لكن هناك كذبة أخطر: أن يستخدم الكاتب «الجرأة» ذريعة ليقول كل شيء. أن يتوهم أن كشف العورة هو كشف للحقيقة، وأن الصدمة هي العمق، وأن القسوة هي الصدق. ليست كل فضيحة أدبًا، وليست كل حقيقة مادة فنية، وليست كل منطقة محرمة تستحق أن تُقتحم.
يكتب سيرة حياته وفق ما يسمح به الآخرون لن يكتب حياته، وإنما سيكتب النسخة التي يستطيع الآخرون احتمالها. سيحذف الخيبات، ويهذب الرغبات، ويستر الأخطاء، ويجعل أباه أكثر طيبة مما كان، وأمه أكثر احتمالًا مما كانت، وأصدقاءه أكثر وفاءً مما كانوا، ويخرج من طفولته بذاكرة نظيفة
الكاتب الحقيقي لا يخاف من المناطق المعتمة في حياته، بل يعرف أنها غالبًا أكثر المناطق صلاحية للأدب. هناك، في الذاكرة التي نحاول نسيانها، وفي المواقف التي نخجل من الاعتراف بها، وفي الرغبات التي لم نجرؤ على تسميتها، وفي الأخطاء التي نتمنى لو لم تقع، وفي الأصوات المتعددة التي تتصارع
فالكتابة ليست اعترافًا أعمى، وليست فضيحة مؤجلة، وليست محكمة ينتقم فيها الكاتب من الذين عبروا حياته. هناك فرق كبير بين أن تكشف حقيقة لأنها ضرورية لفهم الإنسان، وأن تكشفها لأنك تريد أن تعاقب شخصًا ظللت عاجزًا عن معاقبته في الواقع.
حين يجد القارئ أمامه مئات الكتب ، يبدأ الوقت في الظهور كخصمٍ لا كوسيلة. للنفس حاجاتها، وللحياة مشاغلها، وللطاقة حدودهاوليس كل ما يغوينا بالقراءة يستحق أن نمنحه أعمارنا وهنا تبدأ ورطة التشتيت: ننتقل من كتاب إلى آخر، ومن عنوان إلى عنوان، حتى يصبح كثرة الاختيار سببًا في قلة الإنجاز.
المثقف الحقيقي لا يبحث عن منصة تستعرض الثقافة أمامه، بل عن منفذ يعطيه ثقافة. يريد أن يسمع فكرة تفتح في رأسه نافذة، ونصاً يضيف إلى تجربته، ومحاضرة تترك وراءها سؤالاً لا تثاؤباً.
يستفزني إلى أقصى الحدود أن يجلس من لا يملك أدوات المعرفة في موضع من يقيّم المتعلم، وأن يتحول صاحب السلطة الإدارية إلى وصيّ على صاحب المنجز الثقافي. فالمشكلة ليست في أن تُقبل عضوية أديب أو تُرفض، وإنما في أن تختل المعايير التي يفترض أن تكون المؤسسة الثقافية قائمة عليها.
والأخطر أن المثقف الحقيقي لا يُهزم دائماً أمام الجاهل، بل قد يهزمه المثقف الدعي؛ ذلك الذي يستعير هيئة المعرفة، ثم يطلق الأكاذيب والشائعات بثقة، فيجد جمهوراً مستعداً لتصديقه لأنه يقول ما تحب الجماعة أن تسمعه.
ليس كل ابتعادٍ قطيعة؛ أحياناً يكون الابتعاد اعترافاً صامتاً بأنك رأيت أكثر مما ينبغي.
وأقسى ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يعيش أمام شخص لا يستطيع أن يخدعه. فالأقنعة تصلح للجمهور، لكنها تسقط أمام من يعرف الوجه الذي تحتها.
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجيب عن آلاف الأسئلة، لكن الإنسان هو الذي يمنح السؤال قيمته. وربما لا تكون المشكلة في أن الآلة تعرف الإجابات، بل في أن الإنسان قد يفقد يومًا القدرة على معرفة أي سؤال يستحق أن يُطرح.
السؤال الجيد يضيف معرفة، أو يغيّر قناعة، أو يكشف خطأ، أو يفتح سؤالًا جديدًا. أما السؤال الباهت فهو الذي لا يغيّر شيئًا، والسؤال العابث هو الذي لا يريد معرفة، بل مجرد إجابة تملأ فراغًا مؤقتًا.
كل قضية جنائية هي حبكة مستقلة، لكنها لا تعيش وحدها؛ تتشابك مع غيرها، تُنتج شبكة من السرديات: شهادة تقود إلى أخرى لتصنع مسارًا يبدو وكأنه يتحرك بذاته. هنا، يصبح التاريخ والإجرام وجهين لعملة واحدة: كلاهما حبكات متشابكة، تتفاعل خارج إرادة الفرد، كأنها رواية كبرى تُكتب بلا مؤلف واحد.
ولعل أخطر ما أصاب بعض الرواية العربية هو الخلط بين الأدب والإنشاء. فصار بعض الكتّاب يقيسون قيمة النص بعدد الزخارف، لا بقدرته على البقاء في ذاكرة القارئ. والحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن الرواية لا تُخلَّد لأنها جميلة العبارة، بل لأنها صادقة في رؤيتها، محكمة في بنائها،
الرواية العظيمة لا تحتاج إلى ضجيج لغوي. إنها تعرف أن الكلمة التي تخدم الشخصية أهم من عشر كلمات تتباهى بنفسها، وأن الجملة التي تغيّر مسار الحكاية أثمن من صفحة كاملة من البلاغة العقيمة. فاللغة ليست نجمة العرض، بل هي الضوء الذي يكشف العرض. ان الرواية خط مستقيم وهو أقصر الطرق..
التملق كريه في كل أحواله، لأنه يضع الكذب مكان الصراحة، والمصلحة مكان الصداقة، والسلامة الشخصية مكان الموقف. والمتملق يفضل أن ينجو بنفسه على أن يكون فاعلًا في الموقف، ولذلك يبدو حاضرًا دائمًا، لكنه في الحقيقة لا يفعل شيئًا.
🔴 مدير هيئة التقاعد:
رواتب محتجزي رفحاء تكلف ميزانية الدولة أكثر من 38 مليار دينار شهرياً، لأكثر من 30 ألف مستفيد، تتراوح بين 400 ألف ومليون و200 ألف دينار حسب مدة الاحتجاز.