الأمكنة كائنات صبورة، لا إلى الحد الذي يمتحنها الفقد. حين غادرت، أخذ التعب يسعل في تربة القرية، فتبعثرت السحب جرحى يعجزها البكاء، والتوى كاحل الريح لمّا ركض خلفك يناديك: أرجعي.
كنت معه في مهمة تقفيل الخطوات، وفي حساب بروتين الوجبة الأهم بعد التمرين. كان يتحسس الليلة التي أسهرها بالخطأ فيسهرها معي، وفي طريق العودة من قرار اتخذته عنادًا، من دون أن يشعرني ولو لوهلة أن الحق كان معه.
كان يسبقني إلى أول ساعة من يوم ميلادي ويبارك لنفسه وجودي في حياته. كنا معًا حين داهمتنا نبرة وداع، ولم تُسعفنا الكلمات لنقول إلى اللقاء، أو مع السلامة. لكن نظرته قالت أشياء أعمق، وضغط أصابعه على راحة يدي كان أبلغ من أي كلمة، وأقوى من عناق أخير. ومن يومها ونحن عالقين في أيام لا تستفيق.
جهزت لك عذرًا سمينًا، ولمّعت أفضل صورة لك أمام العائلة والعالم. اشتريت مقعدًا جديدًا وضعته أمام مقعدي القديم، وكتبا تحبها لأسمعها من خلالك بدهشة الإنسان الأولى.
صنعت قائمة موسيقية من الأغنيات التي أتخيل أنها تشبه مزاجك وتليق بذائقتك. اخترت هدية للذكرى السنوية، وخبأتها بحرص. بحثت عن أفضل فيلم في صالات السينما، وحجزت المقعدين الأفضل في منتصف الصف الأخير بالأعلى.
وخططت لطريق سفر طويل، يفتح لنا تاريخًا كاملًا، ممتلئ بالأسرار المتأهبة لتكشف عن نفسها.
ثم فكرت ولو للحظة، باحتمال أن تكون الصديق المقرب لأحدهم .
أهز رأسي، في محاولة لطرد هذا الاحتمال، وأنادي الأمنيات والصلوات...
رباه اجعله مثلي، ويبحث عني.
في أول عتبة لي تركت أرجوحة مهترئة أحبها، وخربشات بكحل أمي أسفل حائط السور في الجهة الغربية، والتسلل إلى وِجار بيت الشعر لإشعال أعواد كبريت منسية ،وغرفتي التي لم تكن لي أصلًا، وملامح أختي المتجهمة وهي تشير إلى باب الغرفة، كلما جئت إليها، وسور المدخل الغربي الذي تفرش عليه أمي المفارش المبتلة فأتوارى بينها حين أبكي.
كلما مررّنا بالباب الحديدي الطويل، بحماسة مخطوفة من ماضينا، نشير إليه، هذا بيتنا القديم، بيتنا.. وليس لنا.
لا أقول أنا، فقد صرت للفقد وطنا
لا أقول اشتقت فالاشتياق أنا.
أنا لا أقول شيئًا..
إنما الأغصان التي هزتها الرياح استعارت صوتًا، أظنه صوتي، وفي المدى قالتها، قالت تعال
هذا الطريق الذي غادرته يلتوي حول نفسه كسلكٍ شائك، كاختلاء حزين بحزنه، وهذه القرية المغطاة بالتعب ترسل مع الرياح ذرات تربتها كزاجل عنيد إلى الأرض التي استقبلتك.. علّها تستريح
بين تفضيل الأيام المفاجئة والأيام التي نتوقع أحداثها وتمررنا بين أصابعها. للمفاجأة قدرة على أن تكون وحشية وعدائية، بينما الأيام الرتيبة تقودنا من أيدينا إلى حتفنا في غياهب العمر