في مثل هذا اليوم، قبل 74 سنة، تحركت مجموعة صغيرة من شباب الضباط داخل الجيش المصري في إطار حركة مطلبية، هدفها تطهير الجيش وإلزام الملك بتعيين قيادة جديدة تعبر عن الضباط لا عن مصالح القصر والحاشية، ولم يكن هناك تخطيط مسبق لأي شيء آخر خلافا لذلك، وكل ما تم ادعاؤه فيما بعد يشبه تماما الادعاءات الحالية بوجود مخطط ما منذ 25 يناير 2011 حتى 30 يونيو 2013. غالبا، في مصر، تحدث المتغيرات الكبرى بقوة الفعل ورد الفعل.
بدأ التحرك العسكري كحركة فئوية، لا كثورة ولا انقلاب عسكري، ومع اكتشاف الضباط هشاشة وضع الملك والنخبة المحيطة به، وجدوا أنه من الأفضل أن يغادر ويترك البلاد، خشية أن يستعيد قوته وينتقم منهم، مع الحفاظ على النظام الملكي وتعيين مجلس وصاية لحين بلوغ ولي العهد السن القانونية.
بعد ما يقارب العام، اكتشف الضباط أن نخبة المجتمع المصري في ذلك الوقت كانت مجموعة من أصحاب المصالح المتربصين ببعضهم البعض، وشاهدوا وسمعوا في الغرف المغلقة كل صنوف النفاق والكذب والخداع والتحريض ضد بعضهم البعض من هذه النخب التي كانوا يحترمونها، فضاعت مع الوقت براءتهم، وقبل الذكرى السنوية الأولى للحركة قرروا إنهاء الملكية وإعلان الجمهورية، لأنهم أدركوا أن الملك والنظام الملكي ونخبته لا قيمة لهم ولا قوة في الشارع، ولا يوجد أي رد فعل يمكن أن يخشوه، وبالتالي تحولت الحركة المطلبية إلى انقلاب عسكري كامل على النظام الملكي.
أدعو المهتمين إلى الاطلاع على محاضر جلسات الضباط مع "نخب" المجتمع المصري، ستقرأون ما يندى له الجبين، وهو ما تكرر فيما بعد، بعد أحداث 25 يناير. وهذا الأمر هام للغاية، في اعتقادي، لأن دور النخبة في مصر أخطر بكثير مما يتخيله البعض، والحفاظ على انحطاطها يبدو سمة رئيسة في كل أنظمة الحكم المصرية.
بعد عام 1956، أصبح الانقلاب العسكري ثورة حقيقية قدمت العديد من المكتسبات للشعب المصري، لأول مرة تقريبا في حياته منذ أكثر من 2500 سنة، لكن هذه المكتسبات كانت بقرار فوقي، ولم يتم تمكين أصحاب المصلحة. فعلى سبيل المثال، كانت حقوق العمال مرتبطة بوزارة القوى العاملة، المرتبطة بدورها بالحكومة، المرتبطة بإرادة رئيس الجمهورية الذي يحكم عبر دستور يمنحه صلاحيات إلهية، لا عبر نقابات عمالية. وكذلك الأمر فيما يخص الإصلاح الزراعي، وهكذا في بقية القطاعات. وعندما قرر رئيس الجمهورية تغيير التوجهات، غيرت كل هذه المؤسسات توجهاتها معه، وبالتالي ضاعت جميع هذه المكتسبات.
المكسب الرئيسي الذي تحقق هو إقامة النظام الجمهوري في الشكل دون الموضوع، ولا سبيل إلى إقامة جمهورية حقيقية، بعد مرور 73 سنة على قيامها، سوى من خلال قوى الشعب ونخب معبرة عنها، لتستلم السلطة وفق القواعد الدستورية والقانونية. وما لم يحدث ذلك، سيظل الوضع القائم كما هو مع تغير وجه القيادة كل 30 سنة. لذلك، مرة أخرى، الأزمة ليست أزمة الواقع، بل غياب البدائل الجادة والقادرة، ومن العبث تخيل أن أحدا ما سيتنازل عن السلطة بنفسه، أو سيعد غيره لتسلمها والحكم بدلا منه!