ثمة سؤالٌ يلحُّ عليَّ كلما تأملت في أحوالنا: لماذا يستغرق الكثيرون في انتظار "بطلٍ مخلص" أو "حدثٍ فجائي" يقلب الموازين، بينما تخبرنا سنن الله في الكون أنَّ التغيير الحقيقي هو (تراكمُ أفعالٍ صغيرة.. ومُملة)؟
يتبدى لي أنَّنا نعيش حالة من "الهروب الذهني"؛ فحين نستعظمُ واقعنا المرير، نهربُ إلى (المخيال البطولي) الذي يحلُّ لنا المشكلات بلمسةٍ سحرية، والسببُ ببساطة هو أنَّ انتظار "المُخلص" أسهل بكثير من (مشقة الإعداد) اليومي الصبور.
إنَّ السنن الكونية لا تحابي أحداً؛ فالنهوضُ الحضاري ليس "ضربة حظ" ولا "هبةً سماوية" تنزل على الكسالى، بل هو نتيجةٌ حتمية لآلاف الساعات من العمل الصامت، والبحث العلمي، والتربية المتأنية، والانضباط الأخلاقي. الحقيقةُ التي يجب أن نواجهها هي أنَّ (العمل المتراكم) هو العمل العقلاني الوحيد المثمر، أما انتظارُ المعجزات لتغيير واقعٍ فرَّط أصحابه في أسبابه، فهو نوعٌ من "التزييف الفكري".
أرى أنَّ مشكلتنا ليست في نقص "الأبطال"، بل في ازدهائنا بـ (القوة الكامنة في التفاصيل). إنَّ إتقان موظفٍ لعمله، وصبر أمٍّ على تربية ابنها، ومثابرة طالبٍ على بحثه، وبناء مؤسسةٍ صغيرة ناجحة.. كلُّ هذه "أفعالٌ مملة" في نظر المستعجلين، لكنها في ميزان النهوض هي (اللبنات الوحيدة) التي يُبنى بها صرحُ الأمة.
لقد علمتنا تجارب التاريخ أنَّ "القفزات المفاجئة" غالباً ما تنتهي بسقوطٍ مريع، لأنها تفتقر للقواعد المتينة. السيادةُ القادمة ليست لمن يملك "أعلى الأصوات" في انتظار الخلاص، بل لمن يملك "أطول الأنفاس" في مراكمة الإنجازات الصغيرة.
الخلاصة:
لا تنتظر بطلاً يصنع لك مستقبلك، بل كن أنتَ "اللبنة" التي لا يكتملُ البناءُ إلا بها. إنَّ الله لا يغيرُ ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم؛ والتغيير يبدأ من استرداد قيمة (العمل اليومي الدؤوب) بعيداً عن ضجيج الأماني الخادعة.
علّموهم أنَّ القمة تُصعدُ خطوةً بخطوة.. لا بقفزةٍ واحدة.
د. عبد الكريم بكار
من الأسرار التي لا يُكثر الحديث عنها:
آية واحدة… لكنها تحمل بين حروفها مدخلاً للثبات، ومخرجاً للحكمة، وقوةً لا تُرى.
"رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ، وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ، وَاجْعَلْ لِي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً"
جرب أن تجعلها جزءاً من حديثك مع الله في كل حين…
فربما تدرك سرها في اللحظة التي تحتاجها أكثر.
د. عبد الكريم بكار
إذا أردت أن تستكشف مكامن الخير في شخصيّة الإنسان فابحث عن صفة الرحمة فيه، فإذا اتّسَم بها فكُن مُطمئنّاً له، فهي صفة أصيلة يتفرّع منها خِصال عديدة؛ كالإحسان، والعطاء، والإيثار، واللِين، والعفو، وإنّ الرُحماء في هذه الأرض رحمةٌ من ربّ الرحمة، وبهم تطيب الحياة.
الشيخ ياسر الدوسري وهو يصلي التراويح قرأ سورة هود ولما وصل إلى {يا بُنَيَّ اركَب مَعَنا) بكى بكاء شديدًا وأبكى المصلين إلى نهاية ايات القصة…كان ذلك البكاء امتدادًا لبكاءٍ أقدم، بكاء نبيٍ يرى ابنه يغرق أمامه!
اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسألك قلبا سليما ولسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب.
"من زاد عليك بالأخلاق فقد زاد عليك في كل شيء" قد تجد هذه الجملة عادية جدًا، ولكنّها حقيقة وواقعية بامتياز، فمن عامل بالنّاس بالخُلق الحسن، وكان طيّب المعشر، لين القول والجانب، يتجاوز عن المسيء، ويعفو عن الزلات ويغفر خطايا الآخرين ويتغاضى ،فاز وحاز على مكانة عظيمة في نفوس البشر.
"سئل الشيخ الشنقيطي: بما تنصح لاستقبال مواسم الطاعات؟
فقال: خير ما يستقبل به مواسم الطاعات: كثرة الاستغفار؛ لأن ذنوب العبد تحرمه التوفيق، وما ألزمَ عبد قلبه الاستغفار إلا زكا، وإن كان ضعيفًا قوي، وإن كان مريضًا شفي، وإن كان مبتلى عوفي، وإن كان محتارًا هدي، وإن كان مضطربًا سكن♥️."
"لماذا الثقافة مهمّة للعواطف؟
-لأنّها تُعين الإنسان على فهم أدق للعواطف والأحاسيس ، فمَن اطلع على بعض الكتابات النفسيّة ، أدرك أنّ لكلّ إنسان مزاجه الخاص، ومفتاحه الذي من خلاله نلج إلى قلبه، وأنّ النفس البشرية أعمق مِن أن نتعامل معها بسذاجة الطبع وما اعتدنا عليه"*
أجمل مافي العالم
مشهده العابر
ومباهجه الصغرى
طوبى لك
إن كنت بسيط القلب
فستفهم مجد الأرض
سحر الأشياء المألوفة
إيقاع الدأب اليومي
وجمال أواصر لا تبقى
وسعادة ماهو زائل!
- محمود البريكان رحمه الله.