@mohd_almarzooqi@GhaithHAI مبروك يا بوزايد. كتب السير الذاتية لموظفين سابقين في شركات عملاقة مثل" اتصالات" نادرة جدًا. وقد تسن، إن قررت خوض المغامرة، سنة جديدة في عالم الكتابة شبيهة بكتابك "إماراتي في الرياض" الذي جاءت بعده عدة كتب لإماراتيين وغير إماراتيين يوثقون تجاربهم في مختلف الدول والمدن.
قبل تسع سنوات أطلقت "موزاييك" خلال معرض أبوظبي للكتاب المبادرة الأولى من نوعها في ذلك الوقت لإعادة تصميم أغلفة الروايات. شارك في المبادرة عشرات المصممين والفنانين والقراء من مختلف الدول العربية بأعمال غاية في الإبداع والجمال والروعة .. مقارنة بالأغلفة الأصلية لهذه الروايات. كنا نؤمن، بحس مفرط بالسذاجة، بأن هذه المبادرة قد تكون الشراراة التي توقد شعلة الإبداع لدى دور النشر فتلفت إلى العنصر الجمالي المسكوت عنه في عملية صناعة النشر. ولكن بعد تسع سنوات لا يزال الحال على ما هو عليه، إن لم يكن أسوأ مع فوضى الذكاء الاصطناعي.
المسألة مب في استخدام ال ai من عدمه ولكن لأن حتى التصاميم المولدة بهذه الأداة تكون في الغالب مباشرة جدًا وخالية من الإبداع، مثل تصاميم الانفوجرافيك اللي هابين فيها الناس من فترة وكلها شبه بعض. عموما دور النشر اللي كانت قبل ال ai تاخذ صورة من قوقل أو تستخدم بوستر فيلم في أغلفتها هي اللي في الغالب ستلجأ لهذه الأدوات من باب الاستسهال وترشيد النفقات ربما.
يسرّني الإعلان عن تدشين مجموعتي القصصية الجديدة: #فعل_ماضٍ_ناقص، الصادرة عن #منشورات_رامينا – لندن، ضمن فعالية #مؤسسة_بحر_الثقافة في #متحف_اللوفر_أبوظبي.
تقع المجموعة في 33 نصّاً، بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً.
بالقراءة وحدها يكتمل نقص الماضي، ويزدهر الحاضر والمستقبل..
مع أخبار إغلاق العديد من المكتبات ومتاجر بيع الكتب مؤخرًا، عادت بي الذاكرة إلى مكتبة "موريوكا شوتين" في طوكيو والتي تعرف باسم "مكتبة الكتاب الواحد".
هذه المكتبة الفريدة من نوعها تتبنى فلسفة تتحدى المفهوم التقليدي للمكتبات التجارية. فعوضا عن ملء الرفوف بمئات الكتب، تقوم المكتبة باختيار وعرض وبيع عنوان واحد فقط لمدة أسبوع كامل، ثم يتغير الكتاب في الأسبوع الذي يليه. وفي كل أسبوع يقام معرض فني مصاحب مستوحى من ثيمة الكتاب المختار، وغالباً ما يتواجد مؤلف الكتاب أو الناشر في المكتبة خلال ذلك الأسبوع.
لاحظ صاحب الفكرة يوشييوكي موريوكا، بعد سنوات من العمل في إدارة مكتبات تقليدية في طوكيو، بأن حفلات توقيع الكتب التي تركز على عنوان واحد كانت دائماً ما تحقق نجاحاً كبيرًا وتخلق تواصلاً حقيقياً بين المؤلف والقراء. وهذا ما دفعه لتبني فكرة تكريس مكتبة كاملة للاحتفاء بكتاب واحد في كل مرة.
السر يا أستاذنا في الذكاء التسويقي لـ"بينغوين"، على فكرة .. قبل سنة أيضًا قاموا بنشر طبعات صغيرة، ولكن بيضاء هذه المرة، لمجموعة متنوعة من الكلاسيكيات وأعادوا إحياء كتب أوشكت على الموت. لذلك دائمًا نقول أن عملية النشر ليست إعادة طباعة لأعمال أصبحت حقوقها متاحة، ولكن في القدرة على تسويق هذه الأعمال. التسويق هو العامل الأهم في عملية النشر، سواء كان ذلك لأعمال كلاسيكية أو معاصرة.
أعزب من دون أبناء، صديق كنت أعرفه منذ المراهقة، نطق أمامي بعبارة ملغزة:
• لو كنت أنجبت، لكان سن الابن الأكبر الآن 25 عامًا.
كنا تعشّينا معًا، بمفردنا، ثم خرجنا كعادتنا منذ 30 عامًا لتناول كأس، مرة أو مرتين كلَّ شهر. أنا وهو كنا خمسينيين، وبدت لي معجزة أن حافظنا على عادة نضحي من أجلها بأي التزام. وفي لحظة ما، ذكرت ابنتي، وحينها أخبرني بأنَّه لو أنجب لكان ابنه الكبير الآن في الخامسة والعشرين.
• والصغير؟ سألته وأنا أكتم أنفاسي؛ إذ لم أكن متأكدًا أنّي سمعتُ جيدًا.
• الصغير سيكون في الثانية والعشرين، قال وهو يقرّب الكأس إلى شفتيه بإيماءة نوستالجيا.
مع ذلك، حين نطق صديقي بتلك العبارة (لو كنتُ أنجبت لكان ابني الأكبر في الخامسة والعشرين) فكرت أنَّ ما لم يحدث في حياة الناس تأثيره أكبر مما قد حدث. هذا الأعزب في الظاهر لديه في بُعدٍ آخر مأوًى لعائلة متخيلة، عائلة يشيّدها منذ 25 عامًا على الأقل. وفكرتُ حينها أنَّ كلَّ واحدٍ منا يحمل في داخله «شيء لم»، بمعنى، شيء لم يحدث له، ومع ذلك يمثل أهمية في حياته أكبر من «شيء نعم»، أي ما حدث بالفعل.
ثَمَّة أناسٌ يخلصون بشكل غامض لـ «شيء لم» ويتخلون عن «شيء نعم». فكرت في نفسي: كنت كاتب تحقيقات ماهر، لكن ما يمثل أهمية في حياتي لم تكن تحقيقات حصلت بها على جوائز، وإنَّما رواية لا وجود لها. كلُّ واحدٍ منا لديه جرحٌ ينضح بسبب «الشيء لم»، حتى أنَّ «الشيء نعم» مهما كان عظيمًا لا يداويه.
تخيلت صديقي منذ 25 عامًا، يوم لم يولد فيه ابنه الأكبر، وكذلك يوم لم يتزوج فيه، عرفت في الحال ممَّن لم يتزوج؛ لأننا كنا زملاء كلية، وكنتُ أعرف مع مَن يخرج من فتيات، مع أنَّه لم يغرم إلا بفتاة واحدة لم يعايشها ـ أنتبه إلى ذلك الآن ـ خلال كلّ تلك السنوات، ولم ينجب منها طفلين بالتأكيد، الكبير منهما لا يبلغ 25 عامًا الآن.
في تلك الليلة لم أستطع النوم، ظللت أغزل سيرة موازية لصديقي، تذكرته جالسًا على الشاطئ في عدة مصايف قضاها معنا أنا وزوجتي، حين كنا شبابًا وابنتنا صغيرة. كان له دائمًا غرفة متاحة في بيتنا، حيث اعتاد بمتعة ما عاداتنا العائلية. كنت أقول إنّي تذكرته جالسًا على الشاطئ بكتابٍ بين يديه، وبعد برهة، يترك الكتاب جانبًا، ويتيه في أحلام يقظة مع ابنين لم ينجبهما من امرأة لم يتزوجها. ربما حين كنت أراه بنظرة تائهة في الأفق كان يرنو إليهما خشية أن يغرقا، ربما كان يبصر كيف يلعب ابناه مع طفلتي. تذكرت حينئذٍ أنَّ صديقي، فيما كانت ابنتي تكبر، كان يطرح عليَّ أسئلة فضولية ذات طابع عملي، غير مبررة لمن ليس له عائلة. ذات يوم اهتم بمواعيد التطعيمات، كان يريد معرفة في أي سن يُطَعَّم الأطفال، ومن ماذا. ربما كان يحمل دفترًا خياليًّا للتطعيمات، دائمًا ما اهتم بدراسة ابنتي، وكان يدوّن ملحوظة عن سن تعلّم القسمة والضرب والجمع.
• هل تواجه ابنتك صعوبة في تعلم اللغة أو الرياضيات؟ كان يسأل باهتمام بدا لي غامضًا.
أدركت حينئذٍ مغزى كلّ تلك الأسئلة، كلما رحت لأُطعم ابنتي، كان هو يروح لعدم تطعيم ابنيه. ربما كان يراهما، في هذا البُعد الآخر الموازي لحياته كأعزب بلا أبناء، وهو لا يأخذهما إلى السينما، إلى السيرك، إلى مطاعم البرجر، إلى المتاحف، وتساءلت إن كان في وجود «الشيء لم» تحدث كوارث، كما في وجود «الشيء نعم». هل يصاب الأبناء غير الواقعيين بالحُمّى؟ هل تصيبهم الحصبة أو البرد؟ هل يسعلون بالليل، في السرير، على الجانب الآخر من الممر المعتم؟
وفجأة أدركتُ أشياء كثيرة عن صديقي، وربما عن نفسي، كنت أعدّها حتى تلك اللحظة أشياء غريبة فحسب، ربما في ذاك الوجود لـ «الشيء لم» كانت حياته تعاني انتكاسات لم يكن بوسعي تخيلها، وانتبهت لقسوة ما كنته حين كنت أقول له إنَّه رجلٌ بلا هموم، بل كان غارقًا في الهموم، وربما همومه أكبر من همومي بكثير.
----
* من رواية "امرأتان في براغ"، خوسيه خوان مياس
لسبب لا أدركه، أو ربما أتظاهر بأنني لا أدركه، أعود للقاهرة كل عام مع خطط لزيارة معالمها الأثرية ومتاحفها العريقة ومناطقها السياحية، ولكن ما أن تطأ قدمي أرض المطار حتى تتبخر كل هذه الخطط الكبيرة وتتلاشى لتحلّ محلها الرغبة في التجول بلا هدف في الشوارع المكتظة بالمارة ووسط ضجيج السيارات التي لا يتوقف أصحابها عن "التزمير" بسبب وبدون سبب.
هنالك سحر شاعري في شوارع القاهرة يجذبك من تلابيبك ولا يتركك حتى تشعر به، بكل جوارحك، فيما تشاهده وتسمعه .. في لافتة نيون يغمز ضوءها لعطل في المصباح، في الإيقاع الموسيقي لقطرات الماء التي تسقط من صنبور مياه بحاجة إلى إصلاح، في ملاحقة "الشحاتين" لك بدعوات أقرب للنكات منها إلى الأدعية، في الباعة الذين يكتشفون بحدسهم أنك سائح خليجي فيضاعفون أسعار بضائعهم، في أكشاك الكتب التي تكاد أن تنقرض في كل دول العالم إلا هنا. ليست القاهرة، بهذا المعنى، سوى رواية، ولكنها من ذلك النوع النادر من الروايات التي تعيد قراءتها مرارًا وتكرارًا مع تنويه في الصفحة الأولى يؤكد لك بأن كل الشخصيات التي ستصادفها والأحداث التي ستعيشها ليست من وحي الخيال وإنما حقيقة حلوة ولذيذة.
في القاهرة تعرفت على روايات طلال فيصل، وهو الروائي العربي الوحيد الذي قرأت كافة رواياته، والذي لا يفشل في إدهاشي في كل مرة .. وفي كل رواية، منذ "سيرة مولع بالهوانم" مرورًا بـ "سرور" و"بليغ" و"الغابة والقفص" وحتى آخر رواياته "جنون مصري قديم"، وفي القاهرة قرأت رواية "احتفالية اليوم الوطني للثلج" البديعة لمينا مبارك، الذي لولا القاهرة ومكتبة "ديوان" في الزمالك، لما تعثرت به. أما رواية "الواقعة الخاصة بأموات أهله" للروائي محمد عبدالجواد فهنالك طريقة واحدة وصحيحة لقراءتها .. أن تقرأها في القاهرة.
أغادر القاهرة، مثل كل عام، مع خطط لزيارة معالمها الأثرية ومتاحفها العريقة ومناطقها السياحية مستقبلاً وأعلم في قرارة نفسي بأني لن ألتزم بأي خطة منها.