دعوة إلى مديرية المرور العامة
ندعو مديرية المرور العامة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة وجدية لضبط وتنظيم حركة سائقي الدراجات النارية في شوارع المدن العراقية، فقد تحولت هذه الدراجات، بسبب الفوضى المرورية وغياب الالتزام بالقوانين، إلى مصدر خطر يومي يهدد حياة المواطنين، وأصبحت من أبرز مسببات الحوادث المرورية.
إن قيادة الدراجة النارية ليست امتيازًا يتيح لصاحبها تجاوز الإشارات المرورية، والسير عكس الاتجاه، والتنقل بين المركبات بصورة عشوائية، أو استخدام الأرصفة والممرات المخصصة للمشاة. كما أن بعض السائقين يتعاملون مع الشارع العام وكأنه ملكية خاصة، من دون اكتراث بحياة الآخرين أو بحقهم في استخدام الطريق بأمان.
نطالب بتشديد الرقابة، وإلزام سائقي الدراجات بإجازات السوق والتسجيل الرسمي، وارتداء الخوذ الواقية، ومنع القيادة المتهورة، ومحاسبة المخالفين ومصادرة الدراجات غير المسجلة وفق القانون.
إن حق المواطن في التنقل الآمن لا يقل أهمية عن حق الآخرين في استخدام الطريق، وحماية الأرواح مسؤولية لا تحتمل التساهل أو التأجيل.
ثمة مفارقة سياسية تستحق التوقف عندها تتعلق بتحول أربيل إلى ملاذ حاضن وداعم لعدد كبير من المطلوبين للقضاء العراقي، ويجري تسويق هذا الاحتضان الآثم تحت لافتة الحريات وحقوق الإنسان، في حين أن الإقليم نفسه يعيش منذ عقود في ظل منظومة حكم عائلية تحتكر النفوذ والقرار السياسي، ولا توفر نموذجًا حقيقيًا للتداول السلمي للسلطة والتعددية السياسية المتكافئة!!
من حقنا أن تسأل عن المنطق الذي تصبح الحريات فيه ذريعة لحماية أشخاص مطلوبين للقضاء، بينما لا تجد المعارضة السياسية داخل الإقليم المساحة ذاتها من حرية العمل والتأثير؟ وكيف يمكن لمنظومة سياسية لا تزال أسيرة التوريث العائلي ومراكز القوى أن تقدم نفسها بوصفها حامية للحريات والديمقراطية؟
الوطن أم العقيدة؟
لماذا علينا أن نختار بين الوطن والعقيدة؟
إن مجرد وضعهما في كفتي ميزان ينطوي على مصادرة لحرية الإنسان الفكرية، وكأن الانتماء إلى الوطن يقتضي التخلي عن المعتقد، أو أن الإيمان يفرض التضحية بالوطن. والحقيقة أن الوطن لا ينبغي أن يكون ساحة تصادر فيها حرية التعبير والمعتقد، ولا العقيدة ذريعة لانتزاع الإنسان من وطنه، فحرية الاعتقاد حق، والانتماء الوطني حق، ولا تعارض بينهما إلا حين يتحول أحدهما إلى أداة لإلغاء الآخر.
تحية إلى الفنانة آلاء حسين التي جعلت من الفن موقفًا شجاعًا ورسالةً واضحة.
علي مارد الأسدي
هل يؤثر المستقبل في الماضي؟
لسنا متأكدين علميًا من أن الزمن الذي لا نكاد نعرف عنه شيئًا، يسير في اتجاه واحد كما نتصور، فبعض تفسيرات الفيزياء الكمية تطرح احتمال أن تكون العلاقة بين الماضي والمستقبل أشد تعقيدًا من مجرد سبب يتقدم ونتيجة تتبعه.
فهل الماضي حقيقة تامة، مكتملة ومستقلة عما سيأتي، أم أن بعض جوانبه، كما تقول بعض الفرضيات الفيزيائية، لا تتحدد إلا في ضوء ما يحدث لاحقًا؟
ربما يغير أو لا يغير المستقبل ما كان قد حدث بالأمس، هذا أمر نترك اكتشافه للعلم، لكنه قد يغير ما نستطيع قوله عما حدث. وحين تتصدع حدود الزمن في وعينا، يصبح السؤال أعمق من مجرد البحث في تأثير الماضي على المستقبل إلى الشك في أن يكون المستقبل، بطريقة ما، شريكًا في تحديد معنى الماضي.
ولهذا أعتقد أن الماضي غير محتوم، لم ينتهِ ولم يفنَ، قابل للتكرار والتغيير، وهو ليس ما حدث فحسب، بل ما يكشف المستقبل عن معناه، فقد تمر أعوام قبل أن نفهم الحكمة الكامنة في لحظة مؤثرة عشناها، أو ندرك أن ما حسبناه نهاية لم يكن في الواقع إلا بداية لم نعرفها بعد.
علي مارد الأسدي
من التطرف الديني إلى التطرف الأمريكاني!
شخص متقلب، يطلق عليه تجاوزًا صفة المحلل السياسي، يقفز من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، لا ينطلق في مواقفه من قناعات راسخة أو رؤية فكرية متماسكة، بل يتبنى الأيديولوجيا التي تخدم مصالحه الشخصية وتنسجم مع توجهاته الآنية، يدور معها حيثما دارت، من دون أن يكترث بالتناقضات الفاضحة بين مواقفه السابقة والحالية. ولهذا، يعجز عن تناول أي قضية بموضوعية وتجرد ومنهجية علمية، لأن أحكامه لا تستند إلى معايير ثابتة أو قراءة نقدية متوازنة، بل تخضع لموقفه المسبق من الأطراف المعنية ومقدار ما تحققه له من مصالح ومكاسب.
ولذلك، يشعر كل من يستمع إليه (منذ فترة هو الضيف المفضل في قناة سكاي نيوز العربية) بأنه أمام شخص مأخوذ إلى حد الوله بأمريكا، يؤمن إيمانًا مطلقًا بقدراتها وحكمتها، ويتعامل مع سياساتها وكأنها تجسيد تام للعقلانية والصواب، متجاهلًا أخطاءها وتناقضاتها وكوارثها ومصالحها الاستراتيجية. والمفارقة التي لفتت نظري أنه يتحدث عنها اليوم بنفس الأسلوب والمنطق والأندفاع والحماسة السابقة حين كان يناظر دفاعًا عن الجهات التي كانت تشيطن أمريكا !!
ومن المؤكد أن المشكلة ليست في تغيير المواقف، فمراجعة القناعات وتعديلها أمر طبيعي حين تفرضه الحقائق والأدلة والمعطيات، وإنما في أن يتحول الفكر إلى أداة سطحية لتبرير المصالح، وأن تصبح القناعات مادة رخيصة قابلة للتشكل والتبديل بكل سهولة وفقًا للجهة التي تخدمها، لا وفقًا لما يثبته المنطق وتؤكده الوقائع.
علي مارد الأسدي
التظاهرات التي ترفع في العراق شعارات وهتافات معادية للجارة الشقيقة إيران، هي تظاهرات مسيسة ومدفوعة من الخارج، لا علاقة لها بهموم الشعب، ولا تمت بصلة إلى الوطنية، ولا تصدق في شعاراتها ومطالبها المعلنة بشأن الإصلاح ومكافحة الفساد.
تعتمد دول كثيرة أنظمة خاضعة للمراجعة سنويًا لتحديد الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع معدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي العراق، لن تحمل الدولة أعباء مالية إضافية إذا جرى تمويل هذه الزيادة الموجهة من أبواب الهدر ومخصصات القطط السمان، ولا سيما بعد خفض قيمة الدينار وما ترتب عليه من تراجع في القدرة الشرائية للمواطنين.
إن تجاهل هذا الاستحقاق المشروع، مع تصاعد السخط الشعبي بسبب أرتفاع الأسعار، أمر يدعو إلى العجب والقلق والأرتياب.
ملاحظات عامة تتعلق بقانون الموازنة لعام 2027
أحاول أن ألخص في عجالة أبرز الملاحظات على قانون الموازنة العامة الاتحادية العراقية لعام 2027 المرسل من الحكومة العراقية إلى مجلس النواب:
1. عجز مالي كبير.
يبلغ العجز المخطط نحو 43 تريليون دينار، وهو ما يجعل تنفيذ الموازنة مرتبطًا بتأمين مصادر تمويل إضافية.
2. الاعتماد الكبير على النفط.
تشكل الإيرادات النفطية المصدر الأساسي للإيرادات المقدرة، ما يجعل الاستقرار المالي عرضة لتقلبات أسعار النفط وكميات التصدير، في ظل محدودية الإيرادات غير النفطية مقارنة بها.
3. استمرار الاعتماد على الاقتراض.
يتضمن القانون قروضًا مستمرة وأخرى جديدة، بإجمالي يقارب 16.16 تريليون دينار.
4. ارتفاع النفقات التشغيلية.
تبلغ النفقات المدرجة ضمن موازنة البنود نحو 140.91 تريليون دينار، ما يستدعي فحص مدى التوازن بين الالتزامات التشغيلية والإنفاق الذي يخلق أصولًا وفرص عمل جديدة.
5. الحاجة إلى تدقيق كفاءة الإنفاق الاستثماري.
تبلغ النفقات الاستثمارية المدرجة خارج موازنة البرامج والأداء نحو 34.40 تريليون دينار. والمهم ليس حجم التخصيصات وحده، بل نسب الإنجاز الفعلي، وجودة المشاريع، ومواعيد إكمالها، والعائد الاقتصادي والخدمي منها.
6. غياب مؤشرات كافية لقياس النتائج.
يتضمن القانون موازنة للبرامج والأداء، لكن ينبغي التحقق من وجود مؤشرات قابلة للقياس تربط كل تخصيص بنسبة الإنجاز الفعلي، بدل الاكتفاء برصد الأموال والأنشطة.
7. ضعف تنويع الإيرادات.
الإيرادات غير النفطية المقدرة تبلغ نحو 29.51 تريليون دينار، ويستدعي ذلك التدقيق في مدى واقعيتها، وآليات تحصيلها، ومصادرها، بدل الاعتماد على تقديرات قد لا تتحقق.
8. مخاطر تكرار الاقتراض لتمويل النفقات.
ينبغي التمييز بين القروض المخصصة لمشاريع إنتاجية قادرة على توليد إيرادات، والقروض التي تزيد الالتزامات المالية من دون عائد اقتصادي مباشر.
9. ضرورة ضبط التخصيصات والمشاريع.
يتضمن القانون تخصيصات ومشاريع متعددة، ولذلك يجب إخضاعها لمعايير الأولوية الاقتصادية والخدمية.
10. ملف إقليم شمال العراق.
يجب تقييم آليات تسليم الإيرادات النفطية وغير النفطية، واسترداد جميع ديون بغداد المترتبة على ذمة الإقليم، وربط التمويل بالالتزامات المالية المثبتة، وضمان تدقيق الإيرادات والنفقات والرواتب، مع تطبيق القواعد الاتحادية بصورة واضحة وقابلة للتحقق.
11. الرقابة على التنفيذ.
ينبغي تعزيز دور ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة في متابعة الصرف والعقود والقروض، ونشر تقارير دورية تبين الأموال المصروفة، ونسب الإنجاز، وحالات التجاوز، والمبالغ المستردة.
12. الشفافية في تقديرات الموازنة.
من الضروري نشر الافتراضات التي بنيت عليها الإيرادات النفطية، وأسعار النفط المعتمدة، وكميات التصدير، وتوقعات الإيرادات غير النفطية، مع بيان أثر انخفاض الإيرادات في قدرة الدولة على تمويل النفقات.
13. حماية الاستقرار المالي.
ينبغي أن تتضمن السياسة المالية إجراءات واضحة للتعامل مع انخفاض أسعار النفط أو تعثر الاقتراض، حتى لا تتحول الضغوط المالية إلى تأخير مستحقات الدولة أو تقليص الخدمات الأساسية.
وأخيرًا..
المحاور التي تستحق التدقيق الأعمق هي العجز، والاعتماد على النفط، والاقتراض، وتضخم النفقات التشغيلية، وكفاءة الاستثمار، والرقابة على الأموال العامة.
ملاحظة..
هذه قراءة أولية للأرقام والبنود الظاهرة في القانون المرفق، أما إثبات وجود مخالفة قانونية أو هدر فعلي فيحتاج إلى فحص المواد التفصيلية، ومقارنة التخصيصات بالقوانين النافذة ونتائج التنفيذ الفعلية.
علي مارد الأسدي
إلى مصر.. المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين!
على المصريين أن يتذكروا جيدًا دروس التاريخ قبل أن يتورطوا في حرب جديدة لا أفق لها في اليمن، وأن يسألوا أنفسهم عن المصلحة الوطنية المصرية التي تستحق أن تزهق من أجلها أرواح الجنود، وتستنزف موارد الدولة، ويترك الشعب لمزيد من الأعباء الاقتصادية.
في عام 1962، أرسل جمال عبد الناصر الجيش المصري إلى اليمن دعمًا للجمهوريين، فتحولت الحرب إلى استنزاف عسكري ومالي استمر سنوات، فيما كانت السعودية، التي تريد توريط مصر معها اليوم، تدعم خصومهم الملكيين. وبحلول عام 1967، كان نحو 70 ألف جندي مصري موجودين في اليمن، بالتزامن مع حرب حزيران التي انتهت بهزيمة قاسية. ورغم أنه لا يصح اختزال أسباب تلك الهزيمة في حرب اليمن وحدها، فإن المؤكد أن الاستنزاف اليمني أثقل قدرات مصر العسكرية والاقتصادية، وأصبح درسًا تاريخيًا في مخاطر التورط خارج الحدود.
واليوم، مع تصاعد المواجهة في اليمن والبحر الأحمر، ينبغي لمصر أن تميز بين الدفاع عن أمنها القومي وبين خوض حرب بالوكالة. نعم، أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب مصلحة مصرية مباشرة، وقناة السويس شريان حيوي للاقتصاد المصري، لكن حماية هذه المصالح لا تعني بالضرورة إرسال القوات إلى حرب مفتوحة، ولا تمنح أي دولة أخرى حق تقرير متى يخوض المصريون حروبهم.
والأخطر من ذلك أن الشرق الأوسط يغرق في دوامة من الحروب والفوضى، في أعقاب العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، بما ينذر بتوسع رقعة المواجهة وامتداد تداعياتها إلى دول المنطقة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحفاظ على حياد مصر السياسي والعسكري، وصيانة أمنها واستقرارها، ضرورة استراتيجية لا مجرد خيار دبلوماسي. فليس من الحكمة أن تفتح القاهرة جبهة جديدة على حدودها البحرية، بينما تتكاثر بؤر الصراع وتتداخل حسابات القوى الإقليمية والدولية.
كما أن اليمن ليس ساحة حرب سهلة يمكن دخولها بلا حساب للعواقب، فالحوثيون يمتلكون ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيرة، وقد أظهروا قدرتهم على استهداف أهداف بعيدة خارج الأراضي اليمنية. وأي انخراط مصري مباشر في مواجهتهم قد يضع المصالح المصرية، بما فيها المنشآت الحيوية والمرافق الاقتصادية، أمام مخاطر أمنية إضافية. ولا ينبغي استبعاد التهديدات الصاروخية والمسيرة للمصالح المصرية.
يا مصر، تذكري أن السعودية كيان سياسي تحكمه حساباته ومصالحه وارتباطاته الخارجية، كما أن لدولة مصر حساباتها ومصالحها وعلاقاتها الخارجية. والتحالفات لا تعني أن تتحمل دولة كلفة الحرب البشرية والاقتصادية نيابة عن دولة أخرى، ولا سيما حين تكون البدائل الدبلوماسية والسياسية لم تستنفد بعد.
احموا حدود مصر، واحموا جنودها، واحموا اقتصادها. حافظوا على حيادكم، وعززوا دفاعاتكم لحماية الملاحة والمصالح الوطنية، واضغطوا من أجل إنهاء التدخل العسكري السعودي في اليمن والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة بين أبناء الشعب اليمني، ولا تجعلوا دماء المصريين ثمنًا لصراعات الآخرين.
لقد علمنا التاريخ أن دخول الحرب قد يكون قرارًا سهلًا، لكن الخروج منها قد يحتاج سنوات من الدماء والديون والخسائر.
لا تجعلوا اليمن فيتنام مصر مرة أخرى، ولا تسمحوا بأن تتحول مصر العزيزة على قلوبنا إلى طرف في حرب إقليمية مشبوهة.
علي مارد الأسدي
مأزق الإصلاح في العراق
لم تعد المعرقلات التي تكرس اللاعدالة في الدولة العراقية مجرد اختلالات إدارية أو إخفاقات عابرة، بل تحولت إلى جزء متجذر في بنية النظام وآليات اشتغاله. وهذه هي المرحلة الأخطر، حين لا تعود المشكلة في عجز الدولة عن إصلاح نفسها، بل في أن تصبح بنيتها ذاتها عائقًا أمام الإصلاح.
فثمة شرائح راكمت مصالحها ونفوذها على حساب اختلال ميزان العدالة، وأصبحت تمتلك من أدوات التأثير في القرار ما يمكنها من مقاومة كل محاولة للتغيير. وهكذا، تتحول الدولة من مؤسسة يفترض أن تعمل لصالح المجتمع إلى منظومة تحمي مصالح المستفيدين من اختلالها، وتعيد إنتاج أسباب فشلها.
وعندما تصبح اللاعدالة جزءًا من بنية النظام، لا يعود الإصلاح مجرد قرار سياسي، بل معركة مع منظومة ترى في تصحيح المسار تهديدًا لوجودها ومصالحها.
علي مارد الأسدي
مثلما رفعتم رسوم إصدار الجواز بما يتناسب مع الزيادة الرسمية في سعر الدولار، ارفعوا رواتب الشرائح الفقيرة والهشة في المجتمع، بما يعوضها عن تآكل قدرتها الشرائية جراء تخفيض قيمة الدينار العراقي.
إن رفع سعر صرف الدولار لا يمكن أن يكون مقبولًا اقتصاديًا واجتماعيًا ما لم يترافق مع زيادة مدروسة في رواتب ومخصصات الشرائح الفقيرة والهشة، بما يعوضها، على الأقل، عن مقدار التراجع في قيمتها الشرائية. فمن غير العادل أن تتحمل هذه الفئات وحدها كلفة السياسة النقدية، بينما تتآكل دخولها وتعجز عن مواكبة ارتفاع الأسعار. فأي إصلاح اقتصادي لا يحمي القدرة الشرائية للفئات الأضعف ليس إصلاحًا عادلًا، بل نقل لكلفة الاختلال المالي من الدولة إلى كاهل الفقراء.
من عجائب وغرائب الإدارة في العراق أن ينتهي تعداد سكاني شابه الارتجال والتخبط والفوضى، واستنزف مئات المليارات من خزينة الدولة، إلى نتائج إشكالية لا تصلح أساسًا موثوقًا للتخطيط، فيما انتهى المطاف بآلاف الأجهزة اللوحية المستخدمة في إجرائه هدايا دون مقابل لدولة مجاورة لا تكن الود للعراق!
مليارات أنفقت، ونتائج مثيرة للجدل، وأجهزة حساسة وزعت هدايا خارج الحدود.. فأين التخطيط؟ وأين المساءلة؟
التضامن اللفظي المنافق مع المعتدي على الشعب اليمني الأبي ليس مجرد ازدواجية في المعايير، بل سقوط أخلاقي قبيح يكشف كيف توزن الدماء في عالم اليوم بميزان المصالح لا بميزان العدالة.
كلمة عن التضحيات التي يحصدها الآخرون
إن خطأ المقاومة لا يكمن في مواجهة الاحتلال، متى استدعت الظروف الانتقال من الحوار إلى المواجهة، بل في الاعتقاد بأن لغة السلاح وحدها هي الكفيلة بتحقيق النصر، من دون أن تستند إلى رؤية سياسية استراتيجية ومشروع وطني واضح، يجعل من التضحيات مكاسب حقيقية، ويحول دون استثمار القوى الأخرى نتائج المقاومة لمصلحتها.
فالمقاومة التي لا تمتلك مشروعًا سياسيًا يوازي قوتها الميدانية، قد تنتصر في معارك المواجهة، لكنها بالنتيجة تخسر معركة بناء الدولة وصناعة القرار. وحين تعجز عن تحويل دماء مقاتليها وتضحيات جمهورها إلى سيادة وطنية واستقلال سياسي ومكاسب مستدامة، فإنها تخاطر بأن تجد نفسها قد أزاحت خصمًا لتمهد الطريق أمام خصم آخر قد يكون أخطر، أو خاضت حربًا دفع أبناؤها ثمنها، بينما حصد الآخرون ثمارها. والأمثلة كثيرة في تاريخ العراق الحديث.
إن الدرس الأهم الذي ينبغي أن تستوعبه المقاومة الشيعية هو أن السلاح قد يفرض معادلات مؤقتة، لكنه لا يصنع وحده دولة، والتضحيات قد تغير موازين القوى، لكنها لا تضمن وحدها امتلاك القرار. فالنصر الحقيقي ليس في إخراج المحتل فحسب، بل في بناء نظام سياسي يحفظ السيادة، ويصون حقوق المواطنين، ويمنع الارتهان للخارج، ويحافظ على الديمقراطية، ويحول دون احتكار السلطة والثروة والرأي العام من قوى طائفية أو فوضوية أو متآمرة سبق أن خسرت المعركة في الميدان.
فالمقاومة التي لا تحسن إدارة مرحلة ما بعد المعركة، ولا تدرك أن السياسة امتداد للميدان بأدوات مختلفة، قد تكتشف متأخرة أنها ربحت جولة القتال، لكنها تركت لغيرها كتابة نتائج الحرب.
علي مارد الأسدي
لا جدوى حقيقية من تخفيض قيمة الدينار إذا لم تعقبه إصلاحات مالية عميقة تعيد هيكلة نظام الرواتب والمخصصات، وتحد من الامتيازات والفوارق الطبقية الفاحشة في مؤسسات الدولة. فليس من العدالة أن تتحمل الطبقات الفقيرة كلفة الإصلاح، بينما تبقى الامتيازات محصنة من أي مساس. الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة توزيع الأعباء بعدالة، لا من إضعاف القدرة الشرائية للمواطن البسيط.