منذ قرابة 10 أعوام رفع العراقيون مطالب بـ "حصر السلاح بيد الدولة"، خاصة بعد انتهاء الحرب مع "داعش"، لكنهم جُوبهوا باتهامات بالعمالة للخارج، فضلاً عن محاولات استهدافهم عبر الاختطاف، والاغتيالات، و"الكواتم". وحين أصرّ الخارج على حصر السلاح، ظهر النقاش حوله إلى العلن، وتتم الاستجابة تدريجياً من قبل القوى السياسية بخضوع والعمل على التنفيذ.
هذا الأمر يوضح أن النظام السياسي العراقي لا يتحرك وفق التحديات الداخلية واشتراطات بناء الدولة والمطالب التي يرفعها الناس؛ إنه يتعامل بتعالٍ شديد أمام كل مطلب احتجاجي يريد الإصلاح وتصحيح المسار الديمقراطي المتعثر. وفي الحقيقة، سيبقى النظام رهينةً لما يقوله الخارج ويفرضه من قضايا تتحرك بالتزامن مع مصالح هذا الخارج نفسه.
هذا الفيديو قبل 3 أشهر..
ديمقراطية الباراشوت: نقد خطاب السفير عرفان صديق
د. باسل حسين
1. قبل أن نناقش ما قاله السفير البريطاني عرفان صديق يجب أن نفهم من هو عرفان صديق، لأن السيرة هنا ليست سياقاً مكملا بل هي الدليل الأول والأخير على طبيعة الخطاب، فهذا الرجل لم يأتِ إلى العراق دبلوماسياً محايداً بل جاء في 2003 ضابطاً سياسيا في سلطة الائتلاف المؤقتة أي في قلب جهاز الاحتلال المدني الذي أدار العراق بعد سقوط بغداد ثم غادر في 2004 إلى واشنطن معارا إلى وزارة الخارجية الأمريكية ضابطاً سياسياً معنيا بملف العراق، أي أنه انتقل من إدارة الاحتلال ميدانياً إلى صياغة سياسته من عاصمته ثم عاد إلى بغداد في 2010 نائباً للسفير البريطاني وعاد إليها مرة ثالثة في 2025 سفيراً.
2. ماذا يعني ذلك ؟ يعني ان الرجل لم يمر بالعراق بل عاش معه على امتداد عقدين وفي كل مرحلة كان يحمل صفة مختلفة لكنه كان يؤدي وظيفة واحدة: لذا فهو لا يتحدث عن سياسة بلاده من بعيد بل يتحدث عن مشروع أمضى عمره المهني في خدمته.
3. حين يقول هذا الرجل (نحن أدخلنا الديمقراطية)فهو لا يؤدي اعترافاً بل يمارس سلطة، سلطة من يملك حق تسمية الأشياء وتعريفها وتوزيع الشرعية على من يشاء، وهذه بالضبط اللحظة التي حذر منها إدوارد سعيد حين قال إن المستعمر لا يحكم بالسلاح وحده بل يحكم أولاً بالمفاهيم، من يملك تعريف الديمقراطية يملك مفتاح الشرعية ومن يملك مفتاح الشرعية يملك حق منحها وسحبها.
4. التعريف الذي يستند إليه صديق وهو أن الديمقراطية تعني حكم الأغلبية ليس تبسيطاً بريئاً بل هو اختزال مقصود يمرر مفهوماً ويغلق نقاشا فجون ستيوارت مل الذي تقوم عليه الليبرالية البريطانية بأسرها كتب في في الحرية أن الخطر الأعظم على الحرية لا يأتي من الطاغية الفرد بل من استبداد الأغلبية الذي يقتل الروح الحرة بسلاح العدد، وحين يتجاهل صديق مل وهو ينطق بلغته ويحمل جواز سفر بلده فهو لا يجهل بل يتجاهل، والتجاهل المتعمد في الخطاب السياسي جريمة فكرية لا تقل عن الكذب.
5. الانحياز الطائفي الذي مارسه المحتل في 2003 لم يكن خطأً في التطبيق بل كان المنطق الكامن في العقل الاستعماري ذاته، فالاستعمار الكلاسيكي كما حلله فرانز فانون في (معذبو الأرض ) لا يرى أمامه مواطنين بل كتلاً بشرية تحتاج إلى تصنيف وترتيب وإدارة، وحين صنف المحتل العراقيين إلى شيعة وسنة وأكراد قبل أن يصنفهم إلى مواطنين فهو لم يكشف واقعاً بل صنع واقعاً لأن الهوية التي تؤسس عليها المؤسسات تصبح أقوى من أي هوية أخرى مهما كانت أصيلة.
6. هابرماس في نظريته الديمقراطية التداولية يحدد شرطاً جوهرياً لأي نظام ديمقراطي حقيقي: أن تكون الشرعية وليدة نقاش عام حر ومتساو بين مواطنين أحرار لا وليدة قرار من خارج المجتمع، أما دستور صاغه مستشار أمريكي في غرفة مغلقة بعيداً عن أي تداول شعبي حقيقي (نوح فيلدمان) ثم سلمت نسخته المترجمة إلى مجلس عينه المحتل لا الناخب فهو لا يستمد شرعيته من إرادة الشعب بل من قوة من فرضه، وهذا ليس تأسيساً دستورياً بل هو إعلان إداري يرتدي عباءة التأسيس، وصديق كان موجوداً في بغداد حين كتب ذلك الإعلان ( قانون ادارة الدولة الانتقالية) .
7. المحاصصة التي يشكو منها صديق اليوم وهو يعود بصفة سفير في 2025 لم تكن خللاً طرأ على النظام بل كانت الجين الوراثي الذي زرع فيه منذ اللحظة الأولى، لأن أي نظام يبني مؤسساته على الهوية لا على المواطنة ينتج حتماً ما وثّقه أرند ليبهارت في دراسته للأنظمة التوافقية: نخباً طائفية تستمد شرعيتها من استمرار الانقسام لا من تجاوزه لأن الانقسام هو رأس مالها السياسي الوحيد وحين يختفي الانقسام تختفي معه شرعيتها.
8. دونالد هورويتز وثق في دراسته الكلاسيكية للصراعات العرقية أن الأنظمة التي تجعل الهوية وحدة انتخابية تنتج ظاهرة بعينها: تنافس النخب على من يمثل هويته أكثر لا على من يخدم وطنه أفضل والنتيجة الحتمية أن السياسي الوطني يهزم دائماً أمام الزعيم الطائفي لأن النظام صمِم أصلاً لإنتاج الثاني لا الأول، وهذا لا يحدث بالصدفة بل لأن من صمم النظام أراد زعماء يحتاجون إلى وصي لا مواطنين يكتفون بأنفسهم.
9. فانون رصد ما يحدث بعد الاستعمار المباشر: المستعمر حين يرحل لا يفرغ الميدان بل يوكل نخبة وسيطة تحكم بالنيابة وهذه النخبة تحتاج إلى شرعيتين في الوقت ذاته: شرعية هوياتية تربطها بجمهورها المحلي وشرعية ولاء تربطها بالوصي الخارجي، وهذان الشرطان المتناقضان يجعلانها عاجزة عن بناء دولة حقيقية لأن الدولة الحقيقية تعني نهاية الحاجة إلى الوصي ونهاية الوصي تعني نهاية امتيازاتها، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يدرك صديق وهو يعود إلى بغداد للمرة الثالثة أنه يعود وصياً لا دبلوماسياً؟
بناءً على الدور الرقابي التمثيلي الممنوح لها هل وجهت (السيدة النائب الطبيب الاختصاص.. الخ) سؤالًا لوزير الداخلية او جهاز المخابرات او الأمن الوطني بشأن عمليات الاختطاف لمواطنين اميركان وأجانب في العراق، بإعتبار أن ذلك يمثل خرقًا للسيادة الوطنية والقوانين المرعية وهي لا تقبل بذلك كما أظن ام أنها ترى في هذهِ الأفعال قانونية وشرعية وأخلاقية لا سامح الله!
ما يحدث مع الزميل "عدنان الطائي" ظالم ومجحف، وتكرار "العقوبات الانضباطية" ومنع ظهوره مؤشر لمحاولات تصفية سياسية واستهداف ممنهج لا يليق باسم الرجل الذي لا يمتلك إلا صوته. تكاد تتحول هيئة الإعلام والاتصالات إلى "أداة" تراقب الأنفاس والحركات والكلام الذي يقال على الشاشات في دور يشبه "وزارة إعلام" النظام السابق. المشكلة أن القرارات تظن أن الصوت يمكن أن يسمع على الشاشات فقط، وبالتالي أن منعه سيدفنه تماماً. هذا تصوّر بدائي وقديم لا يختلف عن منع كتاب ورقي موجود على الإنترنت! هناك وسائل كثيرة لا تستطيع السلطات أن تمارس الرقابة عليها ويمكن استخدامها بسهولة بعيداً عن المنافذ التي يمكن خنقها، وفي المقابل ثمة أساليب تنظيمية متعددة يمكن أن تتخذها الهيئة أيضاً، بمعزل عن الأدوار العقابية التي يفترض أنها لا تليق بما يقال عن "بلد ديمقراطي" يحترم حق الناس في التعبير والتفكير.
متضامن مع الاخ الدكتور محمد نعناع
وادعو الاصدقاء جميعًا، المحامين والحقوقيين والمدافعين عن حقوق الانسان لتحمل مسؤولياتهم الانسانية والأخلاقية بالدفاع عن مواطن عراقي تحمل ومازال يتحمل تعسفًا كبيرًا من النظام السياسي الحاكم.
ايها العراقيون الوطنيون..
مازال هنالك شوطٍ ثانٍ للاحتفال في كل محافظات العراق.. اليوم ليلًا.
الفرحة يجب أن تمتد والوطنچية يجب أن يستمروا بملئ الشوارع والأزقة بصيحاتهم وأهازيجهم وعلمهم العراقي 🇮🇶.