عادوا في آلاف السيارات نحو الجنوب، بقلوب مثقلة بالأمل والخوف، لا يعرفون هل سيجدون بيوتاً أم فقط بقاياها … و"ويا شعب الشعوب، الأقوى من الحروب، بتبقى إذا ببقى يا شعب الجنوب" 🇱🇧🤍
#الجنوب#لبنان
هذا النبأ الحزين كنت أخشاه كثيراً. رحل #أنطوان_كرباح، الممثل الأسطوري. كان منذ سنوات يعيش بعيداً عن العالم، على كوكبه الخاص الذي استدرجه إليه الزهايمر… لكنه كنا نعرف انّه هنا في مكان ما… في دار عناية في الأشرفية.
كان يقف منذ سنوات على رصيف المحطة، ينتظر القطار الذي سيأخذه الى الوجهة الأخيرة. كان بلا حقائب منذ انقضاء العصر الذهبي للمسرح اللبناني. ذهب حاملاً معه سكريبت مسرحية محمد #الماغوط #المارسييز_العربي (#يعقوب_الشدراوي�� 1975) التي أعلنت بداية الحرب الأهلية! ترك العالم العربي حيث وضعه الماغوط: في القمامة الشهيرة، ومضى.
قبل عقد تقريباً، جعله ابنه الرسام والموسيقي #مازن_كرباج بطلاً لشرائطه المصوّرة التي حملت العنوان نفسه: المارسييز العربي. كما راح مازن يبحث عن الأب ويرسمه، من خلال حوار متشابك مع أمه #لور_غريّب على مساحة اللوحة. كان يعالج أوديبيّته ربّما… في كل الاحوال، كانت تماريناً على الغياب!
كرباج الأب، أخذ معه أيضاً سنوات العز. وكل هذه المسرحيات الفريدة التي لم يعد يذكرها أحد: من #ماكبث إلى #بربر_آغا، من #هاملت و #أورست، إلى #يوسف_بك_كرم و #فاتك_المتسلّط، من #أبو_علي_الأسمراني إلى #اليوزباشي_عسّاف… من #سوفوكليس إلى #سارتر، من #منير_ابو_دبس إلى #انطوان_غندور… من #الرحابنة إلى #كركلا…
صوته ما زال عالقاً في الذاكرة. هذا الصوت الرخيم، صوت الرجولة المطلقة، والبطولة المطلقة. الصوت المنذور للمدرج المسرحي في زمن الإغريق. لم نسمع صوتاً يشبهه منذ التزم بطلنا الصمت.
كان أنطوان أستاذنا في معهد المسرح. علمنا نظرية البطاطا الملتهبة التي عليك أن تتخيل انك وضعتها في فمك، فيفتح حلقك ويتدفق الصوت. بعد منهج #ساميا_ساندري الكلاسيكي في تلقين الالقاء، بدا لنا ذلك غريباً وخارجاً على الكتب والقواعد. أنطوان كرباج كان خارجاً على الأنماط والقوالب، بعد انتهاء الحصّة كان يحدث ان نسمع باربارا او جان فيرا في سيارته، كلّما عرض أن يوفر علينا عناء الاتوستوب!
الممثلون دائماً يبقون… مثل أشباح الأوبرا. لكن أنطوان كرباج مختلف، بهذا أيضاً. هو أيقونة على حدة في سجلّ الثقافة اللبنانية. إنه يسكن ذاكرة كل اللبنانيين… كرباج بطل شعبي بامتياز. ليس من لبناني، على أجيال متعاقبة، إلا وخلق معه علاقة خاصة أو حميمة من خلال هذا المسلسل أو ذاك الفيلم او أعمال الرحابنة وأنطوان غندور … «الولاد بدن يكبروا، ما بيقدروا ينطروا ��يصير في حكومة… كاسك خيي برهوم» (ملهب، المهرّب، في «يعيش يعيش»)!
أكاد الآن أسمع تنفسه، أراه أمامي على الخشبة متلفّعاً بالمشلح إياه، وشاهراً سيفه الكرتون. هكذا يجب أن نعيش الحياة، كما في المسرح، بدونكيشوتية تامة. مثل "الجنرال" بطل #عصام_محفوظ الذي انهار كل شيء من حوله، وبقى يقود المعركة ويحرز الانتصارات!
رحل أنطوان كرباج؟ لنقل إنه التحق بلور! في آخر معرض لها، رسمته رفيقة الدرب الطويلة، الف مرة. في كل منمنمة من منمنماتها! ذات مرّة في دار العناية الذي انتقل اليه منذ أكثر من عقد. سألها: ما اسمك انت؟ قالت: لور. تألقت عيناه: «اسمك متل اسم مرتي»! حين يلتقيها هذه المرة سيكون قد استعاد ذاكرته… سيجلسان إلى الطاولة القديمة نفسها في #الهورس_شو. أما نحن، فسنفتقدهما. الخوف، كل الخوف، أن نفقد ذاكرة العصر الذهبي للمسرح اللبناني.
موتنا ليس لفرجة الرجل الأبيض، صور نزوحنا ليست لمواقع التواصل الاجتماعي وجمع الإعجابات عند جاكسون هينكل، من يقتلنا ليس كيانًا رماديًا أو وهميًا، من يقتلنا إسرائيل بسلاح أميركي ودعم عالمي. من يدافع عنا شباب المقاومة في جنوب لبنان وصواريخهم وسواعدهم. تسقُط الرمادية ويسقُط العالم.
ثق بقوة بلدك، قوتك، قوة شبابك، قوة مقاومتك..ثق ان المطار سيقابله مطار والمبنى ناطحة سحاب، والانترنت انترنت، والشجرة شجرة، والطفل جندي، والمقاوم ميركافا.. ثق ان اسرائيل مردوعة لانها تعلم.. ثق اننا أقوياء..
"البلد ليس لنا، لكنهم لن يسرقوه في غفلة. مهما حصل، ولو نزلت السماء على الأرض، هم لن يسرقوه. ومعنا سلاح المقاومة، ومعنا إيران، وأبناء قاسم سليماني. كلّ هذه الأمور التي يمقتونها باقية ولن تذهب إلى مكان، ونحن لن نذهب إلى مكان."
https://t.co/oPDFr2WxwI