامتلاء في حقيقته ليس حالة عاطفية بين اثنين،
بل حالة قلبية بين العبد وربه.
فالقلب خُلق ليتعلق بالكمال المطلق،
فإن لم يمتلئ به، بقي فيه فراغٌ لا يسدّه بشر.
ومن هنا، فإن أعظم وهمٍ في العلاقات:
أن يُطلب من إنسانٍ محدود
أن يسدّ فراغًا لا يملؤه إلا غير المحدود.
فمن امتلأ قلبه بالله:
هدأت فيه الفجوات
واستقرت رغباته
وصار حبه أصفى وأعدل
أما من خلا قلبه:
فإنه وإن أحب سيبقى يبحث…
لأن أصل النقص لم يُعالج
الزواج في التصور الرباني ليس علاجًا لكل نقص،
ولا بديلًا عن الامتلاء الأعلى،
بل هو سكنٌ يهدّئ النفس بعد أن استقرت وجهتها
فإذا دخل الإنسان الزواج وهو:
مضطرب من الداخل
يشعر بأنه غير مكتمل
ينتظر من يملأ هذا النقص
فإنه سيحوّل العلاقة دون أن يشعر إلى ساحة مطالبة مستمرة
أما إذا دخلها بقلبٍ ممتلئ:
فإنه:
يُعطي دون هلع
ويأخذ دون جشع
ويحب دون أن يذوب
يتحقق الامتلاء بين الزوجين حين يلتقيان وقد استقرّ في القلبين امتلاءٌ بالله.
وحينها تتشكّل معالم الامتلاء الصحيح في العلاقة:
• مودة تُسكن… لا تُستنزف
العلاقة الممتلئة ليست كثيرة المطالب،
بل قليلة الاضطراب
فيها قرب يطمئن،
لا تعلّق يرهق
• عطاءٌ من فيض… لا من فقر
الذي يعطي وهو ممتلئ:
يعطي بهدوء
أما الذي يعطي ليُملأ:
فإنه يعطي بقلق… ثم يلوم
• حدود تحفظ الكرامة
الامتلاء لا يُلغي النفس،
بل يجعلها أكثر اتزانًا
فلا ذوبان،
ولا تجاوز للحدود،
ولا خوف من الفقد يُفسد العطاء
•حضور صادق
ليس الامتلاء في كثرة اللقاء،
بل في صدق اللقاء
أن يجد كلٌّ منهما عند الآخر:
إنصاتًا
فهمًا
قبولًا
• استغناء يمنع التعلّق المنحرف
حين يمتلئ القلب بالله،
لا ينجرف وراء الحرام ليكمل نقصه،
وإن خطر له الميل، كفّه ورده،
لأنه لا يرى فيه نجاةً ولا خلاصًا
فالامتلاء ليس غياب الحاجة،
بل ضبط الحاجة.
فإذا استقرّ الامتلاء بالله في القلب،
هدأ الحبّ من التعلّق،
وصار قرب الشريك طمأنينةً لا افتقارًا
وهنا لا يعود الزواج تعويضًا عن نقص،
بل سكينةً تمضي بالإنسان في طريق العبودية.