حيّ على العزاء
يقول الإمام الصادق عليه السلام:
«إذا هَلَّ هلالُ المحرّم نشرت الملائكةُ قميصَ الحسين (عليه السلام) وهو مخضّبٌ بالدماء، فنراه نحنُ ومن أحبّنا بالبصيرة لا بالبصر، فتنفجرُ دموعُنا».
يعود علينا اليوم هلال شهر محرّم الحرام، شهر الأحزان والمصائب، شهر الفاجعة التي لم يندمل جرحها رغم تعاقب القرون. وكما يعود كل عام حاملاً معه ذكرى مصاب أهل البيت عليهم السلام، فقد عاد علينا هذا العام حاملاً معه مصاباً آخر يطرق باب قلبي من جديد.
فكل عام كان يأتي محرّم ويغادر، ونستقبله بالحزن والمواساة، أما هذه المرّة فالأمر مختلف. هذه المرّة أعيش معنى الفقد بقلبٍ أثقلته التجربة، وأشعر بشيءٍ من تلك الآلام التي خلّدها التاريخ في صفحات هذا الشهر، وإن كانت أح��اننا مهما عظمت لا تساوي شيئاً أمام ما جرى على أهل البيت عليهم السلام من مصائب ورزايا.
عامٌ كامل مرّ على فقدك في مثل هذا اليوم، وما زلت غير مصدّق لما حدث. ما زلت أقاوم الواقع وأصارع المشاعر، وما زال عقلي يقنعني كل يوم بعبارة واحدة:
“هو مسافر وسيعود، ولو بعد حين.”
ربما يظنّ البعض أن البكاء والانهيار وعبوس الوجه هي العلامات الوحيدة للحزن الشديد، لكن لكل إنسان طريقته في استقبال الفواجع. أما أنا، فكان نصيبي من الحزن الإنكار.
لم أبكِ بكاء الفاقدين، ولم أضجّ ضجيج الآملين، ولم أصرخ صريخ المستصرخين، ليس لأن ما حدث هيّن، ولا لأن فقدك سهل، ولا لقلّة محبةٍ أو وفاء، بل لأن عقلي رفض وما زال يرفض استيعاب ما حدث.
ولعلّ أكبر دليل على ذلك أنني طوال عامٍ كامل كنت أتهرّب من ذكر الحقيقة بصورتها الصريحة، حتى في هذا النص. وها أنا أكتبها للمرة الأولى بهذا الوضوح: لقد متّ، ورحلت عن هذه الدنيا.
ولا أعلم أي صدمةٍ أو انتكاسةٍ قد تصيبني يوم ينهار هذا الحاجز الأخير من الإنكار، ويستوعب القلب ما أدركه العقل منذ زمن. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومنذ أن أغمضت عينيك للمرة الأخيرة، لم يعد الحال كما كان. ولا أقصد بذلك أمور الدنيا المادية، فالحمد لله على نعمه وعطائه ورزقه في كل حال، وإنما أقصد ذلك الفراغ الذي يتركه الإنسان حين يكون ركناً من أركان الحياة.
ومع ذلك، لا أنكر فضل الطيبين من الأقربين والأصدقاء والمعارف الذين صدقوا في مودتهم ووفائهم، فوقفوا معنا في وقتٍ كان الإنسان بأمسّ الحاجة فيه إلى النصح والإرشاد والسند والدعم. فمنهم من بقي حتى استقرت الأمور، ومنهم من استمر بالسؤال والاطمئنان، ومنهم من لم ينسَ من كنت، ولم ينكر ما كان بيننا من صلة ورحم ومعروف، ومنهم من قدّم ما استطاع، صغيراً كان أم كبيراً، تعويضاً عن نقصٍ أو مواساةً في مصاب.
وعلى النقيض من ذلك، وكما هي سنّة الحياة، ظهرت معادن أخرى. فمن الناس من كانت تربطه المصالح لا الوفاء، ومنهم من أنكر العِشرة منذ اللحظة الأولى. ولا أتحدث هنا عمّن لزم الحياد أو لم يفعل شيئاً، فليس ذلك واجباً على أحد، وإنما أتحدث عن أولئك الذين سعوا إلى الأذى أو حاولوا استغلال ما حدث لمصالح شخصية، أو وقفوا حجر عثرة في طريق استقرارنا.
وما كانت تلك الأفعال إلا انعكاساً لما تحمله بعض النفوس من حقدٍ دفين وكراهيةٍ لما كنت عليه من نجاح، وما حققته من إنجاز، وما زرعته من خير لا يزال أثره حاضراً في الناس، يذكره كل صاحب أصلٍ ووفاء.
وقد يبدو ما سأقوله الآن متناقضاً مع حديثي عن الإنكار، لكنه في الحقيقة أمرٌ مختلف. فالعقل يعلم يقيناً أن لا أحد يخلد في هذه الدنيا، وأن الفناء مصير الخلق جميعاً، و��نا مؤمن بذلك ومسلم به. لكن الألم ليس في حقيقة الموت نفسها، بل في الفراغ الذي يتركه الراحلون في حياة من أحبّوهم.
أما ما بعد الرحيل، فأنا مطمئن إليه. لا أقول ذلك لأنك والدي فأبحث عن عزاءٍ لنفسي، بل لأن هذا ما شهد به كل من عرفك وخبرك و عاشرك . شهدوا على أخلاقك، وعلى أعمالك، وعلى الخير الذي زرعته في حياتك ، حججت بيت الله الحرام و أتممت ما عليك من دين و دَين و عمل .
وكم من صدقةٍ تصدّقت بها، وكم من يدٍ أعنتها، وكم من معروفٍ صنعتَه في الخفاء قبل العلن. وحتى بعد رحيلك الدنيوي، ما زالت الحسنات الجارية تؤتي ثمارها مما زرعته في هذه الحياة.
وكما قال رسول الله ﷺ:
«إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
ويشهد بذلك القاصي والداني، والصغير والكبير. ومهما حاول بعض سيئي الذكر والسيرة أن يشوّهوا صورتك أو يسيئوا إلى ذكراك بالكذب والافتراء، مستغلين أنك غبت عن الدنيا وعجزت عن الرد عليهم، فإن الله سبحانه كفيل برد كيدهم وإظهار الحق.
َمالي إلهٌ ان آلهتي أنا
لصوص عبدناها بقلَّةِ عقلِنا
سأُدرك ثأري من إلهي بما جنى
سأقتُلُهُ قتلًا نأى الوغد أم دنا
ليَرجِع تمثالًا بوجه مُدمَّرٍ
سلامٌ ��لينا، من قتيلٍ وقاتلِ
وليث هوى في كفَّةٍ وحبائلِ
وطالبُ ثأرٍ من إلهٍ مُختالِ
وزائل عز ذكره غير زائلٍ
وخالد بأثواب المنايا مستر