هذا الكلام في فضل العلم، لا تدري أتعجب من بيانه وفصاحة ألفاظه ومتانة تراكيبه، أم تأنس إلى ما حواه من معنى شرف العلم وفضله!
قال الإمام الجرجاني في مقدمة كتابه دلائل الإعجاز:
(إنَّا إذا تصفَّحْنا الفضائلَ لنَعرفَ منازلَها في الشَّرف، ونتبيَّنَ مواقِعَها مِن العِظَم؛ ونَعلم أيٌّ أحقٌّ منها بالتّقَديم، وأسبقُ في استيجابِ التعَّظيم، وجَدْنا العِلمَ أَولاها بذلك، وأوَّلُها هنالك؛ إذ لا شَرفَ إلاَّ وهو السّبيلُ إليه، ولا خيرَ إلاَّ وهو الدَّليلُ عليه، ولا مَنْقَبةَ إلاَّ وهو ذُروتها وسَنامها، ولا مَفْخرةَ إلاَّ وبهِ صحَّتُها وتمَامُها، ولا حسنةَ إلاَّ وهو مِفتاحُها؛ ولا مَحْمَدةَ إلا ومنه يَتَّقدُ مصباحُها، وهو الوفيُّ إذا خانَ كلُّ صاحبٍ، والثقةُ إذا لم يُوثَق بناصحٍ.
لولاهُ لَما بانَ الإنسانُ من سائِرِ الحيوانِ إلا بتخطيط صُورتِه، وهيئةِ جسمِهِ وبُنيته، لا، ولا وجَدَ إلى اكتسابِ الفضلِ طريقاً، ولا وجَد بشيءٍ منَ المحاسنِ خليقاً.
ذاكَ لأنَّا وإنْ كنَّا لا نصلُ إلى اكتسابِ فضيلةٍ إِلا بالفعلِ، وكانَ لا يكونُ فعْلٌ إلاَّ بالقُدرة، فإنَّا لم نَرَ فعلاً زانَ فاعِلَه وأوجبَ الفضلَ له، حتى يكونَ عنِ العلم صَدَرُهُ، وحتى يتتبين ميسمه عليه وأثره، ولم نر قدرة قط كَسبتْ صاحَبَها مَجْداً وأفادتْه حَمْداً، دونَ أن يكونَ العلمُ رائدَها فيما تَطْلُب، وقائدَها حيث يؤم ويذهب، ويكُونَ المُصرِّفَ لعِنَانها؛ والمقلِّبَ لها في مَيْدانِها. فهي إذاً مفتقِرة في أن تكونَ فضيلةٌ إليه، وعيالٌ في استحقاقِ هذا الاسم عليه، وإذا هيَ خلتْ منَ العِلم أو أبَتْ أن تمتثل أمره؛ وتقتفي أثره ورسمه آلتْ ولا شيءَ أحْشدُ للذَّمِّ على صاحبِها منها. ولا شَيْنَ أشَيْنُ مِن إعمالِه لها)
فما أجمل هذا البيان، وما أروع هذه التراكيب!
قال #الجرجاني في دلائل الإعجاز: "واعلمْ أنك لا تَشْفي الغُلَّة ولا تنْتهي إِلى ثلجِ اليقينِ، حتى تتجاوزَ حدَّ العلمِ بالشيء مجْملاً، إِلى العِلْم به مفصَّلاً، وحتَّى لا يُقْنِعَك إِلاّ النظرُ في زواياهُ، والتَّغلغلُ في مكامنه، وحتى تكون كمَنْ تتَبَّع الماءَ حتى عرَفَ منْبَعهَ، وانتهى في البحثِ عن جوهرِ العُود الذي يُصْنَع فيه إِلى أنْ يعْرِفَ منْبتَه، ومَجرى عُروقِ الشجرِ، الذي هو منه".
#المصطفى_من_الفوائد_والسير
في بناء المصلحين:
مرحلتنا هذه ليست مرحلة البناء العلمي الشرعي [التخصصي]، بل يكفي منه التأصيل والتمكين. [إلا لنخبة قليلة]
وإنما مرحلتنا هذه مرحلة تقوية الإيمان، وزيادة الوعي، وضبط أصول العلوم الشرعية، وفهم المنهج الإصلاحي والعمل الجاد المستمر على ضوئه: [الإيمان-العلم-الوعي-المنهج والعمل الإصلاحي]
هي مرحلة الزاد الإيمانيّ المتين المُحكَم المعين على العمل،
هي مرحلة الصبر والثبات واليقين والعمل وتثبيت حقائق الإسلام وجذوره العميقة في النفوس.
هي مرحلة أشبه بمرحلة بناء الصحابة في المرحلة المكية [يقين-عبادة-ثبات-بصيرة]
هي مرحلة العودة إلى القرآن، وفهم حقائقه، وتقديم مقصد تدبره والاستهداء به على مجرد حفظه وتجويده.
هي مرحلة الوعي والبصيرة بالأعداء والمنافقين والمجرمين الذين لبّسوا على كثير من أبناء الأمة باسم الإسلام وهم في الحقيقة يحاربونه ويحارب حمَلَته.
وأما التعويل على المنشغلين بالدروس الشرعية المحضة بعيدا عن البصيرة بالواقع وتحدياته ومعرفة أعداء الأمة حقا = فخطأ كبير.
ومن يتأمل الواقع ويفهمه جيدا مع البصيرة والهداية والنور فسيدرك أن التحديات والمشكلات والابتلاءات لا تزال شديدة وقد يكون القادم منها أشد من سابقها -والعلم عند الله-
فليبحث كلٌّ منا عن نجاة نفسه وأحبّته بتربيتهم على الإيمان الراسخ واليقين والصبر والثبات والعمل والتناصر والتراحم.
ثم؛ لا شك ولا ريب أن الله سبحانه سيجعل بعد عسر يسراً، وسيُعقب الظلام بالنور، والقحط بالغيث، وسيحفظ للصادقين صدقهم، وللعاملين الباذلين عملهم وبذلهم.
ذكر الذهبي في السير (١٨-٢٦) أن أبا العلاء المعري نزل ديرا به راهب متفلسف، فدخل كلامه في مسامع أبي العلاء، وحصلت له شكوك لم يكن له نور يدفعها فحصل له نوع انحلال.
من أعظم الثمرات التي تنتج عن وجود المنهج الإصلاحي الصحيح: عدم ضياع الجهود والطاقات للباذلين الصادقين من أبناء الأمة، والذين لا ينقصهم الصدق بقدر ما ينقصهم المنهج.
زكاة القلب
ورشد العقل
وسواء النفس
هذه الثلاثية هي الأساس الذي ينبغي صناعته وتحقيقه في المتربين وطلاب العلم والدعاة والمصلحين.
وإذا اجتمعت في شخص فإنه تؤمن -بإذن الله- بوائقه وغوائله مهما اختلف الزمن أو دار.
وبناء هذه الصفات الثلاث أصعب بكثير من البناء العلمي والفكري.
- وطريق بناء زكاة القلب: العلم بالله، وإيثار الآخرة، والتعبد العملي، والارتباط الوثيق بالقران والصلاة، ومجاهدة النفس، والصبر الدائم، والعناية التامة بأعمال القلوب، والتوبة الدائمة، ومحاسبة النفس على الدوام.
- وطريق بناء رشد العقل: صحبة العقلاء، والبناء العلمي بمنهجية صحيحة، وتنمية التفكير النقدي، والانطلاق من المحكمات والمركزيات والمحاكمة إليها، والتجربة العملية، واستشارة ذوي العقول، وفهم موازنات المصالح والمفاسد.
-وطريق بناء سواء النفس: المجاهدة الطويلة للنفس وترويضها وكبح جماحها، والخلطة الراشدة بالناس، وتوطين النفس على الصبر، والعيش في بيئات سليمة، وهجر البيئات المريضة أو التخفف منها، والبناء المعرفي الشرعي المتعلق بالسلوك والأخلاق، ومعالجة أمراض القلوب والنفوس، وتوطين النفس على القناعة.
#إعادة_نشر
حين ترى كثرة الجهود الضائعة في تحقيق نهضة الأمة تدرك أن من أعظم ما تحتاجه الأمة اليوم: الهداية الربانية إلى المنهج الإصلاحي الذي يريده الله تعالى ويرضاه ويبارك فيه ويرعاه وينصر به دينه.
من أعظم ثمار الاعتصام بالله:
قال الله سبحانه { وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }
قال ابن كثير تعليقًا على هذه الآية: "فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعُدّة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد وطريق السداد وحصول المراد". (تفسير ابن كثير 86/2)
من المُحكمات الشرعية: دعوة المؤمنين إلى اجتماع الكلمة ونبذ التفرق والتمزق، ولا يُمكن أن يصلح حال المسلمين إذا لم يكن مصلحوهم مجتمعين غير متنافرين؛ ولذلك فإن من مركزيات الإصلاح: الدعوة إلى هذا المعنى العظيم وتأسيس الأجيال عليه، فكيف تكون هذه الدعوة؟ وما حدود هذا الاجتماع ؟ وما هي صوره؟
الجواب هنا:
https://t.co/QEBpdo9ptz
في معنى الإنابة ومن ثمارها!
قال #البغوي -رحمه الله- في تفسير قول الله { وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ } أي: (يرجع إلى الله تعالى في جميع أموره).
من لم يفهم العلاقة بين هذه الأمور الثلاثة فقد يعيش وهماً كبيراً في السياق الإصلاحي، وهي:
١) بناء الفرد وإصلاح النفس علميا وتزكويا وفكريا. (بناء المصلح)
٢) وضوح الرؤية الإصلاحية والعلم بالمنهج الإصلاحي (الفكرة)
٣) القيام بالعمل الإصلاحي. (التغيير)
وكثير ممن سعوا إلى تغيير الواقع والنهضة به بدؤوا من رقم (٣) ظنّاً منهم أنهم بامتلاكهم بعض أدوات التأثير فإن التغيير يحصل بالعمل به مباشرة.
ويزداد الوهم حين يظنون أنهم ببناء أدوات التأثير في العاملين فقد بنوا الفرد المصلح صانع النهضة، وهذا من أعظم الوهم.
خاصة إذا استعاروا هذه الأدوات من الثقافة الغربية، وما أكثر هؤلاء الواهمين في الواقع.
والشأن كل الشأن في بناء المصلح على هدي الأنبياء وصفات المصلحين الربانيين، ثم في إيجاد الفكرة والرؤية والمنهج الإصلاحي، وهما يقودان أصحابها إلى السداد في التغيير.
من المهم أن يُدرك المصلح أن التأثير والتغيير لا يكون بمجرد صناعة الحدث المؤثر أو الثمرة والنتيجة، وإنما قد يكون بصناعة السياق الحامل لها؛ فالثمرات لا تنشأ في الفراغ وإنما تنشأ في أشجارها الحاملة لها؛ فإذا لم تكن الأشجار نابتة وأرضها طيبة وماؤها صالحا فإن انتظار الثمرة عبث لا معنى له، والواجب حينها استصلاح الأرض ونثر البذور وسقي الماء حتى يستغلظ الزرع ويستوي على سوقه.
كُتب في 30\05\2023م الموافق 11\10\1444هـ
لا تنسوا صالحي المسجونين من علماء أمة محمد ﷺ ودعاتها ومصلحيها من صادق دعائكم في هذا اليوم، فباب الدعاء مفتوح مسموع لا يستطيع مخلوق إغلاقه.
ولا تنسوا أهل غزة كذلك من صالح دعائكم أن يجبرهم الله ويعوضهم خيرا وينصرهم.
قال #ابن_القيم رحمه الله: "ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم :
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ، ثم يطبق أحدهما على الآخر ; فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا". (إعلام الموقعين 1/165)
من المشكلات التي تواجه كثيرًا من الدعاة والعاملين، أنهم حين يعملون في ثغر ما فإنهم يستغرقون فيه استغراقا يحجبهم عن إبصار خارطة الثغور العامة، وعن تحديد موقع ثغرهم من تلك الخارطة، وهذا يؤدي إلى مفاسد متعددة، منها:
- التقليل من قيمة الثغور الأخرى والعاملين عليها.
- عدم إدراك أهمية احتياجهم لبعض الثغور الأخرى.
- عدم التنبّه لحساسية الثغر من جهة تأثيره السلبي والإيجابي على ما يتصل به من ثغور، ومن ثم التهاون وعدم الإتقان.